أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 11. لماذا أوموفيا؟















المزيد.....

11. لماذا أوموفيا؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 08:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قد يتساءل قارئ: كيف تجرؤ سلسلة مقالات على استدعاء رواية أدبية عن مجتمع إيغبو خيالي في خمسينيات القرن التاسع عشر لتحليل حرب أهلية في السودان عام 2026؟ أليس هذا إسقاطاً تعسفياً؟ أليس في الأدب السوداني نفسه ما يكفي من نصوص تعكس واقعه؟ ألا يختزل هذا الإجراء تنوع المجتمعات الأفريقية في قالب واحد؟ هذه الأسئلة مشروعة، بل هي ضرورية لمنهجية أي تحليل ماركسي جاد. هذه السلسلة لم تستدع "الأشياء تتداعى" كزخرف أدبي، ولا كمرثاة لحضارة ضائعة، بل كنموذج بنيوي لانهيار وعي طبقي يمكن تتبع آلياته في سياقات مختلفة. الفرق بين الاستعارة والتحليل البنيوي هو الفارق بين أن نقول "السودان مثل أوموفيا" (وهذا تعسف) وبين أن نقول "آليات إنتاج الوعي الزائف التي حللها أتشيبي في أوموفيا تعمل اليوم في السودان بأدوات مختلفة" (وهذا تحليل قابل للاختبار).

أتشيبي لم يكتب رواية أنثروبولوجية عن قبيلة منقرضة، بل كتب تشريحاً لآليات الهزيمة التي يعرفها كل مجتمع يخضع للاستعمار أو للهيمنة النخبوية. أوموفيا ليست "أي قرية أفريقية"، بل هي نموذج مصغر لعلاقات إنتاج وتراتبية طبقية وجهاز أيديولوجي (الأوراكل) يمكن دراسته كحالة. حين نقرأ عن "التشي" الذي يحدد حظ الفرد، نفكر في القبيلة التي تحدد مكانة الفرد. حين نقرأ عن الأوراكل الذي يشرعن قتل التوائم، نفكر في الخطاب القبلي الذي يشرعن قتل الجار. حين نقرأ عن انتظار شيوخ أوموفيا لإشارة الأوراكل قبل مقاومة البريطانيين، نفكر في انتظار جماهير السودان لإشارة "صمود" قبل تنظيم أنفسهم. هذا ليس استعارة، بل هو تتبع لآليات أيديولوجية متكررة في سياقات تاريخية مختلفة. الماركسية الجذرية لا تقارن الظواهر بتشابهها السطحي، بل بتشابه وظيفتها الطبقية.

الاعتراض على استدعاء نص أدبي قديم قد يكون في ظاهره دفاعاً عن "خصوصية" السودان، لكنه في جوهره يخفي افتراضاً خطيراً: أن كل مجتمع فريد لدرجة لا يمكن مقارنته بأي مجتمع آخر. هذا الافتراض هو عين الأيديولوجيا البرجوازية التي تمنع التحليل الطبقي العابر للحدود. لو طبقنا هذا المنطق، لما استطعنا استخدام مفاهيم ماركس التي صاغها لتحليل رأسمالية أوروبا القرن التاسع عشر في تحليل السودان اليوم. لكننا نفعل، لأن الرأسمالية وإن اختلفت أشكالها، فإن قوانينها الأساسية (تراكم رأس المال، استغلال العمل، الصراع الطبقي) تعمل في سياقات مختلفة. ذات المنطق ينطبق على الأوراكل. آليات إنتاج الوعي الزائف، وتشريع التراتبية، وشل الاستجابة الجماعية، ليست حكراً على الإيغبو في القرن التاسع عشر، بل هي آليات بشرية عامة تعيد إنتاج نفسها في كل مجتمع تخضع فيه جماهير لهيمنة نخبة تستخدم أيديولوجيا لتبرير استغلالها.

ثمّة فرق جوهري بين "أوموفيا" كرواية وأوموفيا كتحليل. الرواية عمل أدبي، لكن ما نستدعيه من الرواية ليس حبكتها أو شخصياتها، بل بنيتها الطبقية وآليات أوراكلها. هذه البنية استخلصها أتشيبي من واقع تاريخي (مجتمعات الإيغبو قبل الاستعمار) ثم صاغها أدبياً. نحن نعيد استخلاصها من النص الأدبي إلى الواقع التحليلي، لنطبقها على واقع آخر. هذه هي الحركة الجدلية بين النظري والواقعي، بين الخاص والعام. السودان ليس أوموفيا، لكن آليات الأوراكل تعمل فيه بطريقة مذهلة في التشابه مع ما وصفه أتشيبي، ليس لأن أتشيبي تنبأ بالمستقبل، بل لأن البنى الطبقية والأيديولوجية تنتج أنماطاً متكررة من الوعي الزائف، وإن اختلفت أشكالها التاريخية. الأوراكل في أوموفيا كان يجلس في كهف، والأوراكل في السودان يجلس على كرسي الإعلام أو في قاعات مؤتمرات نيروبي، لكن الوظيفة واحدة.

أما عن السؤال: أليس في الأدب السوداني نفسه نصوص تعكس واقعه؟ بلى، ولا شك. لكن "الأشياء تتداعى" ليست بديلاً عن قراءة الشعر السوداني أو روايات الطيب صالح أو التجاني يوسف بشير. هي إضافة، وليست استبدالاً. وقيمتها بالتحديد في أنها تقدم نموذجاً مكثفاً لانهيار مجتمع تحت وطأة أوراكل داخلي قبل أن يأتي العدو الخارجي. النصوص السودانية قد تقدم هذه الرؤية أيضاً، لكنها غالباً ما تكون لاحقة للكارثة أو متداخلة معها. ما يميز أتشيبي أنه كتب عن أوموفيا قبل الاستقلال، من موقع من يرى الكارثة قادمة ويحاول فهم أسبابها. هذه النظرة الاستباقية تجعل نصه قابلاً للتطبيق على مجتمعات أخرى تمر بلحظات انهيار مماثلة. السودان اليوم يمر بلحظة انهيار، والنصوص التي كُتبت عنه بعد الانهيار قد تكون أقرب إلى التوثيق منها إلى التحليل الاستباقي.

التحليل الطبقي الذي قدمناه في هذه السلسلة لا يقوم على "رواية" واحدة، بل على أرضية مزدوجة: رواية أتشيبي من جهة، ووثائق وتقارير وأخبار عن السودان الراهن من جهة أخرى. استدعاء أوموفيا هو أداة لتوليد الأسئلة، لا لإغلاقها. حين نقول "الأوراكل في أوموفيا كان يفعل كذا"، نسأل: أين الأوراكل الذي يفعل كذا في السودان اليوم؟ هذا السؤال يفتح تحقيقاً، لا يغلقه. الرواية هنا ليست جواباً، بل هي عدسة. والعدسات يمكن أن تكون مفيدة حتى لو كانت مصنوعة في غير بلدك. لم يقل أحد إن الطبيب لا يستخدم سماعة طبية مصنوعة في السويد لأنه ليس سويدياً. الأداة تُقيم بفائدتها، لا بجنسيتها.

ربما يكون الاعتراض الأعمق هو: باستدعائك نموذجاً أفريقياً خارج السودان، ألا تعيد إنتاج النظرة الاستعمارية التي تختزل أفريقيا في قالب واحد؟ بالعكس، النظرة الاستعمارية كانت تقول إن الأفارقة كلهم "متشابهون في تخلفهم". نحن نقول إن آليات الاغتراب الطبقي وإنتاج الوعي الزائف تتشابه، وليس الشعوب. هذا الفارق حاسم: نحن نحلل بنى، لا نصنف بشراً. أتشيبي نفسه كان يرفض اختزال أفريقيا في قالب واحد، وهو الذي كتب مقالات ناقدة بحدة لجوزيف كونراد ورواياته التي صورت الأفارقة ككتلة متجانسة من "الوحشية". استدعاء أوموفيا هو تكريم لأتشيبي، وليس خيانة له. أتشيبي أراد أن يكتب رواية أفريقية تخاطب العالم، لا رواية إيغبو تخاطب الإيغبو فقط. نجاحه في جعل أوموفيا نموذجاً عالمياً يعني أن آليات الانهيار التي وصفها ليست حكراً على مجتمعه، بل هي قابلة للتعميم التحليلي.

الماركسية الجذرية تتعامل مع الأدب كوثيقة اجتماعية، لا كعمل فني محايد. من هذا المنظور، رواية أتشيبي ليست أقل قيمة من تقرير اقتصادي أو دراسة أنثروبولوجية، بل قد تكون أكثر قيمة لأنها تلتقط التناقضات الحية التي قد تفلت من التحليل الجاف. درويش وفانون ونيرودا لم يكونوا أقل تأثيراً من الاقتصاديين لأنهم استخدموا لغة الشعر لقول ما لا يقوله التقرير. أتشيبي استخدم لغة الرواية ليقدم تشريحاً لانهيار مجتمع كامل قبل أن ينهار. هذا هو السبب الذي يجعل روايته حية بعد سبعين عاماً، بينما تقارير أنثروبولوجية كثيرة طواها النسيان. السلسلة لم تستدع أوموفيا لأنها أقدم أو أفصح، بل لأنها قدمت نموذجاً تحليلياً مكثفاً لآليات الأوراكل التي لم تستطع نصوص أخرى تقديمه بنفس القوة.

في النهاية، هذه السلسلة لا تدعي أن أوموفيا هي "مفتاح" لفهم السودان، بل هي "أداة" من بين أدوات. القارئ الذي لا يقتنع بهذه الأداة يمكنه تجاهلها والتركيز على التحليل المباشر للواقع السوداني. لكن السلسلة ستكون أقل عمقاً، لأن المقارنة مع أوموفيا سمحت لنا برؤية أنماط متكررة من الوعي الزائف ربما كانت ستظل مخفية لو اكتفينا بالوصف المباشر. السؤال الذي نتركه للقارئ ليس "هل توافق على استدعاء أوموفيا؟" بل "هل ساعدك هذا الاستدعاء على رؤية شيء لم تكن تراه من قبل؟" فإن كانت الإجابة بنعم، فالأداة أدت غرضها، بغض النظر عن أصلها الجغرافي والتاريخي. وإن كانت الإجابة لا، فالسلسلة فشلت في مهمتها، ليس لأن أوموفيا اختيار خاطئ، بل لأننا فشلنا في تقديمها بشكل مقنع. السلسلة لا تدعي العصمة، بل تخضع للنقد مثل أي أداة أخرى.

كما قال ماركس في "رأس المال": "ليس التحليل الاقتصادي وحده ما ينتج النقد، بل النقد ينتج أيضاً من تناقضات الواقع نفسه". أوموفيا لم نستدعها من فراغ، بل من تناقضات السودان الراهن التي جعلت القارئ يبحث عن نموذج لفهمها. لم نأتِ بها فرضاً على الواقع، بل وجدناها جواباً لحاجة مادية لفهم آليات الهزيمة. هذه الحاجة هي التي تبرر استدعاءها، وليس أي فضل ذاتي. وما دامت الحاجة قائمة، فالأدوات ستتعدد، ولن يكون آخرها أوموفيا.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط
- 10. الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: عجز الفاعل عن امتلاك الزمن
- 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)
- 8. أزمة التنظيم: لماذا لا يعوّض الشارع الحزب؟
- 7. -إسقاط النظام-: طاقة الشعار وعجزه


المزيد.....




- رئيس وزراء إثيوبيا.. ما قد لا تعلمه عن آبي أحمد وقبضته وحقيق ...
- الجيش الإسرائيلي يقول إنه وسع عملياته البرية في جنوب لبنان و ...
- ترامب يشدّد شروط الاتفاق مع إيران.. وإسرائيل تعلن توسيع عملي ...
- ترامب -يرسل- مقترحا أكثر صرامة لإيران وإسرائيل توسع عملياتها ...
- عبدالله الغذامي يسأل -ماذا لو كنت مخطئاً؟- ويرى في ترامب -شخ ...
- الكولومبيون ينتخبون رئيسهم الجديد وسط مخاوف عنف الجماعات الم ...
- احتلال قلعة الشقيف يعيد رسم خرائط السيطرة الميدانية جنوب لبن ...
- بعد السيطرة على قلعة الشقيف.. هل تنجح إسرائيل بتجاوز -عقدة 2 ...
- فيديو مفتي عُمان وما قاله عن أحداث أسطول غزة خلال لقاء مشارك ...
- 30 عاما على مذبحة سريبرنيتسا .. بقعة سوداء لطّخت وجه أوروبا ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 11. لماذا أوموفيا؟