أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود














المزيد.....

4. صناعة التهريب وسياسة الحدود


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 07:10
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


الرحلة نفسها ليست فوضى يائسة لبشر يهربون من الموت، بل هي صناعة منظّمة بمصالح واضحة وأطراف تستفيد وشبكات متكاملة تعمل بكفاءة السوق. أن تفهم التهريب كجريمة فردية يرتكبها مجرمون هامشيون هو أن تُخطئ تماماً في تشخيص البنية، لأن التهريب يعيش ويزدهر بفضل سياسات الحدود التي تُغلق الطرق القانونية وتُبقي الطرق غير القانونية مفتوحة بثمن. المرأة السودانية في الطريق لا تواجه خطر السماسرة فقط، بل تواجه نظاماً عالمياً لإدارة الهجرة مصمماً خصيصاً لاستنزافها جسدياً ومالياً قبل أن تصل إلى أي أمان مزعوم.

الحدود السودانية الحالية لم ترسمها طبيعة الجغرافيا أو إرادة السكان. رسمها المستعمر البريطاني والفرنسي بخطوط مستقيمة على خرائط مكتبية، تقطع الجماعات العرقية والأسرية وأنظمة الرعي والزراعة التي كانت تعمل لقرون. هذه الحدود لم تصمم لتخدم البشر على جانبيها، بل لخدمة المصالح الاستعمارية في تقسيم النفوذ وتسهيل استخراج الموارد. اليوم، هذه الحدود نفسها تُدار بموجب اتفاقيات أمنية مع الاتحاد الأوروبي الذي يموّل مراقبتها وإحكامها، لا لحماية السكان المحليين من خطر ما، بل لمنع وصول المهاجرين من أفريقيا إلى الشمال الغني. الحدود إذن هي سور رأسمالي عالمي، يفصل بين مستودع العمالة الرخيصة وسوق العمل مرتفع الأجر.

شبكات التهريب لا يديرها مجرمون هامشيون يعملون في الظل. تشمل ضباطاً في الأجهزة الأمنية يتقاضون رشاوى منتظمة مقابل التغاضي عن عبور مجموعات معينة، وزعامات قبلية حدودية تتحكم في ممرات العبور التقليدية التي كانت تستخدم للرعي والتجارة قبل أن تصبح مهربة للبشر، وشبكات إقليمية تمتد من الخرطوم إلى القاهرة إلى طرابلس، مرتبطة بأسواق السلاح والمخدرات. هذه الشبكة متكاملة ومربحة، وهي تستفيد بالضبط من الإغلاق الرسمي للحدود، لأن الإغلاق يرفع السعر ويحقق الاحتكار. إضعاف هذه الشبكات يستلزم فتح الحدود قانونياً وتوفير قنوات آمنة للهجرة، وهو ما لا يريده أحد من الأطراف المستفيدة، لا الدول الغنية التي تريد انتقاء مهاجريها، ولا دول العبور التي تتلقى تمويلاً أوروبياً مقابل إبقاء الحدود مشدودة.

تكلفة الرحلة تُفقر اللاجئة قبل وصولها إلى أي مخيم أو مدينة. الأسرة التي تبيع ما تبقى من أرض أو حلي أو ماشية لتموّل رحلة واحدة تصل إلى مصر أو تشاد مثقلة بديون تُحدّد مسارها الاقتصادي لسنوات. الدائن ليس مصرفاً خيرياً، بل هو غالباً سمسار التهريب نفسه أو وسيط محلي مرتبط به. هذه الديون تُلقي بالمرأة في أول وظيفة متاحة بأي أجر، إذ لا وقت للمفاوضة ولا مساحة للرفض حين يكون الدائن ينتظر وحاجته اليومية للإيجار والطعام لا تحتمل التأجيل. الدَّين كأداة تحكم في قوة العمل ليس استثناءً في تجربة اللجوء، بل هو قاعدتها المنظِّمة، وهو ما يذكّرنا بتحليل روزا لوكسمبورغ لتراكم رأس المال الأولي عبر استعباد الشعوب.

الجسد الأنثوي في الطريق يتحوّل إلى وسيلة دفع بديلة حين ينفد المال وتُغلق كل الخيارات. هذا ليس انتهاكات عشوائية لرجال خارجين عن السيطرة، بل هو منطق موضوعي لعلاقة قوى واضحة: المرأة بلا نقود، والسمسار أو حارس الحدود أو قائد المجموعة يملك القرار في السماح بالعبور أو منعه. العنف الجنسي في مراكز الاحتجاز غير الرسمية وفي غرف السماسرة وفي الطرقات المظلمة على الحدود ليس نتاج شهوة جنسية منفلتة، بل هو استغلال مادي لوضع اقتصادي مُعاش يجعل الامتثال ثمناً للعبور والبقاء. المرأة الحامل التي تصل إلى المخيم حاملةً جنيناً من الطريق تحمل معها شهادة اقتصادية وليس فقط جرحاً شخصياً، فهي تثبت أنها دفعت ما تملك وما لا تملك كي تعبر.

الأطفال في الطريق يُكثّفون أعباء الأمهات اللواتي يُسافرن بلا رفيق ذكر، وهن الأغلبية الساحقة في هذه الرحلة بعد أن قُتل أو اعتُقل أو اختفى الرجال. الأم المسؤولة عن طفلين أو ثلاثة هي الأكثر هشاشة أمام السماسرة، لأنها لا تستطيع المجازفة بالرفض حين يكون أطفالها جائعين أو خائفين أو مرضى. الأطفال غير المصحوبين الذين يفقدون أمهاتهم في الطريق – بسبب الموت أو الاعتقال أو مجرد الانفصال في فوضى العبور – يدخلون مباشرة في شبكات استغلال الأطفال، من التسول إلى العمل الجبري إلى أسوأ أشكال الاتجار. لا أحد يبحث عنهم بنفس الإلحاح الذي تبحث به دول الشمال عن طفل أوروبي مفقود، لأن قيمة حياة الطفل الأفريقي في سوق الرأسمالية العالمية أقل بكثير.

الحدود كمؤسسة ليست محايدة. من يعبر بسهولة ومن لا يعبر يحكمه المال واللون والجنسية والجندر، بنفس التراتبية التي تحكم أسواق العمل العالمية. المعاملة التفضيلية الفاضحة التي تلقّتها اللاجئات الأوكرانيات في أوروبا سنة 2022 مقارنة بالأفريقيات والآسيويات في أي عام ليست خللاً في التطبيق أو مؤشراً على عنصرية أفراد، بل هي تعبير صريح عن التراتبية العنصرية المبنية في صميم القانون الدولي للاجئين وسياسات الهجرة لدول الشمال. أوكرانيا بيضاء ومسيحية وقريبة جغرافياً، لذلك فهي تستحق أبواباً مفتوحة. السودان أسود ومسلم وبعيد، لذلك يستحق أسلاكاً شائكة ومراكز احتجاز وسماسرة تهريب. كما قال غرامشي: "الدولة هي الهيمنة المدرّعة بالإكراه." الحدود هي إكراه المهيمنين مدرّعاً بالقانون الدولي وبموافقة الضمير الإنساني المزيف.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟


المزيد.....




- استغاثة طفل وصراخ امرأة.. كيف تستدرج المسيرات الإسرائيلية مق ...
- ألبانيا: احتجاجات شعبية ضد أطماع عائلة “ترامب” في جزيرة “ساز ...
- بعد إدانته بالقتل.. السجن 20 عامًا لشقيق المحامية زينة المجا ...
- فرنسا: النيابة العامة تطالب بسجن المتهم بارتكاب جرائم اغتصاب ...
- موسكو تحتفي بالنحاتة السوفيتية فيرا موخينا مبدعة -العامل وام ...
- نوع شائع من التوابل يحسن المزاج وجودة النوم لدى النساء
- تحدث عن -امرأة جبارة - في حياته.. كاظم الساهر: لن أتزوج مرة ...
- “بن غفير” يحرض على اعتقال النساء في لبنان كرهائن للضغط السيا ...
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- شهادات مروعة تكشف استخدام الاغتصاب والتعذيب الممنهج ضد المعت ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود