عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 12:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في أوموفيا، كان الأوراكل يتكلم باسم الآلهة، ولم يجرؤ أحد على مساءلة مصدر سلطته. في السودان اليوم، يتكلم الإصلاحيون باسم "الشعب"، ولا يجرؤ أحد على مساءلة من أعطاهم هذا الحق. الفارق أن الآلهة كانت كذباً واضحاً، أما "الشعب" فكذبة أشد تعقيداً، لأنها تحمل شذرة من الحقيقة. حمدوك يتحدث عن "تفويض شعبي" حصل عليه كرئيس وزراء في حكومة انتقالية كان العسكر شريكاً فيها منذ يومها الأول. الحزب الشيوعي يتحدث عن "جماهير ثورية" تتبنى برنامجه، لكنها لا تعرف بياناته إلا عبر فيسبوك. عبد العزيز الحلو يتحدث عن "أهل جبال النوبة" وهو يوقع تحالفات دون استشارة أحد منهم. هؤلاء جميعاً يؤدون ذات الوظائف الطبقية التي كان يؤديها أوراكل أوموفيا، لكن بثوب ديمقراطي لا ديني. وهذا ما يجعلهم أخطر أوراكل السودان اليوم، لأنهم لا يقدسون الآلهة بل يقدسون أنفسهم كوسطاء لا غنى عنهم بين الجماهير والحل.
لنطبق على الإصلاحيين الوظائف الأربع للأوراكل التي حللناها في المقالات السابقة، وسنرى التطابق مروعاً. الوظيفة الأولى: تشريع التراتبية الجديدة. في أوموفيا، كان "التشي" القوي يمنح الرجل الغني مكانته ويبرر تفوقه. في سودان صمود، "الخبرة السياسية" و"العلاقات الدولية" و"الوساطة الإقليمية" هي التشي الجديد. الفقير الذي فقد بيته في القصف لا يمثل نفسه في مفاوضات السلام، بل يمثله حمدوك لأنه كان رئيس وزراء، ومالك عقار لأنه كان وزيراً، وعبد العزيز الحلو لأنه يملك سلاحاً. هذه التراتبية ليست تمثيلاً، بل هي احتكار للسلطة الرمزية باسم "الكفاءة". من يجرؤ على القول إن لجنة مقاومة في أم درمان تفاوض أفضل من حمدوك؟ لا أحد، والأوراكل يبتسم.
الوظيفة الثانية: تفريغ الطاقة الاحتجاجية. في أوموفيا، كانت الطقوس السنوية تحول الغضب إلى احتفال منظم ومأمون. في سودان اليوم، "طاولة التفاوض" و"مبادئ الحوار" و"الجمعيات التأسيسية" و"الوثائق الدستورية" هي الطقوس الجديدة. كلما نزلت لجان المقاومة إلى الشارع تطالب بخبز أو دواء أو محاكمة الجنرالات، تصدر صمود بياناً يقول "نحن نتفاوض من أجلكم"، ويصدر الحزب الشيوعي بياناً يقول "الجماهير هي صانعة التغيير"، وتظل لجان المقاومة تنتظر. الطاقة الثورية التي كان يمكن أن تطيح بنخبة الحرب تُصرف في متابعة انقسامات التحالفات المتغيرة، وفي الإحباط من تكرار الوعود التي لا تنفذ. الأوراكل هنا لا يكذب صراحة، بل يعيد توجيه الغضب إلى قنوات آمنة للإصلاحيين وغير ذات تكلفة على النخبة.
الوظيفة الثالثة: إدارة العنف بلغة مقدسة. أوراكل أوموفيا قدّس قتل التوائم باسم الآلهة. أوراكل صمود يقدس "الانتقال السلمي" و"الشراكة مع العسكر" و"عدم إراقة الدماء" باسم "الديمقراطية" و"حماية المدنيين". حين وصف حمدوك مساعي التفاوض بأنها "الطريق الوحيد لوقف الحرب"، قوبل كل نقد لها باتهام "أنك تريد استمرار الحرب". المفارقة أن هذه المساعي لم توقف الحرب، بل صرفت أنظار الجماهير عن تنظيم أنفسهم بينما كان طرفا الحرب يستعدان لجولات أشد دموية. العنف الحقيقي — قصف الأسواق، وحرق المستشفيات، وتجويع الملايين — أصبح ثانوياً أمام "جريرة تعطيل المفاوضات". الأوراكل يحمي نفسه باسم السلام، كما كان الأوراكل القديم يحمي نفسه باسم الآلهة.
الوظيفة الرابعة: شل الاستجابة الجماعية. في أوموفيا، انتظر الشيوخ إشارة الأوراكل قبل أن يقاوموا. في السودان، تنتظر الجماهير بيان صمود أو الحزب الشيوعي أو "القوى المدنية" لتقرر ماذا تفعل. لجنة مقاومة في نيالا تريد فتح ممر إنساني، فتتصل بالقيادات في الخرطوم أو القاهرة لتأخذ الضوء الأخضر. حركة شبابية في كسلا تريد تنظيم ورشة عمل عن الوعي الطبقي، فتنتظر موافقة "الطليعة الثورية" التي لا تعرف عنوانها. السؤال المحظور: من أعطى حمدوك أو أي حزب أو تحالف سياسي الحق في الحديث باسم الشعب السوداني؟ الإجابة: لا أحد. لكنهم يتحدثون، والناس تنتظر، والأوراكل يعمل. حين سئل أحد قادة لجان المقاومة في بورتسودان "لماذا لا تتحدون مع لجان أخرى وتشكلون مجلساً وطنياً؟"، أجاب: "القيادات المدنية طلبت منا الانتظار لحين الانتهاء من الحوار السياسي". هذا هو الشلل بعينه، وليس صدفة أنه يبدو مألوفاً.
ثمة اقتصاد سياسي للأوراكل الإصلاحي لا يمكن تجاهله، لأن الاكتفاء بنقد البنية الأيديولوجية دون نقد البنية المادية التي تغذيها هو نقص في التحليل الماركسي لا تواضع فيه. المؤتمرات في أديس أبابا والقاهرة وجنيف لا تُعقد من فراغ — هي تُموَّل، وكل تمويل يحمل شروطاً حتى حين تكون غير مكتوبة. الدول التي تدفع ثمن فنادق المفاوضين وتذاكر طيرانهم تريد سوداناً مستقراً بما يكفي لحماية استثماراتها ومصالحها في حوض النيل والذهب والممرات الاستراتيجية، لكن لا ثورياً بما يكفي لإعادة توزيع ثرواته على أصحابها الحقيقيين. الأوراكل الإصلاحي إذن ليس مجرد بنية أيديولوجية تنتجها النوايا الحسنة، بل هو منتج اقتصادي يستورده من يدفع. حين يتحدث حمدوك عن "الانتقال الديمقراطي"، فهو يتحدث بلغة تطمئن الممولين أكثر مما تطمئن الجائعين. هذا لا يعني أن الممولين يملون عليه كل كلمة، بل يعني أن المنظومة كلها — التمويل والخطاب والمؤتمرات وصياغة الوثائق — تنتج تلقائياً نوع الأوراكل الذي يحمي النظام الدولي الذي يموّلها. الأوراكل ليس مؤامرة، بل هو منطق بنيوي: كل من يأكل من مائدة معينة يتعلم تلقائياً ألا يكسرها.
الحزب الشيوعي السوداني يمثل حالة خاصة مثيرة للتحليل. هو الذي قاد انتفاضة أكتوبر 1964 وكان رأس حربة في ثورة ديسمبر 2018، تحول اليوم إلى ما يشبه الأوراكل لا يقل إشكالية عن صمود. لكن الأمانة التحليلية تلزمنا بتمييز دقيق: المشكلة ليست في الحزب الشيوعي كتاريخ أو كأفراد مخلصين، بل في البنية الإصلاحية التي تسود فيه راهناً، وهي بنية يعرفها كثير من أعضائه ويقاومونها من الداخل. الحزب عاش انشقاقات عميقة بين جناح يميل للعمل الجماهيري المباشر وجناح يميل للسياسة النخبوية، والصراع بين الجناحين لم يُحسم. ما يمكن قوله بوضوح هو أن البيانات المتتالية التي تدعو إلى "الحراك الجماهيري الواسع" دون تقديم أداة تنظيمية واحدة قابلة للتطبيق تحت القصف، تؤدي وظيفة الأوراكل بغض النظر عن نوايا أصحابها. الحزب الشيوعي يلعب دور الطبيب الذي يشخص المرض بدقة متناهية ثم يصف دواء غير متوفر في الصيدلية. الجماهير تموت، والبيانات مستمرة، والأوراكل يعمل. المأساة أن قادته مخلصون فعلاً، وتاريخهم النضالي لا يشك فيه أحد. لكن الإخلاص ليس بديلاً عن الفعالية، والنية الحسنة لا تلغي الوظيفة البنيوية.
سؤال التمثيل هو عصب الأوراكل الإصلاحي. من يفاوض باسم الشعب السوداني؟ الإجابة الجذرية: لا أحد من هؤلاء يملك تفويضاً حقيقياً. لجان المقاومة كانت الأقرب إلى هذا التمثيل الفعلي، لكن تم تهميشها وتفكيكها وتشويه صورتها. من يفاوض اليوم هو نخب سياسية أعادت إنتاج ذات لعبة الأوراكل التي أطاحت بها ثورة ديسمبر. وهذا هو السبب الجوهري الذي يجعل كل مفاوضاتهم تفشل: لأنهم لا يمثلون أحداً، وجنرالات الجيش والدعم السريع يعرفون ذلك جيداً، ويوظفون هذا الضعف في كل جولة تفاوض.
غير أن الأمانة الجدلية تلزمنا أيضاً بالنظر النقدي في لجان المقاومة ذاتها، لأن تقديمها كبديل نقي من عيوب الأوراكل يُسقط المنهج الذي يتبناه هذا المقال. لجان المقاومة ليست محصنة من أمراض الأوراكل. حين تتحول لجنة إلى إمارة نفوذ يديرها زعيم حي يتفاوض باسم السكان دون انتخاب، أو حين تستبعد النساء من قراراتها بينما يقع الثقل الأكبر على أكتافهن في إدارة مخيمات النزوح وتأمين الغذاء وتضميد الجرحى، فهي تعيد إنتاج ذات البنية التي تعارضها بخطاب مختلف. في الواقع، قادت النساء شبكات إغاثة واسعة وأدرن مجموعات دعم نفسي وأسسن شبكات تضامن عابرة للمناطق، دون أن يظهرن في أي "تمثيل رسمي" للجان. هذا الغياب ليس عرضياً بل بنيوي، وهو يكشف أن التنظيم من الأسفل يمكنه أيضاً أن ينتج هيمنته الخاصة. البديل إذن ليس لجان المقاومة كشكل جاهز، بل التنظيم الأفقي كمبدأ يُقرر في الممارسة اليومية لا في الخطاب — والفرق بين الاثنين يظهر حين تُطرح على أي تنظيم هذه الأسئلة الثلاثة: من يقرر؟ من يستفيد؟ ومن يُحسب له الحساب؟
الثورة لا تحتاج إلى مفاوضين، بل إلى منظمين. حين تقوم لجان المقاومة بتوزيع الخبز دون انتظار إذن صمود، وحين تدير النساء مخيمات النزوح دون الرجوع إلى بيان الحزب الشيوعي، وحين يفتح الشباب ممرات إنسانية دون تفويض من أي تحالف، عندها فقط يبدأ كسر الأوراكل الإصلاحي. لأن الأوراكل الإصلاحي يعتمد على فكرة "الوسيط الضروري": لا يمكنك تغيير شيء دون المرور بنا. هذه هي ذات فكرة أوراكل أوموفيا: لا يمكنك معرفة إرادة الآلهة دون كاهنتي. الإصلاحيون سيقولون إن هذا "رومانسية ثورية" و"انفصال عن الواقع". الأصح أنهم خائفون من فقدان وظيفتهم كوسطاء. لأنهم إن لم يفاوضوا، فماذا سيفعلون؟ ماذا سيفعل حمدوك إن لم يوقع وثائق؟ ماذا سيفعل الحزب الشيوعي إن لم يصدر بيانات؟ وظيفة الوسيط تحتاج إلى وساطة لا تنتهي، والأوراكل يحتاج إلى جماهير لا تستغني عنه.
ما العمل إذن؟ ليس في إعلان حل الحزب الشيوعي أو إسقاط صمود بالخطاب، بل في بناء تنظيم موازٍ من الأسفل لا يحتاج إلى وسطاء ولا ينتظر تفويضاً من أحد. لجان المقاومة يجب أن تتحد ليس تحت راية "صمود" أو "الحزب الشيوعي"، بل تحت راية مطالب مادية فورية لا تقبل التأجيل: وقف فوري لإطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية دون شروط، وتوزيع عادل للمساعدات، ومحاكمة كل من نهب الذهب وأجوع الناس. هذه المطالب لا تحتاج إلى مفاوضين، بل إلى مضربين عن الطعام ومتظاهرين ومنظمين يعملون أفقياً لا عمودياً. التنظيم الأفقي الذي يجيب على الأسئلة الثلاثة — من يقرر؟ من يستفيد؟ ومن يُحسب له الحساب؟ — هو النقيض الحقيقي للأوراكل، سواء أكان الأوراكل كجوراً أم شيخاً أم مفاوضاً يحمل حقيبة دبلوماسية.
التشاؤم بالعقل والتفاؤل بالإرادة. العقل يقول إن أوراكل الإصلاحيين متجذر في بنية السياسة السودانية، وموصول بتمويل دولي راسخ، وأن كسره يحتاج إلى زمن أطول من صبر الجائعين. لكن الإرادة ترى أن كل لقاء للجنة مقاومة يعقد دون إذن الوسيط هو كسر للأوراكل، وكل رغيف خبز يوزع دون وساطة هو نصر صغير لا يُستهان به، وكل بيان حزبي يصدر تتجاهله الجماهير لأنها كانت مشغولة بتنظيم نفسها هو بداية نهايته. الخيانة ليست في نوايا الإصلاحيين، بل في بنية عملهم التي تبقي الجماهير في حالة انتظار. كسر هذه البنية يبدأ حين تدرك الجماهير أنها لا تحتاج إلى وسيط، وحين تدرك لجان المقاومة أنها تملك من القوة والشرعية والجذور ما يكفي لتقرر مصيرها بنفسها. الإصلاحيون هم أداة التأجيل، وهم في السودان اليوم أوراكل أخطر من الكجور وشيخ الطريقة، لأنهم يتحدثون باسم الثوار أنفسهم، ويسرقون باسم الحرية، ويؤجلون باسم الواقعية.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟