أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟















المزيد.....

13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 10:28
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


كل ثورة تطرح، في لحظة معينة، معضلة الحسم: إما أن تنمو هيئات الجماهير لتتحول إلى سلطة، وإما أن تتعفن وتتلاشى. السوفييتات في روسيا 1917 لم تكن مجرد هيئات احتجاج، بل كانت سلطة فعلية قبل أن تصبح سلطة رسمية. فقد كانت تتحكم في المصانع، وتدير توزيع الغذاء، وتنزع سلاح الضباط، وتفرض إرادتها على الأرض قبل أن يعترف بها أي دستور. هذا الوضع الذي أسماه لينين "السلطة المزدوجة" هو لحظة التحول النوعي من انتفاضة تشل النظام إلى سلطة تبني بديلاً. في السودان، كما في روسيا، كان لابد من سلطة تماثل السوفييتات. لكن هذه السلطة لم تولد، لأن من كان بمقدوره أن يبنيها ظل حبيس أفق التفاوض والمشاركة في الحكومات الانتقالية، بدلاً من أن تتحول مجالس العمال والأحياء إلى مرجعية عليا تدير الإنتاج والتوزيع، فتصبح الدولة القديمة زائدة عن الحاجة قبل أن يُعلن أي اقتحام.

في أبريل 1985، كان الشارع السوداني يمتلك شيئاً نادراً: تنسيقاً عفوياً عابراً للطبقات. الطالب في أم درمان والعامل في مصنع النسيج والموظف في البنك والباعة المتجولون في سوق أمبدة كانوا يتحركون في اللحظة ذاتها دون قيادة مركزية واحدة. هذا التزامن لم يكن مصادفة، بل كان نتاج شبكة نقابية تراكمت على مدى عقود، حتى حين كانت النقابات محظورة رسمياً. لجان التنسيق التي قادت الإضراب العام كانت، في جوهرها، الشكل الأكثر تطوراً للسلطة القاعدية الذي أنتجه السودان في القرن العشرين. لكنها لم تتحول إلى سلطة. وصباح 6 أبريل، حين أعلن سوار الذهب "انحياز الجيش للشعب"، قبلت هذه اللجان التسوية، وحلّت نفسها تدريجياً، وأوفدت مندوبيها إلى طاولة التفاوض. السؤال الذي لم يُطرح حينها: لماذا تحل لجنة تملك الشارع نفسها لصالح مجلس عسكري لا يملك سوى السلاح؟ الجواب أن اللجان لم تكن تعرف أنها سلطة. كانت تعرف أنها احتجاج ناجح. والفرق بين الوعيين هو الفرق بين انتفاضة وثورة.

عندما تشكلت لجان المقاومة في ديسمبر 2018، كانت استجابة موضوعية لشلل الأحزاب والنقابات التقليدية. نظمت الاعتصامات وفق جداول أسبوعية متزامنة، وأدارت توزيع الغذاء والدواء، وحمت المتظاهرين بأجسادها، وعوضت غياب وسائل التواصل بمنشورات الحواري. في مرحلة ما، بدا أن السودان يسير نحو بناء سلطة شعبية موازية عند أبواب القيادة العامة. لكن الجنين لم يكتمل. فلماذا توقفت لجان المقاومة عند حدود "إدارة الاحتجاج" ولم تتحول إلى "أجهزة حكم"؟ الجواب ليس في شجاعة الجماهير، بل في البنية التي أحاطت بها.

لجان المقاومة التي تشكّلت في ديسمبر 2018 ورثت شيئاً لم تعِه تماماً: دم انتفاضة 1985 وخيبتها معاً. نشأت في مجتمع يحفظ دروس الهزيمة دون أن يحفظ أدواتها. لهذا، تجاوزت في بنيتها التنظيمية كل ما سبقها: لم تكن هيئة واحدة بل شبكة أفقية من لجان الأحياء المتساوية في السيادة، لا تأتمر بأمر مركز، ولا تنتظر تفويضاً من أحزاب. هذه الأفقية كانت قوتها وحدّها في آنٍ واحد. قوتها لأنها جعلتها عصيّة على الاختراق والاستتباع؛ وحدّها لأنها جعلت القرار الاستراتيجي الجامع شبه مستحيل. كان اعتصام القيادة العامة في ذروته نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه السلطة المزدوجة: مدينة داخل المدينة، تُدار بلجانها الخاصة، وطبّها الخاص، وأمنها الخاص، وإعلامها الخاص. لكنها مدينة بلا اقتصاد، لا تسيطر على أي مورد خارج أسوارها. حين فضّ الجيش الاعتصام في الثالث من يونيو 2019، لم يُدمّر سلطة قائمة، بل أطفأ جذوة سلطة ممكنة. هذا الفارق الدقيق هو جوهر التراجيديا: ليس أن اللجان فشلت في الدفاع عن نفسها، بل أنها لم تكن قد بنت ما يستحق الدفاع عنه بعد — لم تسيطر على مخزن حبوب واحد، ولم توقف شحنة ذهب واحدة، ولم تُصدر أمراً إنتاجياً واحداً. الاعتصام كان قوة شارع، لا قوة اقتصاد. وحين تصادم الاثنان، انتصر من يملك مفاتيح الخزينة لا من يملك الميدان.

الفرق الجوهري بين لجان المقاومة والسوفييتات الروسية لم يكن في الروح الثورية، بل في العلاقة العضوية بمواقع الإنتاج. السوفييتات نشأت في المصانع والحاميات العسكرية، أي في قلب إنتاج القيمة والسلاح. كانت مجالس العمال هي التي تدير خطوط الإنتاج، ثم تمد يدها إلى الأحياء. أما لجان المقاومة فبقيت محصورة في البعد الجغرافي – الحي والشارع – دون ربط عضوي بمصانع النسيج والسكة الحديد ومشاريع الري. صحيح أن بعض الاعتصامات الكبرى، خاصة في محيط القيادة العامة، اقتربت من شكل "سلطة محلية مؤقتة" تدير الغذاء والأمن والخدمات. لكنها ظلت معزولة عن الاقتصاد الوطني؛ لم تسيطر على مخازن الحبوب، ولم توقف تدفق الذهب إلى الخارج، ولم تضع يدها على أصول الكمبرادور. السلطة المزدوجة الحقيقية تقوم على جانبيْن متكاملين: مجالس عمالية تسيطر على الإنتاج، ولجان أحياء تدير التوزيع والحياة اليومية. في غياب الجانب الأول، يبقى الثاني قابلاً للاختراق بسهولة.

ثمة إشكالية أخرى لا تقل خطورة: احتكار الدولة للعنف. في روسيا 1917، لم تكن السوفييتات مسالمة؛ بل سيطرت على الحاميات العسكرية، ونزعت سلاح ضباط القيصر، وشكلت "الحرس الأحمر" من العمال المسلحين. في السودان، ظل الجيش هو صاحب القوة المطلقة على الأرض. لم تسعَ لجان المقاومة أبداً إلى بناء قوة موازية مسلحة، إما لثقافة اللاعنف السائدة، أو لشعورها بالعجز، أو لانحياز بعض الضباط ظاهرياً للثورة. لكن بناء قوة موازية ليس قراراً إرادياً يُتخذ بين ليلة وضحاها؛ فهو يحتاج إلى تفكك داخل الجيش نفسه، وإلى كسب قطاعات من الجنود والرتب الدنيا. غياب هذا البعد جعل الجيش قادراً على إدارة الأزمة متى شاء: حين سقط نميري، وحين سقط البشير، كان الجيش هو من التقط راية الانتفاضة ثم أعاد إنتاج هيمنته بعد أشهر قليلة.

التفاوض مع الجيش، إذن، ليس مفتاحاً للسلطة المزدوجة، بل هو فخ. فالشراكة مع العسكر، سواء في 1986 أو 2019، لا تؤدي إلا إلى "تطبيع" علاقات الاستغلال وإعادة إنتاج هيمنة النخبة العسكرية والتجارية بغطاء مدني. الجيش ليس شريكاً في "الانتقال الديمقراطي"، بل هو العائق الأساسي أمام أي تحول جذري، لأنه الحارس الأمين لعلاقات الملكية القائمة. هذا الدرس تقوله التجارب التاريخية بوضوح: الثورة الحقيقية لا تُبنى على إقناع الجيش، بل على تجريده من سلاحه كاملاً، أو على تفكيكه من الداخل عبر انشقاقات واسعة.

غير أن إسقاط النموذج الروسي على السودان بشكل مباشر قد يكون مضللاً. فشروط 1917 مختلفة: كثافة صناعية عالية، طبقة عاملة مركزة في مدن كبرى، وحزب بلشفي يمتلك نظرية وتنظيماً وتاريخاً طويلاً من العمل السري. السودان مجتمع ذو أغلبية ريفية ورعوية، واقتصاده ريعي طفيلي لا صناعي. هذا لا يعني أن السلطة المزدوجة مستحيلة، بل يعني أنها تحتاج إلى أشكال تنظيمية مبتكرة تتجاوز النماذج الأوروبية. بدلاً من انتظار مصانع عملاقة، يمكن البدء من التعاونيات الفلاحية المسلحة، ومن مجالس العشائر الثورية التي تحول الصراعات القبلية إلى صراع طبقي، ومن السيطرة على مناجم الذهب التقليدية كقلب لاقتصاد بديل. لجان المقاومة في المدن يمكن أن ترتبط بهذه القوى الريفية عبر شبكات لوجستية وتجارية، وليس فقط عبر الشعارات.

كل هذا يصطدم بحقيقة قاسية: أي سلطة مزدوجة في الأطراف الرأسمالية ستواجه حصاراً إقليمياً ودولياً. في 1985، وفي 2019، تدخلت القوى الإقليمية (السعودية، الإمارات، مصر) لضمان أن لا يتجاوز "الانتقال" حدود الديمقراطية الشكلية. لذا، لا يمكن فصل بناء السلطة المزدوجة عن كسر عزلتها عبر التضامن الأممي. هذا ما سنتناوله في المقال القادم.

لكن قبل ذلك، يبقى أن نؤكد: السلطة المزدوجة ليست وصفة جاهزة، بل هي عملية. تولد من رحم الصراع اليومي، من أول لجنة مقاومة تقول "لا" للجيش، ومن أول مجلس عمالي يسيطر على مخازن الغلال. خطوتها الأولى أن تتحول لجان الأحياء من هيئات إغاثة إلى هيئات حكم: تفرض الضرائب، تحل النزاعات، تدير المدارس والعيادات. خطوتها الثانية أن تمد يدها إلى مواقع الإنتاج، أياً كان شكلها. خطوتها الثالثة أن تواجه سلطة السلاح بسلاح موازٍ، ولو كان بدائياً. كل هذا يحتاج إلى وعي وتنظيم، وإلى حزب يربط بين القاعدة والاستراتيجية. لكنه في النهاية، الطريق الوحيد لكسر الفصل بين القوة والسلطة.

"إلى جانب الحكومة المؤقتة، حكومة البرجوازية، نشأت حكومة أخرى، لا تزال ضعيفة وجنينية، لكنها بلا شك حكومة موجودة فعلاً وتنمو – سوفييتات نواب العمال والجنود. ما هو التركيب الطبقي لهذه الحكومة الأخرى؟ إنها تتألف من البروليتاريا والفلاحين (بالزي العسكري). ما هي طبيعتها السياسية؟ إنها ديكتاتورية ثورية، أي سلطة تقوم مباشرة على الاستيلاء الثوري، وعلى المبادرة المباشرة للجماهير من الأسفل، وليس على قانون تسنه سلطة دولة مركزية."

فلاديمير إليتش لينين.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط
- 10. الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: عجز الفاعل عن امتلاك الزمن
- 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)
- 8. أزمة التنظيم: لماذا لا يعوّض الشارع الحزب؟
- 7. -إسقاط النظام-: طاقة الشعار وعجزه
- 6. الزمن الثوري: لحظة تُفتح وتُغلق
- 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي
- 4. الإضراب السياسي العام 1985: سلاح الطبقة أم حده الأقصى؟
- 3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985
- 2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟
- انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقت ...
- 25. ما بعد المقالات: نحو ممارسة ثورية جديدة
- 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثوري ...
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...


المزيد.....




- خرجوا شهاب يدفن أبوه
- تآكل الديمقراطية الأوروبية
- «نباتات الذاكرة» وجذور النضال ضد الإخفاء القسري
- في عيد ميلاده.. أشرف عمر يدفع ثمن “فرشته” خلف القضبان
- حكومة علي الزيدي ومنهاجه الوزاري
- How a Different Kind of Education Built the World’s Most Equ ...
- 90 ميلا من فلوريدا.. هل تخيف المسيّرات الكوبية واشنطن؟
- الائتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان يعبر عن موفقه المتضامن م ...
- بيان تضامني للهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين همم ...
- الحزب الشيوعي الأردني يتضامن مع حزب النهج الديمقراطي العمالي ...


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟