أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ثورات اجتماعية














المزيد.....

11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ثورات اجتماعية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 14:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن استيعاب مسار الربيع العربي دون التوقف عند سؤال الهزيمة بوصفه مدخلاً للتحليل لا مناسبة للرثاء. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الانتفاضات، استعادت الأنظمة القديمة زمام المبادرة في مصر، وانزلقت سوريا واليمن وليبيا إلى حروب مدمرة، بينما دخلت تونس في مأزق سياسي واقتصادي عميق. غير أن الهزيمة هنا لا تُقرأ كخاتمة نهائية، بل كلحظة جدلية تكشف حدود التجربة، وتعيد ترتيب عناصر الصراع، وتدفع نحو مراجعات ضرورية. المهم ليس اجترار الخسارة، بل تحويلها إلى وعي نقدي يمهّد لما هو قادم.

الانتفاضات العربية كانت، في جوهرها، ثورات سياسية أطاحت برؤوس أنظمة دون أن تمس البنية الاقتصادية-الاجتماعية التي أنتجتها. هذا التناقض يفسر الكثير من مآلاتها. لقد استهدفت الجماهير قمم السلطة ورموزها، لكنها لم تقترب بالقدر الكافي من عمق علاقات الملكية وهيكل التراكم وموقع الاقتصادات المحلية في شبكة التبعية العالمية. بقيت قوى الإنتاج وعلاقاتها على حالها، فظل الأساس الذي تستند إليه السلطة قائماً حتى بعد سقوط واجهتها السياسية. هذا الفصل بين السياسي والاقتصادي أتاح للثورة المضادة أن تعيد تنظيم صفوفها من داخل البنية ذاتها.

تشبه هذه اللحظة ما حدث في ثورات 1848 الأوروبية التي حللها كارل ماركس في "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت"، حين تحالفت قوى كانت تبدو متعارضة خوفاً من صعود قوة اجتماعية جديدة. في السياق العربي، لم تكن هناك برجوازية ثورية تحمل مشروعاً تحويلياً، بل برجوازية ريعية مرتبطة عضوياً بالدولة وأجهزتها. لذلك، حين تهاوت الرؤوس السياسية، بقيت المصالح الاقتصادية في مواقعها، وسرعان ما وجدت من يحميها. أخافتها الانتفاضات، لكنها لم تهدد وجودها الطبقي فعلياً، فاختارت الاستقرار على حساب التغيير الجذري.

غياب الوضوح الطبقي في قيادة الحراك كان عاملاً مركزياً في هذا المسار. القوى التي تصدرت المشهد بعد سقوط الأنظمة تنوعت بين إسلامية وليبرالية ويسارية تقليدية، لكنها التقت عند حدود معينة: المطالبة بإعادة توزيع سياسي للسلطة دون المساس بجوهر علاقات الملكية. انحصرت المطالب في الانتخابات والدساتير وتعديل هياكل الحكم، بينما بقيت مسألة توزيع الثروة وبنية الاقتصاد في الظل. هذا التردد أمام السؤال الاجتماعي الحاسم فتح الباب أمام عودة قوى النظام القديم بأشكال جديدة.

من هنا تبلورت ثلاث آليات رئيسية للهزيمة. أولها استعادة الدولة العميقة تماسكها، إذ بقيت الأجهزة العسكرية والأمنية خارج المساءلة، فاستثمرت الانقسامات السياسية لتقديم نفسها كضامن للاستقرار، ثم كمنقذ من الفوضى. ثانيها التفريغ التدريجي للمكتسبات، كما في تونس، حيث استمر النهج الاقتصادي نفسه تقريباً، فأعيد إنتاج علاقات المحسوبية والفساد، وبقيت أسباب الغضب الاجتماعي دون معالجة، مما جعل الديمقراطية الوليدة هشة ومهددة. ثالثها الانزلاق إلى حروب أهلية في بلدان انهارت فيها مؤسسات الدولة أو اشتد فيها القمع، فتحولت الانتفاضة إلى صراع مسلح متعدد الأطراف، تدخلت فيه قوى إقليمية ودولية وحوّلته إلى ساحة تنازع بالوكالة.

ومع ذلك، فإن الهزيمة ليست انقطاعاً مطلقاً، بل لحظة وعي قاسٍ. لقد كشفت التجربة حدود الرهانات الجزئية، وأظهرت أن التغيير السياسي المنفصل عن التغيير الاقتصادي يظل هشاً. دروس العقد الماضي تشير بوضوح إلى أن أي تحوّل حقيقي يقتضي برنامجاً يمس علاقات الملكية، ويفكك تحالف الدولة العميقة مع رأس المال، ويعيد تعريف الاستقلال الوطني بوصفه استقلالاً اقتصادياً واجتماعياً لا مجرد سيادة شكلية.

كانت الانتفاضات مثقلة بأوهام متعددة: وعود القومية غير المنجزة، رهانات الإسلام السياسي، ثقة مفرطة بقدرة الليبرالية الإجرائية على حل التناقضات البنيوية. بعد الهزيمة، تتساقط هذه الأوهام تدريجياً، ويصبح ممكناً رؤية الصراع في طابعه الطبقي العاري. وكما كتب أنطونيو غرامشي في "دفاتر السجن": "التشاؤم بالعقل، التفاؤل بالإرادة". فالعقل يدرك صعوبة المهمة وتعقيد موازين القوى، لكن الإرادة ترفض تحويل الهزيمة إلى قدر نهائي.

الهزيمة، بهذا المعنى، ليست مبرراً لليأس بل شرطاً للنضج. إنها لحظة مراجعة تعيد صياغة الأسئلة وتدفع نحو بناء أدوات نظرية وتنظيمية أكثر رسوخاً. والثورات المقبلة، إن أتت، لن تكون تكراراً لما سبق، بل نتاجاً لتراكم الوعي الذي ولد من رحم الإخفاق.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية


المزيد.....




- في المكسيك.. نساء يتحدين الجاذبية بهذه الرقصة التقليدية على ...
- كيف تتفاعل الأسواق العالمية مع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط؟ ...
- رئيس الوزراء الكندي لا يستبعد المشاركة في الحرب ضد إيران
- إيران تهدّد بضرب مفاعل ديمونا، فماذا نعرف عنه؟
- فرنسا تسمح بتواجد مؤقت لطائرات أمريكية في بعض قواعدها
- ألمانيا: الحكم على لاجئ سوري بعد هجوم الطعن في نصب الهولوكوس ...
- هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران.. هل تتبع طهران استراتيجية في ...
- حرب في الشرق الأوسط.. هل تنخرط دول أخرى في الحرب؟
- الحرب في الشرق الأوسط.. نحو مزيد من التصعيد؟
- ماجد القيسي: التدخل البري بإيران يشعل صراعا قوميا بالمنطقة و ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ثورات اجتماعية