أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاستغلال والمقاومة














المزيد.....

المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاستغلال والمقاومة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 06:52
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


تنبيه منهجي: التحليل المادي يصف، لا يبرر. هذا النص يُقدم فهماً لآليات الاستغلال الرأسمالي التي تجعل سلوكيات مثل الزواج المبكر أو الجنس مقابل البقاء "استراتيجيات عقلانية" في سياق خيارات معدومة. وصف هذه الآليات لا يعني تبريرها أخلاقياً أو الدعوة إليها. المقاومة تبدأ بفهم كيف يعمل النظام، وليس بإدانة ضحاياه.

1. كيف تُنتج الرأسمالية اللاجئات؟

السؤال الخطأ هو "لماذا هربت النساء؟" لأن هذا السؤال يُحمّل الضحية مسؤولية فعلها، ويجعل من الهروب قراراً فردياً نابعاً من إرادة حرة مزعومة. السؤال المادي الصحيح هو: ما النظام الذي حوّل الهجرة من خيار إلى ضرورة بيولوجية للبقاء؟ وحين نعيد صياغة السؤال بهذا الشكل، نكون قد انتقلنا من أخلاقيات الشفقة إلى تشريح البنى، ومن استجداء المساعدات إلى تحديد العدو الطبقي الحقيقي.

الحرب في السودان ليست انفجاراً عفوياً لعداوات قبلية أو صراع شخصيات بين جنرالين. الحرب تقنية عنيفة لإعادة توزيع الثروة، وأداة من أدوات تراكم رأس المال حين تعجز الآليات السلمية – كالضرائب والقوانين والأسواق – عن تحقيق ذلك. ففي دارفور وحدها، تحت الرمال، احتياطيات نفطية وذهبية تتنافس عليها شركات عابرة للحدود تموّل الميليشيات بيد وتمد يدها للمجتمع الدولي باليد الأخرى. تفريغ الأرض من أهلها ليس أثراً جانبياً للحرب، بل هو هدفها الإنتاجي المباشر: أرض خالية من البشر هي أرض جاهزة للاستثمار، وسكان مُهجَّرون هم جيش احتياطي جاهز للاستغلال.

التهجير يُعيد تشكيل سوق العمل على مستويين متزامنين. محلياً، يُحوّل الفلاحات المستقلات إلى عمالة أجراء في أحياء الخرطوم العشوائية، يبعن قوة عملهن بلا أرض ولا سكن ولا شبكات دعم. عالمياً، يُضخّ هؤلاء المُهجَّرون في سوق العمل الإقليمي والدولي كعمالة رخيصة لا ورقة ضغط في يدها: من لا وثيقة إقامة له لا يستطيع الإضراب، ولا يستطيع الشكوى، ولا يستطيع المغادرة بسهولة. هذا بالضبط ما تحتاجه الرأسمالية من عامل: مرن، خائف، قابل للتبديل.

النساء هن الأكثر تضرراً لأن موقعهن في الاقتصاد السوداني كان الأكثر هشاشة أصلاً. قبل الحرب، اشتغلت غالبية النساء في الاقتصاد غير الرسمي: تجارة الشاي والطعام في الشوارع، الزراعة الأسرية على أرض مستأجرة أو مشاع، الحرف اليدوية التي لا تخضع لأي معايير، شبكات التبادل المجتمعي التي تعتمد على الثقة لا العقود. هذا الاقتصاد لا يُسجَّل في الإحصاءات الرسمية للبنك الدولي، لكنه كان العمود الفقري للبقاء اليومي لملايين الأسر. حين تندلع الحرب، يكون هذا الاقتصاد غير الرسمي أول ما يُدمَّر، لأنه لا يملك أي حماية مؤسسية ولا أي غطاء قانوني، ووجوده أصلاً كان إشارة إلى فشل الدولة الرأسمالية في توفير العيش الكريم.

الخطاب الإنساني – كما تروّجه الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الكبرى – يُقدّم اللاجئة كضحية محايدة، عاجزة، تنتظر المساعدة الدولية. هذا الخطاب ليس بريئاً، بل هو أيديولوجيا بامتياز تؤدي وظيفة دقيقة: إخفاء البنى التي أنتجت اللجوء، وتحويل الكارثة البنيوية إلى "أزمة إنسانية" تستوجب استجابة تقنية لا تغييراً سياسياً. المنظمات الإنسانية الكبرى تعمل داخل النظام الذي أنتج الأزمة، ومموّلوها هم في الغالب الدول نفسها التي تبيع السلاح لأطراف الحرب وتُغلق حدودها أمام الفارّين. الإغاثة تُدير الأزمة، لا تحلّها؛ تُبقِ اللاجئة على قيد الحياة كي تواصل استغلالها، لا كي تحرّرها.

من اللاجئة إلى قوة عمل فائضة، هذه ليست استعارة بل سلسلة مادية كاملة: حرب تُفرغ الأرض، تهجير يُنتج العمالة، مخيم يُدير الفائض البشري بتكلفة منخفضة، هجرة تُوصل هذه العمالة إلى أسواق العمل الإقليمية والعالمية، وتشغيل في قطاعات لا يطالب فيها أحد بحقوقه. المرأة السودانية ليست استثناءً في هذه السلسلة، بل هي حلقتها الأكثر إنتاجاً والأقل تكلفة. فهي تجمع ضدها كل عوامل الهشاشة: لونها، جنسها، وضعها القانوني، تاريخ بلدها، وحتى دينها في سياقات الإسلاموفوبيا الأوروبية.

قالت روزا لوكسمبورغ: "الرأسمالية هي أول نظام اقتصادي يحتاج إلى بيئة من التكوينات الاجتماعية غير الرأسمالية كشرط لوجوده." اللاجئات السودانيات اليوم هن جزء من هذه البيئة. هن "الخارج" الذي يسمح للرأسمالية بإعادة إنتاج داخلها. القضاء على هذه البيئة لا يتم بتوزيع الخيم والطعام، بل بتدمير النظام الذي يحتاج إلى حروب لتجديد احتياطيه البشري.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط
- 10. الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: عجز الفاعل عن امتلاك الزمن


المزيد.....




- الكويت: الحكم بسجن الإعلامية زينب دشتي 3 سنوات
- تونس: استنكار واسع لمحاولة اغتصاب مهاجرة أفريقية حامل أما زو ...
- “بعد 22 عامًا على إيقاف تنفيذها”.. إلغاء عقوبة الإعدام في لب ...
- لماذا تعتذر النساء كثيرا..ولماذا لا يفعل بعض الرجال ذلك؟
- قرار حكومي بمنع الرقص الشرقي في سوريا
- “اعتقال وسجن وغرامات مالية”.. تقرير يرصد الانتهاكات بحق الصح ...
- مصر: السجن 7 سنوات لرجل قتل زوجته.. واستمرار غياب العدالة في ...
- استشهاد امرأة وإصابة 16 آخرين في قصف إسرائيلي استهدف خيام ال ...
- لماذا تتراجع المشاعر والحميمية بعد سنوات من الزواج؟
- اختفت بلمح البصر.. شاهد امرأة تسقط في بالوعة صرف صحي بالبراز ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاستغلال والمقاومة