أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته الثورية التي لم تنظم















المزيد.....

7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته الثورية التي لم تنظم


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 13:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في أوموفيا، كان الأوسو — المنبوذون الذين خصصهم الأوراكل للعار الأبدي — والمدينون — الفقراء الأحرار المرتهنون لدورة الإنتاج — يشكلون معاً أغلبية ساحقة من السكان. كانوا يملكون كل الأسباب المادية للثورة: أيديهم تعمل في حقول النخبة، وظهورهم تحمل أثقال الحروب، وأطفالهم يُقدمون قرابين باسم الآلهة. لكنهم لم يقوموا بثورة. لم يحرقوا بيت الأوراكل، ولم يقتسموا أراضي النخبة، ولم يشكلوا تحالفاً يعبر حدود العار والدين. هذا الفشل في التنظيم ليس طبيعياً، وليس ناتجاً عن "غباء" أو "تخلف"، بل هو أكبر انتصار للأوراكل على الإطلاق. لأن الأوراكل نجح في جعل الأوسو يحتقر المدين، والمدين يخاف أن يصبح أوسو، وكلاهما يظن أن عدوه هو الآخر، بينما النخبة تواصل نهب فائض عملهما. السودان اليوم يعيد إنتاج ذات المأساة: الفقير الدارفوري والفقير الكردفاني والفقير النوبي، كل منهم يظن أن عدوه هو الفقير الآخر، تحت رايات القبيلة والدين والمنطقة. الأوراكل الجديد لم يخترع هذه الانقسامات من العدم، لكنه نجح في جعلها أبدية ومقدسة، مانعاً أي تحالف طبقي عابر لها.

لفهم لماذا فشل الأوسو والمدينون في أوموفيا في أن يصبحوا طبقة ثورية، لا بد من تذكر ما فعله الأوراكل بهم. الأوسو لم يكونوا مجرد فقراء؛ كانوا "ملوثين" روحياً، لا يجوز مصافحتهم أو الجلوس معهم أو تزويجهم. هذا العار لم يكن طبيعياً، بل كان إنتاجاً أيديولوجياً مقصوداً. الأوراكل جعل من الأوسو فزاعة يخاف منها حتى أفقر حر من أحرار أوموفيا. الرجل المدين الذي يعمل بجد لسداد ديونه كان ينظر إلى الأوسو بازدراء، لأنه على الأقل ليس "منبوذاً". هذا الازدراء هو بالضبط ما منع تحالفهم. الأوراكل زرع في رأس المدين أن وضعه أفضل مما هو عليه، وفي رأس الأوسو أن وضعه لا أمل في تغييره. كليهما حبس في دائرة الوعي الزائف، والنخبة تواصلت في تراكمها.

أما المدينون، فكانوا طبقة أكثر تعقيداً، وهي الأكثر شبهاً بفقراء السودان اليوم. لم يكونوا عبيداً، لكنهم لم يكونوا أحراراً بالكامل. اقتراض البذور من النخبة في بداية الموسم، ثم إعادة جزء كبير من المحصول ديناً في نهايته، جعلهم في حالة شبه إقطاعية. هم ينتجون لكن لا يملكون. هم يزرعون لكن لا يقررون. هم يموتون جوعاً في السنوات العجاف، بينما مخازن النخبة تمتلئ. هذه الطبقة كان يمكن أن تكون طليعة الثورة: لديها ما تخسره، وتعرف أن النظام ظالم، وليست ملعونة روحياً مثل الأوسو. لكنها لم تتحول إلى طليعة، لأن الأوراكل نجح في تحويل طاقتها إلى التنافس الفردي لا النضال الجماعي. كل مدين كان يحلم بأن يصبح مثل دائنه، لا بأن يكسر نظام الديون. الحلم بالصعود الفردي هو السم الذي حقنه الأوراكل في شرايين الطبقات الدنيا، وهو ذات السم الذي تنتجه الرأسمالية اليوم باسم "الجدارة" و"ريادة الأعمال".

في السودان الراهن، يمكن تسمية نظير الأوسو والمدينين بأسماء مختلفة لكن الوظيفة الطبقية واحدة. المنبوذون اليوم هم ليسوا منبوذين روحياً، بل هم منبوذون جغرافياً وإثنياً: نازحو دارفور في مخيمات الخرطوم، ومزارعو مشروع الجزيرة الذين طردوا من أراضيهم لصالح مستثمرين، وعمال مناجم الذهب الذين يستخرجون الثروة ولا يرون منها قرشاً. هؤلاء كلهم "أوسو العصر": مهمشون، مستغلون، ونادراً ما ينظر إليهم كطبقة واحدة. والمدينون اليوم هم ملايين السودانيين الغارقين في ديون غير قابلة للسداد، بسبب انهيار العملة والتضخم وفقدان الوظائف. هم لا يستطيعون شراء الخبز، ناهيك عن تسديد قروضهم الصغيرة. لكنهم أيضاً لا يتحدون مع النازحين، لأن كل واحد منهم يحلم بـ"فرصة" تخرجه من وضعه، ولو على حساب غيره.

الصدمة أن السودان يملك ما لم تملكه أوموفيا: تجارب نضالية حية وحديثة. ثورة ديسمبر 2019 كانت لحظة كسرت الأوراكل مؤقتاً. حين نزل السودانيون إلى الشارع بشعار "تسقط، بس"، كان الأوسو والمدينون والنازحون والمهمشون يتظاهرون معاً. القبيلة والدين والمنطقة اختفت لحظتها، وظهر الوعي الطبقي عارياً: شعب واحد ضد نخبة نهبت البلاد. لكن الثورة لم تكتمل، لأنها فشلت في تحويل لحظة التوحد إلى تنظيم دائم. حين انتهت المظاهرات، عاد الناس إلى بيوتهم، وعاد الأوراكل ليفرقهم. هذا هو الدرس القاتل: اللحظة الثورية العابرة لا تصنع ثورة. الثورة تصنعها التنظيمات القاعدية التي تبقى بعد انقشاع الحماس. هذه التنظيمات لم تُبنَ في السودان، ولذلك انهارت الثورة واستعاد الأوراكل السيطرة.

ثمة فرق جوهري بين الأوسو في أوموفيا والفقراء في السودان اليوم: الأوسو كانوا مشتتين في قرى صغيرة، ووسائل تواصلهم بدائية، وعزلتهم الجغرافية حقيقية. أما فقراء السودان اليوم، فيعيشون في مدن مكتظة، ولديهم هواتف ذكية ووسائل تواصل اجتماعي، ويتنقلون بين الولايات. الظروف الموضوعية للتوحد أفضل بآلاف المرات مما كانت عليه في أوموفيا. ومع ذلك، الأوراكل القبلي والديني والإصلاحي ينجح في تحييد هذه الظروف. ليس لأن الفقراء أغبياء، بل لأن الأوراكل يتطور أسرع من وعيهم. القبيلة اليوم لا تقاليد موروثة فقط، بل هي شبكات فيسبوك وغرف واتساب وشاشات فضائية تبث خطاب الكرامة القبلية. النخبة تستثمر في هذه الأدوات وتجعلها أكثر فتكاً. الفقير الذي يمسك هاتفه الذكي يرى صوراً لأبناء قبيلته وهم يموتون تحت القصف، فيغضب، لكنه لا يسأل من قصفهم؟ ومن استفاد؟ قد تكون الإجابة "الجيش" أو "الدعم السريع"، لكن السؤال عن لماذا يموت فقراء القبيلتين معاً لا يطرح.

تحطيم جدار الأوراكل الذي يفصل بين الأوسو والمدينين، وبين فقير دارفور وفقير كردفان، يبدأ بفعل بسيط في ظاهره، عميق في جذوره: أن ينظروا إلى بعضهم ليس كمنافس على كراهية، بل كشريك في الجوع. حين يكتشف عامل منجم في جبال عامر أن العامل في منجم آخر من قبيلة مختلفة يتقاضى نفس الأجر المعدوم، ويعاني من نفس الأمراض، ويرسل أولاده إلى نفس المدارس المتهالكة، يبدأ يتساءل: من العدو الحقيقي؟ ليس العامل الآخر، بل النخبة التي تملك المنجمين معاً. هذه اللحظة المعرفية البسيطة هي بذرة الوعي الطبقي. لكنها تحتاج إلى تنظيم ليترجم إلى فعل. دون تنظيم، تبقى مجرد شرارة تخمد بسرعة.

ما يحتاجه فقراء السودان اليوم هو تنظيم يبدأ من المطالب المادية الصغرى التي لا تقبل التأجيل، ويتوسع تدريجياً. توزيع الخبز في حي فقير على الجميع دون سؤال عن قبيلتهم يخلق واقعاً جديداً. فتح ممر آمن لإيصال الدواء إلى منطقة محاصرة، بغض النظر عن الولاء السياسي لسكانها، يبني ثقة عابرة للانقسامات. إنشاء تعاونية زراعية أو ورشة عمل مشتركة تجمع أبناء قبائل مختلفة يثبت أن التعاون ممكن. كل هذه الأفعال الصغيرة، حين تتراكم، تقوض الأوراكل من قاعدته، لأنها تثبت أن البديل العملي ممكن. الأوراكل القبلي ينهار ليس حين يُهاجم بالخطاب، بل حين يثبت الناس أنهم يستطيعون العيش معاً بدونه.

أما الذين ينتظرون "اللحظة الكبرى" — ثورة شاملة تنقلب فيها كل الأوراكل دفعة واحدة — فإنهم ينتظرون وهماً. الثورات الكبرى التي نعرفها من التاريخ كانت تتويجاً لتراكم طويل من الممارسات الصغرى. لم تسقط الباستيل في يومها، بل كانت نتيجة تراكم الغضب والتنظيم. لم ينتصر الفيتناميون لأنهم استيقظوا يوماً ثائرين، بل لأنهم نظموا أنفسهم قرناً في قرى ومزارع وحقول. السودان يملك لحظة انطلاق ثورية (ديسمبر 2018)، لكنه لم ينجح في بناء التنظيمات التي تحافظ على الزخم وتحوله إلى قوة دائمة. ليس متأخراً أبداً، لكن كل يوم يمر بدون بناء تنظيم هو يوم يربحه الأوراكل.

التشاؤم بالعقل والتفاؤل بالإرادة. العقل يرى أن الأوراكل نجح في تفكيك فقراء السودان إلى طوائف متناحرة، وأن فرص بناء وعي طبقي عابر تبدو ضئيلة في زمن القصف والجوع. لكن الإرادة ترى أن كل فقير يدرك أن عدوه ليس الفقير الآخر، وأن كل أوسو يكتشف أنه لا يختلف عن مدين، هو نصر صغير يتراكم. السؤال ليس هل سننتصر، بل كم من الخروق سنحدث في جدار الأوراكل قبل أن نسقط. ولكل خرق قيمته، حتى لو لم نر النهاية.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط
- 10. الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: عجز الفاعل عن امتلاك الزمن
- 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)
- 8. أزمة التنظيم: لماذا لا يعوّض الشارع الحزب؟
- 7. -إسقاط النظام-: طاقة الشعار وعجزه
- 6. الزمن الثوري: لحظة تُفتح وتُغلق
- 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي
- 4. الإضراب السياسي العام 1985: سلاح الطبقة أم حده الأقصى؟
- 3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985


المزيد.....




- لماذا تُبحر سفن الرحلات البحرية إلى وجهة وهمية لا تظهر على أ ...
- ردا على إغلاق -المركز الإسلامي-.. إيران تستدعي سفير ألمانيا ...
- تقارير: أموال وثروات ضخمة لملالي إيران في ألمانيا وأوروبا
- -أسطول غزة-: منع الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير من دخول ال ...
- الطيران الخليجي يسجل أعلى معدلات التشغيل منذ اندلاع حرب إيرا ...
- سيارات كهربائية خارقة وإس يو في عربية.. أبرز مفاجآت السيارات ...
- مفاعلات الثوريوم.. التقنية التي تراهن على نووي أكثر أمانا
- عاجل | ترمب ينشر على منصة تروث سوشال خريطة إيران مظللة بالعل ...
- عامل صيانة يتغلب على ارتفاع أسعار الوقود بطريقة مبتكرة.. شاه ...
- ستة حيوانات نادرة من نوع اعتُقد أنه انقرض تبصر النور في حديق ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته الثورية التي لم تنظم