أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - 3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985















المزيد.....

3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 20:47
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


بعد أن استعرضنا في المقال الأول الجذور الاقتصادية التي فجّرت انتفاضة أبريل 1985، وتتبعنا في المقال الوسيط الميكانيكا التي حوّلت الانهيار المعيشي إلى وعي طبقي جماهيري، نصل الآن إلى السؤال الأكثر حسماً: من كان في الشارع؟ ليس بمعنى تعداد الفئات والأسماء، بل بمعنى تشريح القوى الاجتماعية التي حملت الانتفاضة على ظهورها، وحددت مواقعها من الصراع، ووزنت بقدرتها على شل النظام ثم عجزها عن تحويل هذا الشلل إلى سلطة. لأن فهم البنية الطبقية لانتفاضة 1985 هو المفتاح الذي يفسر ليس فقط لماذا انتهت كما انتهت، بل أيضاً لماذا تكرر المشهد نفسه بعد ثلاثة وثلاثين عاماً في ديسمبر 2018. حين نعرف من كان يملك القدرة على تعطيل مفاصل الدولة، ومن كان يملك فقط القدرة على الاحتجاج، سنعرف لماذا أُسقط نميري وبقي النظام.

القلب النابض للانتفاضة كان عمال السكة الحديدية. ليس لأنهم الأكثر فقراً، بل لأن موقعهم الاستراتيجي داخل شبكة النقل منحهم سلاحاً نادراً: القدرة على شل حركة الجند والوقود والبضائع والغذاء. حين أضرب عمال السكة الحديد في مارس 1985، لم يضربوا من أجل زيادة أجور فحسب، بل وجهوا ضربة مباشرة لقدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه لوجستياً. القطارات المتوقفة تعني تعطيل الإمدادات العسكرية، وتعطيل حركة التجارة، وعزل العاصمة عن بقية البلاد. هذا النوع من القوة لا تمتلكه أي فئة أخرى. لكن العمال وحدهم لا يستطيعون إدارة الدولة بعد الثورة. قوتهم في التعطيل هائلة، لكن ضعفهم في غياب سلطة موازية تربط مواقع الإنتاج المتباعدة. السكة الحديد كانت مركز قوتهم، لكنها كانت أيضاً حد قوتهم.

إلى جانبهم، وقف عمال النسيج في مصانع حلفا الجديدة والخرطوم، وكانوا يمثلون الجناح الصناعي الآخر للطبقة العاملة. النسيج السوداني كان آنذاك قطاعاً تصديرياً مهماً، وإضرابه يعني تعطيل تدفق القيمة إلى خزائن الدولة. هؤلاء العمال لم يكونوا بحاجة إلى وعي سياسي مسبق؛ سياسات صندوق النقد التي رفعت أسعار المواد الأولية وحررت استيراد المنسوجات الأجنبية كانت تدفعهم إلى البطالة بشكل يومي. إضرابهم كان رد فعل غريزياً لإنقاذ وجودهم الطبقي، لكنه تحول سريعاً إلى وعي بأن المشكلة ليست في سياسة معينة، بل في النظام الذي يطبقها. هنا كان دور الحزب الشيوعي السوداني حاسماً: تحويل الغضب الاقتصادي إلى وعي سياسي، وربط توقف الماكينات بشرط إسقاط الحكم العسكري.

أما الطبقة الوسطى المأجورة، ممثلة في الأطباء والمحامين والمدرسين والمهندسين، فقد شكلت ما يمكن تسميته بالجناح السياسي للانتفاضة. هؤلاء ليسوا برجوازية صغيرة بالمعنى التقليدي (فهم لا يمتلكون وسائل الإنتاج)، ولا هم طبقة عاملة (فهم يعتمدون على الشهادة لا على القوة العضلية). موقعهم الطبقي مزدوج: هم جزء من جهاز الدولة (يعملون في المستشفيات والمدارس والمحاكم الحكومية)، وهم في الوقت نفسه ضحايا سياسات التعديل الهيكلي التي تطحن أجورهم. هذا الموقع المزدوج جعلهم الأكثر قدرة على تنظيم البيانات السياسية وإدارة الإعلام الموازي، وجعلهم أيضاً الأكثر تردداً حين تعلق الأمر بـ"ما بعد إسقاط نميري". لأن انهيار الدولة يعني انهيار سوق عملهم، لذا كانوا يميلون إلى "الإصلاح" لا إلى "الاقتلاع".

الطلاب كانوا الوقود البشري الذي أبقى النار مشتعلة. هم الذين ملأوا الشوارع أولاً، وهم الذين استشهدوا بأعداد كبيرة، وهم الذين رفعوا شعار "إسقاط النظام" قبل أن تجرؤ أي جهة أخرى على نطقه. لكن الطلاب، بحكم طبيعتهم العابرة (يدرسون ثم يتخرجون ثم يغادرون الشارع)، لا يمكنهم بناء تنظيم مستقر يمتد في الزمن. قوتهم في الحماسة، وضعفهم في عدم الاستمرارية. الانتفاضات التي تعتمد على الطلاب كطليعة تنتهي إما بامتصاصهم في أجهزة الدولة الجديدة، أو بإرهاقهم وإحباطهم. أبريل 1985 شهدت الحالتين معاً، وكذلك ديسمبر 2018 من بعدهما.

الحزب الشيوعي السوداني كان في ذروة حضوره التنظيمي خلال تلك الفترة. هو الذي امتلك القدرة على تنسيق الإضرابات في قطاعات مختلفة، وربط مطالب العمال بالمطالب السياسية، وإدارة الاعتصامات، وإصدار البيانات الموحدة. لكن الحزب، رغم قوته التنظيمية، وقع في تناقض حاد: كان يريد إسقاط نميري، لكنه كان يخشى الفراغ السياسي الذي قد يملؤه الجيش أو الإسلاميون. هذه "الثورية الحذرة" جعلته يقبل بحلول وسط مع المجلس العسكري الانتقالي، معتقداً أنه يستطيع لاحقاً دفع العملية نحو اليسار. هذا الخطأ ليس مجرد تقدير خاطئ؛ بل هو نتاج غياب نظرية السلطة المزدوجة داخل الحزب. كان الحزب قوياً في الشارع، لكنه كان ضعيفاً في بناء مؤسسة موازية للدولة. وهذا الدرس بالذات هو ما كان يجب أن يستفيد منه الحراك الثوري في ديسمبر 2018، لكنه لم يفعل.

فصائل الجيش التي انحازت إلى الانتفاضة في 6 أبريل، بقيادة بعض الضباط، لعبت دوراً مزدوجاً لا يزال محل جدل. هؤلاء الضباط لم ينضموا إلى الانتفاضة دفاعاً عن الديمقراطية المجردة، بل لأنهم رأوا أن نميري أصبح عبئاً على استقرار المؤسسة العسكرية نفسها. تسليمهم السلطة في صباح 6 أبريل لم يكن "انحيازاً للشعب"، بل كان إدارة أزمة من داخل الجهاز العسكري. هذا هو المعنى الحقيقي للفصل بين القوة والسلطة: الجماهير كانت قادرة على إسقاط نميري، لكنها لم تكن قادرة على منع الجيش من التقاط راية الانتفاضة وتحويلها إلى مجلس عسكري. وفي ديسمبر 2018، تكرر المشهد نفسه: الجيش انحاز بعد أن أدرك أن استمرار البشير أصبح مكلفاً، ثم التقط السلطة من تحت أقدام الجماهير.

البرجوازية الصغيرة، ممثلة في تجار السوق وأصحاب المحلات والصناعيين الصغار، انضمت إلى الانتفاضة متأخرة. حضورهم كان ملحوظاً في إضراب إغلاق المحلات، لكنهم كانوا أول من يطالب بـ"العودة إلى العمل" و"استقرار الأسعار" بمجرد سقوط نميري. هذا السلوك ليس غريباً: البرجوازية الصغيرة تعيش في خوف دائم من الفوضى، لأن الفوضى تعني نهب متاجرها وتوقف حركة بضائعها. لذلك هم حلفاء غير موثوقون في أي مشروع ثوري يتجاوز حدود "تغيير الوجه". أبريل 1985 اكتشفت ذلك، وديسمبر 2018 اكتشفته أيضاً.

النساء في انتفاضة 1985 لم يكن لهن نفس الدور التنظيمي البارز الذي ظهر في ديسمبر 2018، لكن حضورهن كان حاسماً في إدارة الإسناد اليومي: نقل الطعام والماء، إسعاف المصابين، تنظيم المعلومات. هذا الدور "الخفيف" يعكس واقعاً موضوعياً: الحركة النقابية والطلابية كانت مهيمنة عليها الذكور، والحزب الشيوعي نفسه، رغم طرحه قضايا المرأة، لم يمنحها مواقع قيادية حقيقية. انتفاضة 1985 كانت ثورة رجال في قيادتها، نساء في جمهورها. وهذا أحد أسباب أن النظام الجديد لم يحدث أي تغيير جوهري في وضع المرأة. بالمقابل، كان تقدم ديسمبر 2018 في هذا المجال ملحوظاً، لكنه لم يكن كافياً أيضاً.

الهامش – العاطلون عن العمل، عمال اليومية، سكان الأحياء الفقيرة – كان الحضور الأكثر تضحية والأقل تنظيماً. هم الذين واجهوا الرصاص بأجسادهم، وهم الذين أحرقوا الإطارات وأغلقوا الشوارع، وهم الذين دفعوا أثماناً لا تعوض. لكن غياب التنظيم جعلهم أول من يُهمش بعد سقوط النظام، وأول من يعود إلى وضعه السابق. الهامش يصلح أن يكون ثقلاً نارياً للانتفاضة، لكنه لا يصلح أن يكون بنيتها التنظيمية الدائمة. وهذا القانون ظل صامداً من أبريل 1985 إلى ديسمبر 2018.

كان الإضراب في أبريل 1985 هو ذروة القوة التلقائية للطبقة العاملة، حيث أوقف القطارات والمصانع وأغلق المحاكم والمستشفيات. لكن هذا الإنجاز بقي حبيس حدوده، لأن الجماهير، بقواها الذاتية فقط، لا تستطيع أن تتجاوز وعيها النقابي إلى برنامج للسلطة. لهذا، ظل الإضراب قادراً على شل الدولة، لكنه عاجزاً عن حكمها. وهذا بالضبط ما عبّر عنه لينين في صياغته الشهيرة: "إن تاريخ كل البلدان يدل على أن الطبقة العاملة، بقواها الذاتية فقط، لا تستطيع أن تنمي إلا وعياً نقابياً." غياب الحزب الثوري الذي يربط هذا الوعي النقابي ببرنامج للاستيلاء على السلطة، وغياب السلطة المزدوجة التي تحول الشلل المؤقت إلى حكم دائم، هما العقدتان اللتان حالتا دون تحويل إضراب أبريل المنتصر إلى ثورة ناجزة. ولهذا، بقي نميري وحده من سقط، بينما بقي النظام واقفاً على أقدامه الأربعة.

"إن تاريخ كل البلدان يدل على أن الطبقة العاملة، بقواها الذاتية فقط، لا تستطيع أن تنمي إلا وعياً نقابياً."
فلاديمير إليتش لينين.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟
- انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقت ...
- 25. ما بعد المقالات: نحو ممارسة ثورية جديدة
- 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثوري ...
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...


المزيد.....




- حول الهدنة الحالية في حرب أمريكا وإسرائيل على إيران
- السودان: الحرب وحساب الربح والخسارة
- قطاع المحاماة لحزب التقدم والاشتراكية يسلط الضوء على مستجدات ...
- Ecuador: A Quasi-Dictatorship Aligned with the “Donroe” Doct ...
- Calls Growing to Remove Trump
- The Lebanon Conspiracy: Massacres, Negotiations, and a New O ...
- When Flotillas Fight for Life, Not Empire
- Not -Anti-War,’ but -Pro-Resistance’: A Brief Reflection on ...
- “قراءة في قرار وزارة العمل المصرية بحظر عمل السيدات في العم ...
- أفرجوا عن الكلمة


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - 3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985