أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟















المزيد.....

9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 02:50
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


تقف الأم اللاجئة في مخيم أو شقة مكتظة أمام موقدٍ بدائي، تطبخ لأطفالها ما تبقى من حصّة الطحين التي وزّعتها المنظمة قبل أسبوعين. في الصباح، كانت قد أنهت ثماني ساعات من العمل المنزلي في منزل عائلة، وغداً ستعود لتؤدي ذات العمل، وبعد غد كذلك. بين هذين العالمين – عملها المأجور والعمل الذي لا يُدفع له – تنسج المرأة خيط البقاء اليومي لعائلتها. طبخ، تنظيف، رعاية أطفال، متابعة شؤون المدرسة، تدبير الإيجار، مرافقة المريض إلى العيادة، ومئات التفاصيل الصغيرة التي لا تُحصى والتي تجعل الحياة ممكنة. الرأسمالية تسمّي كل هذا "عمالة منزلية" أو "رعاية أسرية"، وتُخرجه من حساباتها، وكأنه لا يستحق ثمنه.

هذا العمل الذي يبدو طبيعياً وبديهياً، والذي تنهض به النساء دون أن يُسألن عن أجره، هو في حقيقة الأمر العمود الفقري للنظام الاقتصادي كله. فبدون من يطهو الطعام، ويغسل الثياب، ويربي الأطفال، ويداوي المرضى، ويهتم بالمسنين، كيف يمكن لقوة العمل أن تُنتج وتُعيد إنتاج نفسها كل يوم؟ الرأسمالية تتفادى دفع كلفة هذا العمل بتسليمه إلى النساء مجاناً، وكأن أجسادهن ووقتهن وجهدن غير خاضعة لقوانين السوق. لكن لو احتسبت الرأسمالية هذه الكلفة كاملة، لانهارت أرباحها وفُضح سرّ بقائها.

في السودان قبل الحرب، كانت نساء الأسرة الممتدة والجيران يتقاسمن أعباء الرعاية. الجدة ترعى الأحفاد لتذهب الأم للعمل، والخالة تساهم بمال في علاج مريض، والجارات يتشاركن إعداد طعام العزاء أو الفرح. تلك الشبكات غير المرئية كانت بنية تحتية مجانية تعيد إنتاج الحياة كل يوم، دون أن تحصيها الإحصائيات أو تذكرها التقارير. لكن الحرب قضت على كل شيء، وفرقت الأسر في اتجاهات متعددة، وتركت كل امرأة تواجه وحدها كل هذه الأعباء التي كانت بالأمس موزعة على عشرين كتفاً. الأم التي كانت تعتمد على جارتها لإطعام طفلها حين تتأخر بالعمل، تجد نفسها اليوم وحيدة، تماماً، في مدينة غريبة لا تعرف فيها أحداً، ولا تستطيع أن تطلب العون من أحد.

هذه الوحدة في مواجهة الاحتياجات اليومية تحوّل حياة الأم اللاجئة إلى ماراثون لا ينتهي. تخرج صباحاً في السادسة للعمل المنزلي، تعود عند الثامنة مساءً لتطبخ وتنظف وتُراجع دروس أطفالها، ثم تخلد إلى النوم لتستيقظ باكرة وتعيد الكرة. هي مديرة أسرة، ومربية، وممرضة، ومحاسبة، ومسؤولة علاقات مع مكاتب اللجوء والمدارس والمستشفيات. هذا الدور المتعدد لا يمنحها أجراً إضافياً، ولا إجازة، ولا تأميناً صحياً، ولا تقديراً، بل هو ببساطة ما يفترض أن تقوم به لأنها امرأة، وكأن هذا العمل جزء من طبيعتها لا من جهدها ووقتها.

يضاف إلى هذا الحمل الثقيل إرهاق الأمومة في المنفى، حيث تفتقر إلى كل أشكال الدعم التي كانت توفرها الأسرة الكبيرة. حين تمرض ابنتها، لا تجد من يوصلها إلى المستشفى ومن تعتني ببقية الأطفال في غيابها. حين تحتاج إلى المال لشراء دواء، لا تجد من يقرضها أو يهديها دون سؤال. حين تتأخر عن العودة من العمل، لا تجد جارة تطعم أولادها أو تطمئن عليهم. كل التفاصيل الصغيرة التي كانت تدبر بالمجان وبالتعاون تجد الأم مضطرة لتأمينها بنفسها، وهي منهكة من يوم شاق من العمل خارج البيت.

الأطفال في هذه المعادلة يدفعون ثمناً لا يقل فداحة. حين تغيب الأم للعمل، يتحول الابن الأكبر أو البنت الكبرى إلى أم بديلة. يكبر الطفل بسرعة، ويتحمّل مسؤوليات تفوق عمره، ويضطر للتخلي عن طفولته وتعليمه ووقته الخاص لرعاية إخوته. هذه الظاهرة التي يسميها علم النفس "التنبيت" أو جعل الطفل والداً، تحمل آثاراً عميقة: الحرمان من الطفولة، التأخر الدراسي، الضغط النفسي المزمن، وتشكيل شخصية تعتبر الرعاية مصيراً لا خياراً. الفتاة التي تترعرع بهذه الطريقة ترى نفسها منذ نعومة أظفارها مربية ومعيلة، وما أن تبلغ الخامسة عشرة حتى تدخل في زواج مبكر، وكأنها تعيد إنتاج ذات الدورة مع أطفالها في المخيم الجديد.

أما الصحة الإنجابية للمرأة اللاجئة، فتخضع لمنطق السوق الإنساني أكثر مما تخضع لحاجاتها الفعلية. المنظمات غير الحكومية تقدم خدمات تنظيم الأسرة وفقاً لأولويات المانحين، فبعضها يربط تقديم المساعدات الصحية بقبول برامج محددة للحد من الإنجاب، وكأن حق المرأة في جسدها يباع ويشترى بحسب تمويل الجهة المانحة. الولادة في المخيم أو في سكن غير لائق تشكل خطراً صحياً حقيقياً، وتزداد وفيات الأمهات بين اللاجئات بشكل ملحوظ، لكن هذه الأرقام لا تثير ضجة، لأن حياة اللاجئة في ميزان الرأسمالية لا تزيد عن كونها عاملة أو جسداً يستغل.

في السودان قبل الحرب، لم تكن الدولة مثالية، لكنها كانت تقدم بعض الخدمات الصحية والتعليمية وإن كانت متواضعة. أما في المنفى، فتتولى المنظمات الإنسانية التي تعمل تحت رقابة صارمة من المانحين، فلا يفتح مشروع جديد إلا إذا كان متوافقاً مع خطة تمويلية محددة، ولا يُستمر في مشروع قائم إلا إذا جدد التمويل. المرأة التي تعاني من مرض مزمن تجد نفسها تتنقل بين عيادات متطوعة تفتح وتغلق، والأم التي تحتاج حليباً صناعياً لطفلها قد تفاجأ بأن التوزيع توقف لأن الميزانية انتهت. الجسد الأنثوي في هذه المنظومة يُترك وحيداً يواجه الفراغ المؤسسي.

تجاهل المنظمات الإنسانية لعمل إعادة الإنتاج الاجتماعي ليس مجرد نسيان، بل هو اختيار ضمن أولوياتها. فهي تتحدث عن المساعدات الإنسانية بالمعنى الضيق: طعام، دواء، خيمة، ثم تهمل العمل اليومي الذي يحول هذه المواد إلى حياة فعلية. الطبخ، التنظيف، الرعاية، التربية، كل ذلك يترك للنساء، وكأنه لا يستحق الدعم أو التقدير. هذا التجاهل يوفر على المنظمات مبالغ طائلة، إذ لو كان عليها أن تدفع أجراً لمن يؤمن هذه الخدمات، لانهارت ميزانياتها وفُضح حجم استغلالها.

تقول سيلما جيمس في تحليلها للعمل المنزلي: "العمل المنزلي هو إنتاج قوة العمل نفسها، وحين تُخفيه الرأسمالية فإنها تُخفي نصف ركائز نظامها." كلامها ينطبق تماماً على واقع اللاجئة السودانية التي تؤدي بجهدها اليومي ما يبقي أطفالها على قيد الحياة ويعيد إنتاج القوى العاملة القادمة التي ستدخل أسواق العمل الهشة. إعادة الإنتاج الاجتماعي ليست ترفاً يمكن تأجيله، بل هي جوهر الصراع الطبقي والجندري في آن واحد. تحرر المرأة اللاجئة الحقيقي يبدأ بإعادة الاعتبار لهذا العمل، بتقدير قيمته، وبالمطالبة بتقاسم أعبائه بين الجميع، لا أن يظل محملاً على كاهل النساء دون أجر ولا اعتراف ولا حقوق.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...


المزيد.....




- كشف صادم عن إبستين: تاريخ جيفري في استغلال النساء بدأ منذ عق ...
- تمويل حكومي جديد للعاملين في الجنس يثير عاصفة سياسية في نيوي ...
- مأساةُ أبٍّ .. هل ينصف قانون الأسرة الجديد الآباء في مصر؟
- كيف تحولت امرأة ادعت المرض إلى واحدة من أكثر المطلوبين لدى ا ...
- تمسك بالحب أم بالرجولة.. لماذا يقتل الرجل امرأة رفضته؟
- وسائل إعلام فلسطينية عن مصادر في مستشفيات غزة: 5 شهداء بينهم ...
- الميراث وحقوق المرأة.. لماذا يتعثر الإصلاح في العالم العربي؟ ...
- مصادر في مستشفيات غزة: 5 شهداء بينهم طفلتان وامرأة بنيران ال ...
- اغتصاب ووحشية.. وثائقي للجزيرة يوثق أوضاع المعتقلين والأسرى ...
- أشرف حكيمي يواجه محاكمة بتهمة الاغتصاب


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟