أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن جنة مفقودة بل كانت مجتمعًا طبقيًا منتجًا للهزيمة ذاتيًا














المزيد.....

من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن جنة مفقودة بل كانت مجتمعًا طبقيًا منتجًا للهزيمة ذاتيًا


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 15:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يظن من يقرأ رواية تشينوا أتشيبي أنها مرثاة لعالم تقليدي جميل سحقه الاستعمار الغاشم. هذا الوهم ليس بريئًا، بل يعيد إنتاج الأيديولوجيا ذاتها التي جعلت أوموفيا قابلة للهزيمة. فالمجتمع الذي لا يرى تناقضاته الداخلية محكوم عليه بأن يظل أسير خطاب الضحية الأبدية، عاجزًا عن تحليل شرط هزيمته المادي.

كانت أوموفيا مجتمعًا منتجًا لفائض القيمة، وهذا يعني وجود علاقات استغلال طبقي حقيقية. أوكونكو لم يكن مجرد "رجل ناجح" في ثقافة مختلفة، بل كان رأسماليًا زراعيًا صغيرًا يملك حقولًا متعددة وزوجات يعملن كقوى عاملة وعبيدًا يُشغَّلون في مواسم الحصاد. طريقه من الفقر إلى الثراء لم يكن انتصارًا للجدارة، بل دليلاً على أن النظام يسمح بالصعود الفردي عبر تراكم رأس المال البشري والديون، لا عبر التضامن الطبقي. هذا المسار الفردي هو بالضبط ما ينتج الوعي الزائف: أوكونكو يعرف ألم الفقر لأنه ولد فيه، لكنه بدل أن يُحوّل هذه التجربة إلى أداة لنقد النظام، حوّلها إلى طموح للوصول إلى قمته.

الطبقة الأكثر عددًا في أوموفيا لم تكن "الجماهير" المجردة، بل الأحرار الفقراء والمدينون. الرجل الذي يقترض البذور من النخبة ليزرع أرضه ويعيد الجزء الأكبر من محصوله دينًا ليس حرًا إلا بالاسم. هو في علاقة إنتاج شبه إقطاعية مع من أقرضه، لكن هذه العلاقة لا تُسمى باسمها لأن الأيديولوجيا المسيطرة تجعل الفقر يبدو نتيجة "ضعف التشي" أي ضعف الحظ الإلهي، لا نتيجة استغلال مادي. هذا هو الإنجاز العبقري للجهاز الأيديولوجي: أن يجعل المستغَل يرى وضعه كفشل فردي لا كهيكل جماعي للنهب.

تحت هؤلاء وقف الأوسو والعبيد، الطبقة التي لا اسم لها في الخطاب الرسمي لأوموفيا. هؤلاء ليسوا هامشًا عابرًا، بل هم ركيزة الإنتاج في مواسم الذروة، والخرافة الدينية ضرورة مادية لاستغلالهم. الأوراكل يعلنهم "أرواحًا منبوذة"، مما يُخرج استغلالهم من دائرة الأخلاق إلى دائرة الطهارة الكونية. من يضرب عبدًا أو يستولي على محصول منبوذ لا يرتكب ظلمًا، بل يؤكد نظامًا مقدسًا.

لماذا لم يشكّل هؤلاء المضطهدون تحالفًا طبقيًا ضد النخبة؟ لأن الأوراكل لم يكن مجرد معتقد، بل كان جهازًا أيديولوجيًا ينتج تراتبية رمزية داخل المضطهدين أنفسهم. الرجل الحر الفقير ينظر إلى الأوسو بازدراء لأنه تعلم أنهم "ملوثون". المدين الصغير يتطلع إلى تقليد النخبة بدل التحالف مع من هم أسفل منه. كل واحد يُقاسي وضعه بمن هو أعلى منه، لا بمن يشاركه موقعًا طبقيًا حقيقيًا. هذا ليس جهلاً، بل هو بالضبط ما تعنيه الهيمنة الغرامشية: وعي زائف يُنتج خضوعًا طوعيًا قبل أي تدخل قمعي.

أوكونكو يقتل إيكيمفونا، الطفل الذي أحبه كابن، امتثالاً لأمر الأوراكل. القراءة السطحية ترى في هذا مأساة فردية لرجل مزقته التقاليد. القراءة الماركسية ترى شيئًا أفظع: أوكونكو يعرف الباطل في القتل، لكن رفضه سيُعرّضه للإقصاء من دائرة النخبة التي كافح طويلاً للوصول إليها. هو يختار النظام على إنسانيته لأنه أدرك، ربما بغير وعي، أن مكانته الطبقية أغلى من أي حب. الرجل الذي ولد فقيرًا صار أشد قسوة على الضعفاء من أولئك الذين ولدوا أغنياء.

حين جاء المستعمر البريطاني، وجد باب أوموفيا مفتوحًا على مصراعيه. لم يكن اختراقًا من الخارج بقدر ما كان انفجارًا لتناقضات داخلية راكمة. الأوسو والمنبوذون وأمهات التوائم المحكوم عليهن بالطرد لم يحتاجوا إلى "خداع" المبشرين، بل كانوا يبحثون عن أي نظام أيديولوجي بديل يُقرّ بإنسانيتهم. المسيحية قدّمت لهم هذا، وقدمت معه مدرسة ومستشفى وشبكة دعم. لم يتحرروا طبعًا، بل انتقلوا من تبعية الأوراكل إلى تبعية التاج البريطاني. لكن الفرق أن هذا الانتقال بدا لهم تحررًا حقيقيًا، وهذا هو جوهر المأساة.

لحظة الموت العظمى في الرواية ليست موت أوكونكو، بل نظره الأخير حوله فلا يرى أحدًا يتبعه. لم يخذله الشعب، بل لم يكن هناك شعب بالمعنى السياسي. كانت هناك جماهير منشغلة بالتنافس على من هو أطهر وأشرف. حين حاول مقاومة الاستعمار بأيديولوجيا "الرجولة والشرف"، لم يجد آذانًا مصغية لأن هذه الأيديولوجيا كانت هي ذاتها أداة القمع الداخلي التي أبقت الفقراء يتناطحون رمزيًا.

ما تفعله الرواية، رغم أن كاتبها لم يقصد ذلك ماركسيًا، هو تشريح لانهيار وعي طبقي ممكن لم يحدث. الدرس ليس أن أوموفيا قُدِّر لها الهزيمة، بل أنها أنتجت شروط هزيمتها بنفسها حين جعلت الفقراء يصدقون أن عدوتهم ليس النخبة التي تستغلهم، بل المنبوذين الذين هم أسفل منهم. هذا الدرس يضيء كالقنبلة على السودان اليوم، حيث يتقاتل فقراء دارفور مع فقراء كردفان تحت رايات قبلية صُنعت في ورش السلطة.

قالت روزا لوكسمبورغ إن "الحرية دائماً حرية المُخالف في الرأي". الأصح ماركسيًا أن الوعي الطبقي هو دائماً وعي من يكتشف أن عدوه الحقيقي يقف إلى جانبه لا أمامه. سيبقى أبناء الطبقة العاملة في كل مكان يتقاتلون بالنيابة عن نخبهم إلى أن يدركوا أن الخرافة التي تفرقهم هي الرأسمال الرمزي الذي تستثمره تلك النخب لشراء إذعانهم. عندها فقط تتوقف الأشياء عن التداعي وتبدأ في البناء.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط
- 10. الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: عجز الفاعل عن امتلاك الزمن
- 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)
- 8. أزمة التنظيم: لماذا لا يعوّض الشارع الحزب؟
- 7. -إسقاط النظام-: طاقة الشعار وعجزه
- 6. الزمن الثوري: لحظة تُفتح وتُغلق
- 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي
- 4. الإضراب السياسي العام 1985: سلاح الطبقة أم حده الأقصى؟
- 3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985
- 2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟
- انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقت ...
- 25. ما بعد المقالات: نحو ممارسة ثورية جديدة
- 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثوري ...
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن جنة مفقودة بل كانت مجتمعًا طبقيًا منتجًا للهزيمة ذاتيًا