أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتماعي














المزيد.....

10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتماعي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين خرج الشباب العربي إلى الساحات بين 2010 و2011، لم يكن مطلبهم محصورًا في زيادة أجور أو تعديلات دستورية شكلية، بل كانوا يخوضون صراعًا يمس جوهر وجودهم الاجتماعي. لم تكن القضية تحسين شروط الحياة داخل الإطار القائم، وإنما إنقاذ إمكانية الحياة نفسها من التآكل والانهيار. هكذا اكتسبت الانتفاضات العربية طابعها الخاص: إذ تداخل الاقتصادي بالسياسي ليتحول إلى مطلب وجودي شامل، بعدما عجز النظام الريعي عن تأمين الحد الأدنى من شروط البقاء الاجتماعي لغالبية السكان.

الوجود الاجتماعي في المجتمعات العربية الريعية بات هشًا ومعلقًا على احتمالات ضيقة. فالبطالة البنيوية أقصت ملايين الشباب من دورة الإنتاج، فصاروا فائضًا بشريًا من منظور النظام. وأزمة السكن جعلت تأسيس حياة مستقلة أمرًا شبه مستحيل، فامتدت الطفولة الاجتماعية قسرًا. أما تدهور التعليم والصحة والنقل، فقد حول الحياة اليومية إلى عبء دائم، فيما بدا المستقبل غامضًا ومثقلًا بالتهديد بدل أن يكون أفقًا للأمل. في مثل هذه الشروط، يغدو التمرد ضرورة وجودية لا خيارًا فكريًا: إما مقاومة الموت البطيء، أو الاستسلام له.

هذا الطابع الوجودي هو ما منح الثورات العربية قوتها الانفجارية، وهو ما بث الذعر في النخب الحاكمة وحلفائها الدوليين. فعندما يرتقي الشعار من مطلب جزئي إلى مطلب "عيش وحرية وكرامة إنسانية"، يصبح التحدي موجهًا إلى بنية النظام ذاتها. عند تلك اللحظة، لا تعود الإصلاحات التدريجية كافية، ولا التسويات المرحلية مجدية؛ إذ يتكشف المعنى الجذري للثورة بوصفها لحظة انهيار الشرعية القائمة وفتح أفق لإعادة التأسيس.

الكرامة الإنسانية، التي تصدرت الهتافات في الميادين، لم تكن شعارًا أخلاقيًا مجردًا، بل تعبيرًا ماديًا عن مطلب ملموس. الكرامة تعني ألا يُهان الإنسان في طوابير الخبز، وألا يخضع لتعسف إداري أو أمني، وألا يُجرد من حقه في الأمان والعمل والمسكن. في الشعار الثلاثي "عيش، حرية، كرامة إنسانية" تتكثف علاقة جدلية واضحة: لا عيش بلا حرية، ولا حرية بلا كرامة، ولا كرامة بلا شروط مادية تضمن العيش الكريم. هذا الترابط هو الذي يصنع الوعي الثوري حين يتجاوز التجزئة ويعيد وصل المطالب ببنيتها الاجتماعية.

لقد أدركت الجماهير، بحدسها المرتبط بتجربتها اليومية، ما عجزت قطاعات من النخب عن بلورته نظريًا: أن النظام الريعي غير قابل للإصلاح لأنه قائم على تكريس التبعية وإعادة توزيع الثروة لصالح أقلية ضيقة. وكل حديث عن "انتقال ديمقراطي" منفصل عن تفكيك هذا الأساس الاقتصادي لا يعدو أن يكون إعادة ترتيب للواجهة السياسية. هذا الإدراك لم يولد في قاعات الجامعات، بل في الاحتكاك المباشر مع البيروقراطية والقمع وغلاء المعيشة، أي في صميم التجربة الاجتماعية الحية.

غير أن هذا الوعي الوجودي، على الرغم من قوته، ظل محدودًا بغياب اكتماله التنظيمي. عرفت الجماهير ما ترفضه، لكنها لم تصغ بعد تصورًا متكاملًا لما تريد أن تبنيه. شعار "إسقاط النظام" عبّر عن لحظة نفي شاملة، لكنه لم يترافق دومًا مع تصور تفصيلي للنظام البديل. والعدالة الاجتماعية بقيت مطلبًا عامًا لم يتحول في كل السياقات إلى سياسات محددة وآليات واضحة. هذه الفجوة بين وعي الرفض ووعي البناء فتحت المجال لقوى الثورة المضادة كي تعيد إنتاج الهيمنة بأشكال محدثة.

الوجود الإنساني، كما أوضح كارل ماركس، يتحدد بشروطه الاجتماعية وبعلاقات الإنتاج التي يعيش في إطارها. وعندما تعجز هذه العلاقات عن استيعاب الأغلبية، فإنها تولد تناقضاتها الداخلية. لكن التمرد الذي ينشأ عن هذا التناقض لا يتحول تلقائيًا إلى نظام جديد؛ إذ يتطلب الأمر مشروعًا بديلًا يعيد تنظيم العمل المنتج، ويوجه الثروة نحو تلبية الحاجات الاجتماعية، ويؤسس لمؤسسات ديمقراطية تشاركية تُمكّن الناس من تقرير مصيرهم.

من هنا تبرز المهمة التاريخية للحركات الثورية في العالم العربي: الانتقال من لحظة الرفض إلى لحظة التأسيس. إنها مهمة مزدوجة، نظرية وعملية في آن، تتطلب بلورة رؤية واضحة للبديل وبناء أدوات تنظيمية قادرة على تجسيده. وقد كتب باولو فريري في "تربية المحرومين": "التمرد مرحلة ضرورية لكنها غير كافية"، مشيرًا إلى أن الوعي النقدي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى ممارسة تغييرية منظمة. لقد أنتجت الانتفاضات العربية وعي التنديد بقوة، ويبقى التحدي في تحويله إلى وعي بناء يرسخ أسس وجود اجتماعي جديد.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور


المزيد.....




- باكستان تذكّر إيران باتفاقية الدفاع المشتركة مع السعودية
- فيديو منسوب لـ-هجوم إيراني على السفارة الأمريكية بالرياض-.. ...
- قطر تؤكد أن الهجمات الإيرانية لن تمر دون رد.. وطهران: نستهدف ...
- خيارات صعبة أمام ولي العهد.. كيف ستواجه السعودية تصاعد الهجم ...
- إيرانيون يضعون الزهور عند نصب تذكاري مؤقت لخامنئي في موسكو
- -خطة الحريق الكبير-.. ماذا أعدّ خامنئي قبل اغتياله لمواجهة ح ...
- حكومة سلام تنزع الغطاء عن حزب الله وتحظر أنشطته العسكرية.. ه ...
- الصين تدعو جميع الأطراف للحفاظ على سلامة الملاحة في مضيق هرم ...
- اليوم الرابع من الحرب.. دول الخليج تحت النيران الإيرانية وهل ...
- علي لاريجاني... السياسي المحنك الذي تعول عليه إيران في مرحلت ...


المزيد.....

- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتماعي