أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي















المزيد.....

5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 14:05
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


ليس صحيحاً أن الجيش “انحاز للشعب” في 6 أبريل 1985. هذه الرواية لا تصمد أمام التحليل الطبقي. ما حدث هو أن جهاز الدولة – الذي كان نميري قد أدار به البلاد لأكثر من خمسة عشر عاماً – قرر التضحية برأس الحكم لإنقاذ جسد النظام. الفريق سوار الذهب، وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، لم يخرج إلى الشارع استجابة لنداء الجماهير؛ بل أدار أزمة من داخل غرفة العمليات. حين توقفت القطارات والمصانع والمستشفيات، وحين أصبحت العاصمة تحت سيطرة المتظاهرين فعلياً، أدركت المؤسسة العسكرية أن استمرار نميري يهدد استقرار الدولة نفسها. فكانت التضحية به ثمناً لامتصاص الموجة الثورية، لا خدمة لها. لفهم هذه الآلية، يجب أن ننطلق من نظرية مادية للدولة: الدولة ليست أداة محايدة، وليست حكماً بين الطبقات، بل هي علاقة قوة متجسدة، تجمع بين القمع والإغراء، بين العنف والهيمنة، لحماية علاقات الإنتاج القائمة.

تفيدنا الماركسية هنا بتمييز حاسم بين “المجتمع السياسي” (أجهزة القمع: الجيش، الشرطة، المحاكم) و”المجتمع المدني” (أجهزة الهيمنة: المدارس، الإعلام، الكنائس، النقابات). في الدولة الرأسمالية، لا تحكم الطبقة الحاكمة بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى إنتاج “الموافقة”. المواطن العادي لا يطيع لأنه يخاف من السجن فقط، بل لأنه يعتقد – عبر التربية والإعلام والدين – أن هذا النظام هو الوحيد الممكن. الجيش هو ذراع القمع التي تظهر فقط حين تنهار الموافقة. وفي أبريل 1985، انهارت الموافقة تماماً. الجماهير لم تعد تؤمن بشرعية نميري، ولا بأجهزة دولته، ولا بخطابه. فلم يبق أمام الطبقة الحاكمة سوى ذراعها القمعي. لكن الجيش، بوصفه جهازاً طبقيًا، لا يحمي شخص الحاكم بل يحمي النظام ككل.

بولانتزاس يذهب أبعد من ذلك، منتقداً فكرة أن الدولة مجرد “أداة” بيد الطبقة الحاكمة. الدولة، بالنسبة له، هي “تكثيف مادي لعلاقات القوى بين الطبقات والطبقات الفرعية”. ليست أداة سلبية، بل هي ميدان صراع داخلي. داخل الجيش، داخل الحكومة، داخل البيروقراطية، هناك تناقضات. في حالة السودان 1985، لم يكن الجيش كتلة واحدة. كانت هناك أجنحة مؤيدة لنميري، وأخرى بدأت ترى أن الإصلاح – أي التضحية بنميري – هو الحل. هذا الصراع الداخلي في جهاز الدولة هو ما يسميه بولانتزاس “الاستقلالية النسبية” للدولة. الدولة ليست تابعة بشكل آلي للطبقة الحاكمة؛ بل يمكنها، في لحظات الأزمات، أن تتخذ قرارات تبدو مستقلة، لكنها في العمق تعيد إنتاج الهيمنة الطبقية. الانقلاب العسكري في 6 أبريل 1985 كان “مستقلاً” عن نميري، لكنه لم يكن مستقلاً عن النظام الرأسمالي الطفيلي الذي يمثله الجيش نفسه.

قرأ الجيش المشهد بدقة. الجماهير كانت تطالب بإسقاط النظام، لكنها لم تكن تملك سلطة مزدوجة، ولا برنامجاً بديلاً، ولا هيئات حكم موازية. كان الفراغ السياسي كبيراً. فكان الرد العسكري سريعاً وحاسماً: تشكيل المجلس العسكري الانتقالي، وحل الاتحاد الاشتراكي السوداني، والوعد بانتخابات بعد عام. كل هذه الإجراءات كانت تهدف إلى هدف واحد: إعادة تثبيت الدولة، ليس باسم نميري، بل باسم “الانتقال الديمقراطي”. والمجلس العسكري، الذي ترأسه سوار الذهب، ضم ستة عشر ضابطاً يمثلون القيادات العليا للجيش، حاملي المصالح الاقتصادية نفسها التي كان نميري يديرها. لم يتغير شيء في البنية العميقة للدولة. ما تغير هو الوجه الذي يديرها.

لم يكن الجيش السوداني مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان عموداً فقرياً في الاقتصاد. في 1985، كما اليوم، يمتلك الجيش والاستخبارات شبكة واسعة من الشركات والمزارع والبنوك. هذه الإمبراطورية الاقتصادية لا يمكن أن تظل بمعزل عن الصراع السياسي. لذلك، حين تحدث الانتفاضة، يجد الجيش نفسه أمام خيارين: إما القمع الوحشي (وهو مكلف ويؤدي إلى انهيار الدولة)، أو الاستيلاء على السلطة مباشرة لدفع الجماهير إلى الخلف. في 1985، اختار الخيار الثاني، وفي 2019، بعد أن فشل البشير في احتواء الانتفاضة، اختار الجيش الخيار نفسه: خلع الرئيس، تشكيل مجلس سيادي، وإدارة الفترة الانتقالية وفق مصالحه.

هذه الآلية تُعرف في الأدبيات الماركسية بـ”امتصاص الموجة الثورية”. حين تصل الجماهير إلى ذروة قوتها، لكنها تفتقر إلى التنظيم والبرنامج، يظهر “حل وسط” من أعلى: يتم التضحية بالرأس، ويُعاد توزيع المقاعد في الحكومة، وتُمنح بعض الحريات الشكلية. الجماهير تفرح بإسقاط الديكتاتور، وتعتقد أنها انتصرت، بينما النظام يعيد ترتيب أوراقه لاستمرار هيمنته. من هنا تأتي خطورة “أوهام الانحياز العسكري”. فالانحياز الحقيقي للجيش ليس للشعب، بل لاستقرار دولة البرجوازية حين تكون في خطر داهم.

ما يعزز هذا الدور للجيش هو وضعه كجهاز إيديولوجي بامتياز. ففي السودان، كما في معظم دول “الهامش” الرأسمالي، تمارس المؤسسة العسكرية دوراً في بناء الهوية الوطنية وإنتاج الشرعية. كثير من السودانيين ينظرون للجيش على أنه “حامي الوطن” و”ضامن الوحدة”. هذه النظرة ليست بريئة؛ إنها نتيجة عقود من التلقين والتعبئة القومية التي تهدف إلى جعل الجماهير تقبل تدخل الجيش في السياسة كأمر طبيعي بل مرغوب فيه. في أبريل 1985، رحبت أوساط واسعة بالمجلس العسكري الانتقالي، معتبرة أنه أنقذ البلاد من الانهيار، وأنه “حامي الثورة”. هذا هو أعلى درجات الهيمنة: حين يعتقد المقهورون أن سجانهم هو من يحميهم.

الدرس الأساسي من تحليل الجيش كجهاز طبقي هو أنه لا يمكن “إصلاح” الجيش أو “تحييده” ضمن الدولة الرأسمالية. الجيش ليس أداة محايدة يمكن استخدامها ضد الديكتاتورية ثم إعادتها إلى الثكنات. الجيش هو جزء عضوي من البنية الطبقية، ومصالحه مرتبطة باستمرار النظام الاقتصادي القائم. من يظن أن الجيش “انحاز للثورة” في أبريل 1985 أو في ديسمبر 2018 وقع في فخ أيديولوجي خطير. الجيش ينحاز لمصالحه الطبقية فقط. وحين تتطابق هذه المصالح مع إسقاط ديكتاتور أصبح عبئاً، يبدو الأمر وكأنه “انحياز”. لكن سرعان ما تتبدد الأوهام حين يستولي الجيش على السلطة ويدير “الانتقال” وفق أجندته.

ما العمل إذن؟ التاريخ يعطي الإجابة بوضوح. الانتفاضة التي لا تبني سلطة مزدوجة قادرة على تحدي جهاز الدولة العسكري محكوم عليها إما بالهزيمة أو باختطاف نتائجها. في روسيا 1917، لم ينتظر العمال والفلاحون “انحياز” الجيش؛ بل بنوا السوفييتات كسلطة موازية، ونزعوا سلاح الضباط، وأقاموا حرساً أحمر. في غياب هذا المستوى من التنظيم، يظل الجيش هو اللاعب الأقوى على الأرض، والجماهير تبقى رهينة لحساباته الداخلية.

“الدولة هي لجنة تدير شؤون البرجوازية بكاملها.”
كارل ماركس.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 4. الإضراب السياسي العام 1985: سلاح الطبقة أم حده الأقصى؟
- 3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985
- 2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟
- انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقت ...
- 25. ما بعد المقالات: نحو ممارسة ثورية جديدة
- 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثوري ...
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...


المزيد.....




- أزمة الكهرباء في مصر: حين يتحول الترشيد إلى عبء يثقل كاهل ال ...
- Zohran Mamdani on Using Government to Fight for the Many
- مشروع -إسرائيل الكبرى-: كيف يخطط نتنياهو واليمين المتطرف لله ...
- How Many People Have the US and Israel Killed in Iran?
- US-Marcos Regime Fuels War on Philippines Soil While Filipin ...
- 21st-Century Fascism and the Antichrist
- Why the US-Iran Talks Failed
- ترامب فاشل وأشد خطورة من أي وقت مضى
- A Plea to Save Cuba
- فريق التقدم والاشتراكية يتقدم بمقترح قانون يقضي بتنظيم ولوج ...


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي