عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 21:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا يمكن فهم الأزمة البيئية في العالم العربي بمعزل عن وظيفة الدولة كأداة طبقية لإدارة التراكم الريعي، وليس كوسيط محايد بين المصالح المتنافسة. فالدولة هنا ليست مجرد إطار قانوني يوزع الموارد وفق معايير "المصلحة العامة"، بل هي جهاز متكامل من المؤسسات والقوانين والأجهزة القمعية التي تعمل على إعادة إنتاج هيمنة تحالف طفيلي ضيق، وتنظيم عملية النهب البيئي لصالحه. السياسات البيئية في هذه الدول ليست استجابة موضوعية للأزمات، بل جزء من آليات إعادة إنتاج الهيمنة ذاتها: تُستخدم قوانين حماية البيئة أحيانًا لترهيب المعارضين وإغلاق مساحات النضال، وتُهمل أحيانًا أخرى لتسهيل استنزاف الموارد لصالح المستثمرين الكبار، وتُعاد صياغتها باستمرار لتكريس سيطرة النخب على الثروات الطبيعية باسم "التنمية" و"الاستثمار".
تفكيك أجهزة الدولة المختصة بالبيئة يكشف عن هذه الوظيفة الطبقية بوضوح. فوزارات البيئة والمجالس المحلية وهيئات حماية الطبيعة، بدلاً من أن تكون أدوات للرقابة الشعبية على الموارد، تتحول إلى غرف توزيع امتيازات بين فصائل النخب الحاكمة، ومكاتب وساطة بين المستثمرين الكبار والجهات الأمنية التي تملك القرار الفعلي. القرار الحقيقي بشأن تخصيص الأراضي، ومنح تراخيص الاستخراج، وتحديد المناطق الصناعية، لا تمر عبر المؤسسات القانونية الظاهرية، بل عبر شبكات غير رسمية تربط كبار البيروقراطيين بجهاز القمع وكبار رجال الأعمال. هذه الشبكات هي التي تقرر من يملك الحق في استنزاف المورد، وأين يتمركز التلوث، ومن يتحمل تكلفته.
البرجوازية الريعية التي تدير هذا النظام ليست كتلة متجانسة، بل تشكيل طبقي معقد يتضمن فئات متمايزة تتقاطع مصالحها وتتناقض أحيانًا، لكنها تتحد في لحظة الدفاع عن جوهر النظام. فالبرجوازية الكمبرادورية (المرتبطة بالرأسمال العالمي عبر الاستيراد وإعادة التصدير والوساطة) تستفيد من استيراد التكنولوجيا الملوثة والنفايات الخطرة مقابل عمولات، وتعمل كحلقة وصل بين الشركات متعددة الجنسية والسوق المحلية. البرجوازية البيروقراطية (التي تشكلت داخل جهاز الدولة نفسه، من ضباط وكبار موظفين) تمتلك القدرة على تحويل قرارات التخصيص والتراخيص إلى ثروة خاصة، وتستثمر في قطاعات العقارات والبنية التحتية والطاقة التي تعيد إنتاج التدمير البيئي. البرجوازية المالية (المرتبطة بالبنوك ورؤوس الأموال المضاربية) تستثمر في مشاريع استنزاف الموارد ذات العائد السريع، وتشارك في خصخصة قطاعات المياه والطاقة والنفايات التي تحول الكارثة البيئية إلى فرصة ربح. هذه الفئات الثلاث تتشابك في شبكة واحدة من المصالح، وتعمل معًا على إعادة إنتاج نمط تراكم يقوم على تدمير شروط الحياة الطبيعية للمجتمعات المحلية.
هذا التشابك لا يقتصر على المستوى المحلي، بل يمتد عضويًا إلى رأس المال العالمي. فالشركات متعددة الجنسية العاملة في قطاعات النفط والغاز والتعدين والصناعات الكيماوية والنفايات، تشارك في نهب الموارد العربية عبر تحالفات مع البرجوازية الكمبرادورية المحلية، وتستخدم تكنولوجياتها الملوثة لاستخراج أقصى ربح بأقل تكلفة، وتصدر النفايات الخطرة إلى المنطقة تحت غطاء "إعادة التدوير" أو "التخلص الآمن". هذا التقسيم الإمبريالي للعمل البيئي ينقل الكلفة البيئية إلى الأطراف العربية بينما تستحوذ المراكز على الفوائد. فالمجتمعات العربية تتحمل التلوث الناتج عن استخراج المواد الأولية التي تُصدّر للصناعات الغربية، وتستورد في المقابل نفاياتها الخطرة وتكنولوجياتها المهترئة، وتدفع ثمن استنزاف مواردها الطبيعية التي تدخل في سلاسل القيمة العالمية دون أن تجني سوى الفتات.
في هذا السياق، تتحول الكارثة البيئية نفسها إلى فرصة للتراكم. فخصخصة قطاع المياه، تحت شعار "كفاءة الإدارة" و"تحسين الخدمة"، تفتح المجال لشركات كبرى لاستغلال مورد حيوي وتحويله من حق اجتماعي إلى سلعة تباع للأعلى سعرًا. إدارة النفايات تتحول إلى سوق مربحة تتنافس عليها شركات محلية ودولية، بينما تبقى الأحياء الشعبية تختنق بمكبات النفايات العشوائية. مشاريع الطاقة المتجددة "النظيفة"، في صيغتها النيوليبرالية، لا تعني توزيعًا عادلاً للطاقة، بل تعني عقود امتياز طويلة الأجل لشركات كبرى تستولي على مساحات شاسعة من الأراضي العامة لإقامة محطات طاقة شمسية أو رياح، دون أن تعود فائدتها على المجتمعات المحلية التي فقدت أرضها. التدمير البيئي ليس عرضًا جانبيًا لهذا النمط من التراكم، بل هو شرط من شروطه: لا يمكن تحقيق الأرباح دون استنزاف سريع للموارد، ولا يمكن توسيع نطاق السيطرة على الموارد دون تدمير أشكال الإدارة المجتمعية التقليدية.
في مواجهة هذا النهب المنظم، تبرز الطبقة العاملة كفاعل مركزي، ليس فقط كمتضرر سلبي من التلوث، بل كقوة إنتاجية تتعرض للاستغلال المزدوج: استغلال قوتها العاملة داخل المصنع، واستغلال صحتها وبيئتها المعيشية خارجه. فالعمال في المصانع الكيماوية، في مناجم الفوسفات، في قطاع البترول، في المقالع والكسارات، هم الذين يتعرضون بشكل مباشر لأخطر أشكال التلوث والأمراض المهنية، وهم الذين يتحملون العبء الأكبر من انهيار الخدمات البيئية في أحيائهم السكنية. لكنهم أيضًا، بموقعهم الاستراتيجي في عملية الإنتاج، يمتلكون القدرة على شل آلة النهب إذا نظموا نضالهم حول المطالب البيئية والعمالية معًا. إن ربط النضال من أجل ظروف عمل آمنة بالنضال من أجل بيئة نظيفة في الأحياء السكنية، وتحويل المصنع من موقع استغلال إلى موقع تنظيم ووعي، هو المفتاح لتحويل القضية البيئية من قضية نخبوية إلى قضية طبقية مركزية.
لكن النضالات البيئية القائمة، رغم أهميتها، تظل في معظمها محصورة في إطار احتجاجات موضعية تفتقر إلى الاستمرارية والتوسع والوعي الطبقي الواضح. تتكون هذه النضالات غالبًا كرد فعل على تهديد مباشر (مشروع استثماري يهدد أرضًا أو مياهًا، كارثة بيئية مفاجئة، قرار إداري ظالم)، وتتصاعد بسرعة بفضل وسائل التواصل، ثم تتراجع بعد تحقيق مكاسب جزئية أو مواجهة القمع المباشر. حدودها الرئيسية تكمن في عجزها عن التحول من الدفاع عن موقع محدد إلى هجوم استراتيجي على بنية النهب ذاتها، وفي غياب روابط عضوية مع تنظيمات عمالية وسياسية أوسع، وفي تركيزها على المطالب التصحيحية داخل النظام بدل البرنامج البديل.
لتحويل هذه النضالات إلى حركة طبقية واعية، هناك شروط ضرورية. أولاً، بناء روابط تنظيمية بين النضالات المحلية المختلفة، عبر شبكات تنسيق تتجاوز الحدود الجغرافية والقطاعية، وتجمع بين النضالات البيئية والنقابية والنسوية في إطار واحد. ثانيًا، تطوير برنامج سياسي-اقتصادي واضح يحدد البديل: تأميم الموارد الطبيعية، وإخضاعها للرقابة الشعبية عبر مجالس منتخبة من المجتمعات المحلية والعمال، ومنع خصخصة قطاعات المياه والطاقة والنفايات، وإعادة هيكلة التخطيط العمراني والصناعي لصالح الأغلبية وليس النخب. ثالثًا، ربط النضالات البيئية بالصراع السياسي الأوسع ضد الدولة البونابرتية والبرجوازية الريعية، وإدراك أن الحل ليس في "إصلاح" السياسات البيئية داخل النظام القائم، بل في تغيير النظام نفسه.
هذا البرنامج البديل يتطلب أيضًا مواجهة الأيديولوجيا البيئية السائدة، التي تقدم خطاب "الاستدامة" و"التنمية الخضراء" كحلول سحرية للأزمة البيئية ضمن إطار النظام القائم. هذه المفاهيم، في ممارستها الفعلية، لا تعني وقف استنزاف الموارد، بل تعني إدارته بشكل أكثر كفاءة لصالح النخب ذاتها. "الاستدامة" في قاموس الشركات الكبرى تعني استمرارية تدفق المواد الأولية بأسعار منخفضة، واستمرارية قدرتها على تصريف نفاياتها في الأطراف، واستمرارية هيمنتها على أسواق الطاقة والمياه. "التنمية الخضراء" تعني فتح أسواق جديدة للاستثمار في قطاعات الطاقة المتجددة وإدارة النفايات، مع الحفاظ على نفس علاقات الملكية والسلطة. هذه الأيديولوجيا هي الشكل المعاصر للوعي الزائف الذي يعيد إنتاج النمط نفسه تحت غطاء "الحل البيئي".
في مقابل ذلك، يتعين بلورة أفق بديل يقوم على مبادئ واضحة: الموارد الطبيعية ملك عام لا يمكن خصخصته أو بيعه أو التصرف فيه إلا بإرادة المجتمعات المحلية المنتجة. إدارة هذه الموارد تخضع لرقابة مجالس شعبية منتخبة تضم ممثلين عن العمال والفلاحين وسكان المناطق المتأثرة، وتعمل وفق معايير الاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية، لا وفق معايير الربح الخاص. التخطيط الاقتصادي يخضع لأولويات إشباع الحاجات الاجتماعية، لا لأولويات التصدير والربح. هذا الأفق ليس مجرد شعارات عامة، بل هو خطوط أولية لنموذج اقتصادي-اجتماعي مختلف، يمكن ترجمته إلى مطالب مرحلية وبرامج نضالية واضحة.
في زمن التغير المناخي، حيث تتضاعف الأزمات البيئية وتضرب الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً في المنطقة العربية، يصبح النضال البيئي أكثر إلحاحاً وأكثر مركزية في الصراع الطبقي الشامل. فالتغير المناخي ليس ظاهرة طبيعية محايدة، بل هو نتاج نمط إنتاج رأسمالي-ريعي يعيد إنتاج نفسه عبر استنزاف الموارد وتدمير النظم البيئية، ويمرر تكلفته على الفقراء والمهمشين في الأطراف. مقاومته تتطلب مقاومة هذا النمط نفسه، وبناء تحالفات جديدة بين الحركات البيئية والحركات العمالية والنسوية والشبابية، وتطوير أدوات تنظيمية وبرنامج سياسي واضح قادر على تحويل النضالات الموضعية المتفرقة إلى حركة طبقية واعية.
يكتب كارل ماركس في "رأس المال": "إن استغلال العمال هو استغلال لقوتهم العاملة، لكن استغلال الأرض والطبيعة هو استغلال للشروط المادية للحياة ذاتها". هذا الاستغلال المزدوج للعمل والطبيعة هو جوهر الرأسمالية الريعية العربية. النضال البيئي، عندما يرتبط عضويًا بالنضال الطبقي، يصبح نضالاً من أجل استعادة السيطرة على شروط الحياة المادية، ومن أجل بناء مجتمع جديد لا يستنزف البشر ولا الطبيعة، ومن أجل ديمقراطية حقيقية تضع مستقبل الأجيال القادمة فوق أرباح الحاضر.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟