أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقتصادية للانتفاضة: أزمة تراكم أم مجرد انهيار معيشي؟














المزيد.....

انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقتصادية للانتفاضة: أزمة تراكم أم مجرد انهيار معيشي؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 17:50
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


ما الذي يفصل القوة الاجتماعية عن القدرة على الاستيلاء على السلطة السياسية؟ التعريف المركزي لهذه السلسلة يقول: إنه عدم امتلاك القوى المنتجة للأزمة لأدوات اتخاذ القرار السيادي رغم قدرتها على شل النظام. القوة تظهر أسرع مما تُبنى السلطة. وهذا الفصل لا يُنتج أول مرة في الشارع، بل يُنتج في البنية الاقتصادية قبل أي احتجاج. لفهم لماذا تتحول الانتفاضات إلى قدرة على التعطيل لا إلى قدرة على الحكم، يجب أن نبدأ من حيث تبدأ كل أزمة رأسمالية: من نمط الإنتاج نفسه.

كل تفسير يبدأ من "تدهور الأوضاع المعيشية" يبدأ من النهاية. السخط على الخبز والكهرباء والوقود ليس سبب الانتفاضة؛ إنه الشكل الذي تظهر به أزمة أعمق. حين انهارت قدرة الطبقات الشعبية على إعادة إنتاج وجودها اليومي، لم يكن ذلك نتيجة خطأ في السياسات الاقتصادية، بل نتيجة نمط إنتاج طفيلي تابع لا يمكنه الاستمرار إلا بتآكل الأجور وندرة السلع. التضخم ليس خللاً تقنياً، بل هو طريقة توزيع لفائض القيمة لصالح طبقة احتكارية لا تنتج بل ترعو. تفهم الماركسية الأزمة المعيشية على أنها تجلٍّ لأزمة تراكم بنيوية، لا سببها.

الرأسمالية في الأطراف ليست نسخة متأخرة من الرأسمالية الأوروبية، بل هي بنية مغايرة قوامها الريع والوساطة والتبعية. في السودان، كما في كثير من بلدان أفريقيا والشرق الأوسط، لا يقوم الاقتصاد على استغلال العمل الصناعي بقدر ما يقوم على استخلاص فائض القيمة عبر احتكار الاستيراد، التحكم في المنافذ، والوساطة في تدفق المساعدات والتمويل الخارجي. هذه البنية لا تحتاج إلى عمالة ماهرة ومستقرة؛ بل تحتاج إلى بطالة مزمنة وأجور متآكلة كآلية ضغط. حين يفقد النظام عائدات النفط، أو تنضغط موارده الريعية، فإنه لا يلجأ إلى الإنتاج بل إلى المزيد من الاقتطاع من الأجور وتجويع الجماهير. الانتفاضة إذن ليست رد فعل على "غلاء المعيشة"؛ بل هي انفجار التناقض بين قوة اجتماعية منتجة للأزمة وسلطة سياسية عاجزة عن حكمها لأنها لا تنتج شيئاً.

السودان بعد انفصال الجنوب خسر ثلاثة أرباع عائداته النفطية. لم يتحول إلى الإنتاج الزراعي أو الصناعي؛ بل عمّق طابعه الريعي عبر التوسع في الاحتكارات الأمنية، تجارة الذهب، وقروض الديون الخارجية المشروطة. كل ذلك ترجم معيشياً: انهيار متسارع للعملة، تآكل الأجور الحقيقية إلى ما دون قيمة إعادة الإنتاج البسيط، وندرة مصطنعة للسلع الأساسية. لكن الماركسية لا تقف عند وصف هذه الآليات؛ بل تكشف وظيفتها الطبقية. التضخم ليس مجرد سوء إدارة، بل هو ضريبة عكسية: ينقل القوة الشرائية من الأجور إلى الأرباح الاحتكارية. الندرة ليست نقصاً حقيقياً، بل هي سلاح ضد الاحتجاج: حين يعجز الجمهور عن شراء الخبز، يصبح تردده إلى الشارع أكثر كلفة. النظام لا ينهار لأنه يسيء التوزيع؛ بل يعيد توزيع الفقر كآلة قمع.

هنا يقع التحول النوعي: من السخط المعيشي إلى الوعي السياسي. فحين يدرك العامل أن تآكل أجره ليس نتيجة "الغلاء" المجرد، بل نتيجة علاقة إنتاج تضع فائض القيمة في جيب الوسيط لا المنتج، يتحول احتجاجه على السعر إلى هجوم على البنية. حين تكتشف الموظفة أن ندرة الدواء ليست قدراً، بل نتيجة تحكم جهاز أمني بمنافذ الاستيراد، يصبح "إسقاط النظام" ضرورة عملية لا شعاراً عاطفياً. هذا الانتقال هو ما يفصل الانتفاضة عن أعمال الشغب، وما يجعل من الإضراب العام أداة سياسية. لكنه يظل انتقالاً داخل حدود القوة الاجتماعية ذاتها: فهي قادرة على شل النظام، لكنها لا تملك بعد أدوات اتخاذ القرار السيادي. الأزمة الاقتصادية تنتج القوة، لكنها لا تمنحها شكلاً سياسياً.

المقارنة مع حالات مشابهة تؤكد أن الأزمة المعيشية وحدها لا تنتج ثورة، بل تنتج يأساً أو هجرة أو عنفاً يومياً. ما أنتج الانتفاضة في تونس أو السودان أو الأرجنتين هو تراكم تناقضين معاً: انهيار الرأسمالية الطفيلية من جهة، ووجود وعي طبقي ناشئ قادر على ترجمة الانهيار إلى سؤال سياسي من جهة أخرى. في الأرجنتين 2001، لم يسقط النظام بسبب الجوع بل بسبب "الكاسيرازو" – تحالف العاطلين والعمال والطبقات الوسطى المنهارة – الذي أدرك أن البنك ليس مجرد مؤسسة، بل هو وجه من وجوه الطبقة الحاكمة. في تونس 2010، لم يحرق البوعزيزي نفسه لأنه فقير، بل لأنه أدرك أن كرامته سُحقت بنفس النظام الذي يحمي البائع المتجول الكبير ويطارد الصغير. الأزمة المعيشية هي المادة الخام، لكن الوعي الطبقي هو الذي يصوغها سلاحاً.

يبقى السؤال مفتوحاً: لماذا تتحول القوة التي تنتجها الأزمة إلى قدرة على الشلل فقط، لا إلى قدرة على الحكم؟ لأن البنية الاقتصادية لا تنتج حزباً، ولا تنتج برنامجاً، ولا تنتج سلطة مزدوجة. تنتج ألماً وتناقضاً وغضباً. تحويل هذا الغضب إلى سلطة يتطلب ما هو خارج الأزمة نفسها: تنظيماً قادراً على ردم الفجوة بين اللحظة الثورية والمؤسسة الثورية. وبدون ذلك، تظل القوة الاجتماعية محكومة بالفصل الذي يعيد إنتاج النظام حتى بعد سقوط رموزه.

"الرأسمالية لا تسقط لأنها ظالمة، بل لأن تناقضاتها الداخلية تجعل إعادة إنتاجها مستحيلة. لكن بين الاستحالة الموضوعية والثورة الفعلية، يقف السؤال التنظيمي كجدار."
– روزا لوكسمبورغ، الإصلاح أم الثورة؟

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 25. ما بعد المقالات: نحو ممارسة ثورية جديدة
- 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثوري ...
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...


المزيد.....




- بنعبد الله يترأس اجتماعاً مع فريق التقدم والاشتراكية بمجلس ا ...
- تقرير منظمة العمل الدولية يعري بنية الإفقار وقمع النقابات في ...
- تونس: تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية
- العدد 649 من جريدة النهج الديمقراطي
- تجديد حبس أحمد دومة 15 يومًا
- لا للملوك، لا للحروب، لا للمليونيرات: حوار مع متظاهرة وسط ا ...
- إنتخاب شاب على رأس فرع حزب التقدم والاشتراكية بعين الشق
- كلمة الميدان: 6 أبريل: الثورة والتحديات الراهنة
- العدد 648 من جريدة النهج الديمقراطي
- «الديمقراطية»: فصول نهب الأرض والقتل والنسف والتهجير والاعتق ...


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقتصادية للانتفاضة: أزمة تراكم أم مجرد انهيار معيشي؟