عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 02:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يشكل الاقتصاد غير الرسمي في العالم العربي أكثر من مجرد قطاع هامشي يمكن تجاوزه في التحليل الطبقي. في ظل انهيار قدرة الدولة والقطاع الخاص المنظم على استيعاب القوى العاملة، تحول هذا الاقتصاد إلى الفضاء الحيوي الذي تعيش وتعمل فيه الغالبية الساحقة من الطبقات الشعبية. العمالة غير المنتظمة، عمال اليومية، الباعة المتجولون، سائقو التوكتوك، عمال المنصات الرقمية، الحرفيون في الورش الصغيرة، الفلاحون بلا أرض، كل هؤلاء يشكلون الأغلبية الحقيقية للمنتجين في المجتمعات العربية. غير أنهم يظلون خارج نطاق الحماية القانونية والنقابية، وخارج دائرة التنظيم السياسي التقليدي الذي صمم لاستيعاب طبقة عاملة صناعية مستقرة لم تعد تشكل سوى نسبة ضئيلة من قوة العمل. هذه المعضلة تمثل جوهر التحدي الذي تواجهه الحركات الثورية اليوم: كيف يمكن تنظيم طبقة عاملة مشتتة في مواقع عمل متفرقة، بلا عقود عمل مستقرة، بلا نقابات معترف بها، وبلا وعي طبقي واضح في صيغته التقليدية، ثم تحويل هذه الطاقة الهائلة الكامنة في هذه الجماهير إلى قوة قادرة على تغيير المجتمع من جذوره.
الاقتصاد غير الرسمي ليس نتاجاً عارضاً لسياسات اقتصادية خاطئة يمكن تصحيحها عبر إصلاحات إدارية. إنه نتاج بنيوي للرأسمالية الريعية النيوليبرالية التي سادت المنطقة منذ عقود. هذا النمط من التراكم، الذي يقوم على الريع والوساطة والاستيراد بدلاً من الإنتاج والتصنيع، لا يحتاج إلى طبقة عاملة منظمة ومستقرة ترتبط بمؤسسات إنتاجية دائمة. إنه يحتاج إلى جيش احتياطي هائل من العمالة الهشة التي يمكن تشغيلها عند الحاجة وفصلها عند انتهاء الحاجة، من دون تحمل تكاليف التأمين الصحي أو الاجتماعي، ومن دون مواجهة حقوق نقابية أو إضرابية. سياسات التكييف الهيكلي التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية في الثمانينيات والتسعينيات، والتوسع النيوليبرالي الذي تلاها، كانت تهدف صراحة إلى تحقيق "مرونة" سوق العمل، وهو تعبير مهذب عن تحويل العمال إلى سلع رخيصة يمكن شراؤها وبيعها وتصفيتها بسهولة. خصخصة القطاع العام، تقليص دور الدولة في التشغيل، تحرير سوق العمل، إلغاء الحد الأدنى للأجور، كل هذه السياسات كانت أدوات لتحقيق هذه الغاية.
غير أن هذا التشتت والهشاشة لا يعنيان غياب الوعي الطبقي، كما يظن البعض. إنهما يعنيان حضور هذا الوعي بأشكال جديدة تتطلب أدوات تنظيمية جديدة تتناسب مع طبيعة العمل في هذا القطاع. العامل في الاقتصاد غير الرسمي يدرك، من خلال تجربته اليومية المباشرة، أنه يُستغل، وأنه لا يحصل على القيمة الحقيقية لما ينتجه، وأن النظام الاقتصادي والاجتماعي برمته مبني على استنزاف جهده لصالح آخرين. هذا الوعي لا يأتي من قراءة الكتب أو حضور الندوات، بل من تجربة الابتزاز المتكررة: ابتزاز صاحب العمل الذي يهدد بالفصل من دون تعويض في أي لحظة، ابتزاز الموظف الحكومي الذي يطلب رشوة لتسوية معاملة، ابتزاز التاجر الذي يدفع ثمناً لا يغطي تكلفة الإنتاج، ابتزاز الدولة التي تفرض ضرائب ورسوماً مقابل خدمات متدنية أو معدومة. هذا الوعي المتراكم يشكل مادة خام ثورية جاهزة للاشتعال، لكنه يظل وعياً مشتتاً غير قادر على تحويل نفسه إلى قوة مؤثرة ما لم يجد قنوات تنظيمية تلتقطه وتوحده وتصقله وتحوله إلى برنامج سياسي واضح وأدوات نضالية مستدامة.
التجارب النضالية التي نشهدها في الاقتصاد غير الرسمي، رغم محدوديتها وتفرقها، تقدم مؤشرات مهمة على إمكانيات التحول. في تونس، شهد قطاع النقل الريفي، الذي يشمل سائقي التاكسي الفردي والتاكسي الجماعي والنقل المدرسي، ظهور تنظيمات عمالية جديدة تجاوزت النقابات التقليدية التي ظلت لعقود تركز على العمالة الرسمية في المؤسسات الكبرى. هذه التنظيمات الجديدة نجحت في تنظيم إضرابات وإغلاقات للطرقات دفاعاً عن حقوق العاملين في هذا القطاع، الذي يتعرض لضغوط متزايدة من المنصات الرقمية والسياسات الحكومية التي تهدف إلى إعادة هيكلته لصالح الشركات الكبرى. في مصر، شهد عمال المنصات الرقمية، وهم سائقو تطبيقات النقل وعمال التوصيل، محاولات تنظيمية جديدة استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل والتنسيق، ورفعت مطالب واضحة تتعلق بالأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية، وذلك رغم القمع والملاحقة الأمنية التي تواجه أي محاولة للتنظيم المستقل. في المغرب، نظم عمال القطاع غير المهيكل في مجالات البناء والخدمات والفلاحة احتجاجات متفرقة، وبدأت تظهر مبادرات لنقابات جديدة تستهدف هذه الفئات التي ظلت لعقود خارج دائرة التنظيم النقابي التقليدي.
غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها كبوادر واعدة، تظل محدودة النطاق والانتشار، وتواجه عقبات هائلة. العقبة الأولى هي غياب الإطار القانوني المناسب: فالقوانين النقابية في معظم الدول العربية صممت في الأصل لتنظيم العمالة الرسمية في المؤسسات الكبرى، ولا تترك أي مساحة للتنظيم في القطاعات غير المنتظمة التي تتميز بتشتت مواقع العمل وتعدد أصحاب العمل. العقبة الثانية هي قمع الدولة الذي لا يتوانى عن ملاحقة أي محاولة لتنظيم ذاتي للطبقات الشعبية، لأن الدولة البونابرتية تنظر إلى مثل هذه المحاولات باعتبارها تهديداً أمنياً مباشراً يجب إجهاضه قبل أن ينمو. العقبة الثالثة هي تشتت مواقع العمل وعدم استقرارها الدائم، مما يجعل التواصل المستمر والتنظيم الدائم صعبين للغاية مقارنة بالعمالة المستقرة في المصانع الكبرى. العقبة الرابعة هي غياب تقليد تنظيمي نضالي راسخ في هذه الفئات، نتيجة لعقود طويلة من الإهمال والقمع والتهميش، مما يجعل عملية بناء الكوادر والقيادات أكثر صعوبة واستغراقاً للوقت.
هذه العقبات لا تعني استحالة التنظيم، كما يظن المتشائمون. إنها تعني أن التنظيم في هذا القطاع يحتاج إلى أشكال جديدة ومبتكرة تختلف عن النماذج التقليدية التي ورثناها من القرن العشرين. التنظيم الجديد يجب أن يكون مرناً بما يكفي لاستيعاب تنوع مواقع العمل وعدم استقرارها الدائم، وصلباً بما يكفي لمواجهة قمع الدولة ومقاومة محاولات اختراقها وتفكيكها، ومتجذراً بعمق في الهموم اليومية للعمال وقادراً على مخاطبتها بلغتها المباشرة، وقادراً على ربط المطالب الجزئية العاجلة بأفق استراتيجي أوسع يفتح أمام العمال آفاقاً للتغيير الجذري. هذا يتطلب أشكالاً تنظيمية تتجاوز النقابة التقليدية القائمة على مكان عمل ثابت ومحدد، نحو شبكات مرنة تربط العمال في قطاعات متعددة ومتفرقة، وتستخدم التكنولوجيا الحديثة كأداة للتواصل والتنسيق والتعليم والتنظيم، وتدمج بين النضال الاقتصادي المباشر لتحسين الأجور وظروف العمل والنضال السياسي الأوسع لتغيير القوانين والعلاقات الاجتماعية. كما يتطلب بناء كوادر قيادية جديدة قادرة على العمل في ظروف صعبة وغير مستقرة، وتطوير خطاب سياسي يخاطب هموم هذه الفئات بلغتها اليومية بعيداً عن التعقيدات النظرية التي قد تبدو غريبة عن تجربتها المباشرة.
في هذا السياق، يتحول الاقتصاد غير الرسمي من مجرد قطاع هامشي يمكن تجاهله إلى موقع استراتيجي رئيسي للصراع الطبقي في القرن الحادي والعشرين. العمالة غير المنتظمة هي التي تنتج قيمة حقيقية في قطاعات البناء والزراعة والصناعات الصغيرة والخدمات المتنوعة، لكن هذه القيمة تُستولى عليها من قبل أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة الذين يتحكمون في ظروف العمل، ومن قبل الدولة عبر شبكة معقدة من الضرائب والرسوم والغرامات غير المباشرة. تنظيم هذه العمالة واستعادة السيطرة على فائض القيمة الذي تنتجه يمثل جزءاً أساسياً من أي مشروع تحرري يسعى إلى تغيير علاقات الإنتاج لصالح الأغلبية. كما أن هذه العمالة، بحكم توزعها الجغرافي الواسع في كل المدن والقرى، وبارتباطها العميق بالمناطق الشعبية الفقيرة، تشكل قاعدة اجتماعية واسعة قادرة على دعم حركات أوسع وتوفير الحماية لها في لحظات المواجهة المفتوحة مع الدولة.
المهمة الاستراتيجية المطروحة اليوم على القوى الثورية هي بناء تنظيمات عمالية جديدة تنطلق من واقع الاقتصاد غير الرسمي كما هو، وتجمع في برنامجها بين النضال من أجل تحسين الظروف المعيشية المباشرة للعمال من خلال تحسين الأجور وتقليل ساعات العمل وتوفير الحماية الاجتماعية، والنضال من أجل تغيير القوانين والسياسات الاقتصادية الكلية التي تنتج هذا الواقع من الهشاشة والتهميش. هذه التنظيمات العمالية الجديدة يجب أن تكون جزءاً من حركة اجتماعية أوسع تشمل النضالات البيئية والنسوية والشبابية، وأن تعمل على بناء تحالفات طبقية تعبر عن المصالح المشتركة لجميع الطبقات المسحوقة في مواجهة تحالف النخب الريعية الحاكمة. كما يجب أن تطور برنامجاً سياسياً اقتصادياً واضحاً يحدد البديل الملموس الذي تناضل من أجله: إعادة تنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج الاجتماعي الذي يضع احتياجات الناس فوق أرباح القلة، وإعادة توزيع الثروة عبر نظام ضريبي تصاعدي يفرض ضرائب على الثروات الكبرى وليس على الفقراء، وخدمات عامة مجانية وعالية الجودة في التعليم والصحة والنقل، وتأميم القطاعات الاستراتيجية التي تتحكم في موارد الأمة وإخضاعها للرقابة الشعبية عبر مجالس منتخبة من العمال والفلاحين وسكان المناطق المتأثرة.
يكتب فلاديمير لينين في "الدولة والثورة": "البروليتاريا لا يمكنها أن تحرر نفسها إلا إذا حررت المجتمع كله من كل استغلال". هذا الدرس الثوري الذي تعلمناه من تجارب الماضي يظل صحيحاً وحاضراً اليوم، لكنه يتطلب ترجمة جديدة تتناسب مع واقع تشتت البروليتاريا العربية في فضاءات الاقتصاد غير الرسمي واقتصاد المنصات الرقمية. التحرر يبدأ من حيث يقف العمال اليوم، في ورشهم الصغيرة، في شوارعهم المزدحمة التي تحولت إلى أسواق عمل مفتوحة، في منصاتهم الرقمية التي تخضعهم لسيطرة خوارزميات صماء، في حقولهم المهمشة التي تجف مياهها وتتآكل تربتها. من هناك، ومن هذه النضالات الصغيرة التي تبدو محدودة ومعزولة، يمكن أن تنمو وتتوسع حركة عمالية جديدة قادرة على تحدي النظام في جوهره الأعمق: احتكاره للثروة والسلطة على حساب الأغلبية المسحوقة التي لا تملك سوى قوة عملها وإرادتها في العيش بكرامة.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟