أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه مدني















المزيد.....

9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه مدني


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 08:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في أوموفيا، عندما بدأ الأوراكل يفقد قدرته على تفسير الواقع وإنتاج الإذعان، جاءت المسيحية لتقدم نفسها كبديل. لم تكن المسيحية أقل خرافة، لكنها كانت أكثر قدرة على استيعاب المنبوذين وتقديم شبكة أمان بديلة. في السودان اليوم، بعد انكشاف أوراكل القبيلة والتكفير والكجور والطرق الصوفية، وبعد فشل الثورة في بناء بديل تنظيمي دائم، جاءت "صمود" (تنسيقية القوى المدنية) لتقدم نفسها كحل. لكنها ليست حلاً، بل هي أوراكل جديد من نوع خاص: لا تريد إزاحة العسكر، بل تريد شراكة مع وجوه عسكرية جديدة، في محاولة لاستعادة نموذج الفترة الانتقالية 2019-2021 الذي انهار تحت وطأة تناقضاته. هذا الأوراكل المدني أخطر من الأوراكل العسكري، لأنه يتحدث باسم الثوار أنفسهم، ويستخدم لغة الديمقراطية والسلام لتمرير هيمنة النخبة المسلحة بوجه إنساني.

"صمود" لم تنشأ من فراغ. هي وريثة تجربة "تنسيقية القوى المدنية" و"الحرية والتغيير" و"مجلس السيادة" و"حكومة حمدوك". كل هذه التجارب كانت تقوم على نموذج واحد: شراكة بين القوى المدنية (التي لا تملك سلاحاً ولا قاعدة جماهيرية منظمة) والقوى العسكرية (التي تملك السلاح والذهب والموانئ). في كل مرة، كان العسكر يمسك بالسلطة الفعلية، والمدنيون يمسكون بواجهة الحكم، فيتفاوضون مع الخارج، ويستجدون التمويل، ويصدرون بيانات تطمئن المانحين. وفي كل مرة، كان العسكر يقلب الطاولة على المدنيين حين يشعر أن شركاءه أصبحوا عبئاً أو حين يريد إعادة توزيع الغنيمة. "صمود" تحاول إعادة إنتاج هذا النموذج نفسه، ليس لأن قادتها خونة، بل لأنهم أوراكل: يعتقدون أن لا بديل عن الشراكة مع العسكر، وأن أي محاولة لتجاوز هذه الشراكة هي "رومانسية ثورية" أو "انفصال عن الواقع".

ما تريده "صمود" هو استبدال البرهان وحميدتي بوجوه عسكرية أخرى، ليس لأنها تريد إزالة النموذج العسكري ككل، بل لأنها تريد شريكاً عسكرياً أقل وحشية أو أكثر قابلية للتفاوض. في مذكرات التفاوض غير المعلنة، تبحث "صمود" عن ضباط في الجيش أو قادة ميليشيات يمكن التعامل معهم، وتختبر مدى استعدادهم لقبول "حكومة مدنية" تكون واجهتها مدنية وجوهرها عسكري. هذا ليس سراً، بل هو منطق الأوراكل الذي يؤمن بأن التغيير يأتي من فوق، عبر التفاوض بين النخب، لا من أسفل، عبر تنظيم الجماهير. "صمود" لا تثق بقدرة الفقراء على تنظيم أنفسهم، ولذلك تريد أن تفاوض نيابة عنهم، وأن تقرر مصيرهم دون استشارتهم، وأن توقع وثائق لا يراها أحد ولا تنفذ على الأرض.

وظائف "صمود" كأوراكل تطابق تماماً الوظائف الأربع التي حللناها في مقالات سابقة. الوظيفة الأولى: تشريع تراتبية جديدة. "صمود" تقدم نفسها كـ"القوى المدنية" الوحيدة المخولة بالتفاوض، وتهمش لجان المقاومة والنقابات والمبادرات الشعبية المستقلة. هي تحتكر التمثيل باسم "الخبرة السياسية" و"العلاقات الدولية" و"الوساطة الإقليمية"، وتجعل من نفسها وسيطاً لا غنى عنه بين الجماهير والعسكر. الفقير في مخيم النزوح لا يمثل نفسه، بل تمثله "صمود" في نيروبي أو أديس أبابا أو القاهرة. هذا هو التشي الجديد: ليس القبيلة أو الدين، بل الانتماء إلى نادي المفاوضين.

الوظيفة الثانية: تفريغ الطاقة الاحتجاجية. كلما خرجت لجان المقاومة إلى الشارع تطالب بخبز أو دواء أو محاكمة المجرمين، أصدرت "صمود" بياناً يقول "نحن نتفاوض من أجلكم، فانتظروا". الطاقة الثورية التي كان يمكن أن تطيح بالنخبة المسلحة تُصرف في متابعة أخبار المفاوضات التي لا تنتهي، وفي الإحباط من انقسامات "صمود" الداخلية. بيان يصدر اليوم، وتصحيح يصدر غداً، وبيان مشترك يصدر بعد غد. والجماهير تنتظر. هذا هو الأوراكل بعينه: طقوس لا تنتهي، تمنع الناس من تنظيم أنفسهم لأنها تعدهم بأن "الحل قادم".

الوظيفة الثالثة: إدارة العنف بلغة مقدسة. "صمود" تقدس "الحل السياسي" و"الحوار" و"الانتقال الديمقراطي" كما قدس الأوراكل القتل باسم الآلهة. أي نقد لهذه العملية يُقابل باتهام "أنك تريد استمرار الحرب" أو "أنك ضد السلام". العنف الحقيقي - قصف الأسواق، حرق المستشفيات، تجويع الملايين - يصبح ثانوياً أمام "جريرة تعطيل المفاوضات". "صمود" لا توقف العنف، لكنها تشرعن استمراره باسم السعي لوقفه. الأوراكل الذي يحمي نفسه باسم السلام، هو أخطر الأوراكل.

الوظيفة الرابعة: شل الاستجابة الجماعية. "صمود" تطلب من لجان المقاومة ألا تتخذ أي قرار دون التنسيق معها. لجنة في نيالا تريد فتح ممر إنساني، فتنتظر موافقة "صمود" في نيروبي. حركة شبابية في كسلا تريد تنظيم ورشة عمل عن الوعي الطبقي، فتنتظر توجيهات "القوى المدنية". هذا الشلل هو ما يضمن بقاء "صمود" في موقع الوساطة، لأنها إن نجحت اللجان بتنظيم نفسها بنفسها، أصبحت "صمود" غير ضرورية. الأوراكل لا يريد أن تصبح الجماهير غير محتاجة إليه.

ما يجعل "صمود" أوراكل شراكة لا بديلاً، هو أنها لا تستهدف إزاحة العسكر، بل استبدالهم بوجوه جديدة. في تصورها، المشكلة ليست في النظام العسكري ككل، بل في الأفراد الذين يديرونه حالياً. لو جاء ضباط آخرون، أو قادة ميليشيات آخرون، يمكن إعادة إنتاج نموذج 2019-2021. هذا التصور يعترف ضمنياً بأن العسكر لا يمكن إزاحته، وأن الحل الوحيد هو "إصلاحه" و"دمج ميليشياته" و"ترتيب تقاسم السلطة معه". هذا ليس تحرراً، بل هو إدارة للهزيمة. الأوراكل لا يعد بالنصر، بل يعد بإدارة الهزيمة بأقل الخسائر.

المفارقة أن "صمود" تتصور نفسها كبديل عن أوراكل العسكر، لكنها في الحقيقة شريكته. العسكر يحتاج إلى "صمود" لتوفير غطاء مدني لنهب الذهب وتجويع الناس، ولصرف أنظار الرأي العام الدولي عن جرائمه. و"صمود" تحتاج إلى العسكر لتبرير وجودها كوسيط. العلاقة بينهما تكاملية، وعدائية في آن: يتنافسان على من يأخذ حصة أكبر من الكعكة، لكنهما متفقان على عدم كسر الكعكة نفسها. الأوراكل لا يكسر الأوراكل، بل يستبدله بأوراكل جديد يتنافس مع القديم على شرعية الاستغلال.

السؤال الذي لا تطرحه "صمود" على نفسها: من أعطاكم الحق في التفاوض باسم الشعب السوداني؟ لم تنتخبها لجان المقاومة، ولم تفوضها النقابات، ولم تخترها الجماهير في أي استفتاء. هي أوراكل قفز إلى موقع القيادة، ووجد جمهوراً معتاداً على وجود وسيط، أي وسيط، فصدقه. "صمود" هي التجسيد الحي للقفزة التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة: أي شخص يجرؤ على التقدم إلى الأمام ويقول "أنا أتكلم" يجد جمهوراً يتبعه، لأن الجماهير لم تتعلم بعد أن تسأل: من أنت لتمثلني؟

تحطيم هذا الأوراكل لا يتم بالبيانات الناقدة ولا بالمقالات التحليلية. يتم بتنظيم الجماهير من الأسفل، وبناء بدائل عملية لا تحتاج إلى وسيط. حين توزع لجان المقاومة الخبز دون انتظار إذن "صمود"، وتدير النساء المخيمات دون الرجوع إلى "القوى المدنية"، ويفتح الشباب الممرات الإنسانية دون تفويض من أي تحالف، عندها فقط تبدأ "صمود" في فقدان وظيفتها كوسيط. ليس لأنها ستختفي، بل لأنها ستصبح غير ضرورية. الأوراكل يموت حين يكتشف الناس أنهم يستطيعون العيش بدونه.

الخيانة ليست في نوايا قادة "صمود". كثير منهم مخلصون ويعتقدون أنهم يفعلون الصواب. الخيانة في البنية: أي مشروع سياسي يقوم على التفاوض مع العسكر بدل تنظيم الجماهير، ويطلب من الناس الانتظار بدل العمل، ويدعي التمثيل دون تفويض، هو مشروع يعيد إنتاج الهيمنة العسكرية بوجه إنساني. "صمود" هي أوراكل الشراكة، وهي أخطر من أوراكل القبيلة والتكفير، لأنها تتحدث باسم الثوار وتسرق أحلامهم وتبيعها في فنادق عواصم المؤتمرات.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط
- 10. الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: عجز الفاعل عن امتلاك الزمن
- 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)
- 8. أزمة التنظيم: لماذا لا يعوّض الشارع الحزب؟
- 7. -إسقاط النظام-: طاقة الشعار وعجزه
- 6. الزمن الثوري: لحظة تُفتح وتُغلق
- 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي


المزيد.....




- -برج الشياطين- في أمريكا..جبل غامض يتحول لوجهة سياحية عبر -ك ...
- جينيفر لوبيز تخطف الأنظار بفستان عمره 22 عامًا في لوس أنجلوس ...
- ضحايا بانفجار خزان مواد كيميائية في مصنع للورق والتغليف بولا ...
- من هرمز إلى لبنان.. المنطقة تهتز مجدداً ومخاوف من سقوط التفا ...
- خلاف بين البنتاغون و-سبيس إكس- على رفع أسعار ستارلينك
- تصعيد إسرائيلي في لبنان ومقتل قائد الجناح العسكري لحماس
- إزالة غابات الأمازون تتراجع إلى أدنى مستوى منذ 2019
- بأكثر من لغة.. العيدية -رسالة حب- تكتب بالعملات المحلية
- توسعة ضخمة بقاعدة أنغلز الروسية رغم الهجمات الأوكرانية المتك ...
- لمرضى القلب والسكري.. كيف تتجنب -الوجبة الخطرة- في عيد الأضح ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه مدني