أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب














المزيد.....

2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 07:29
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


ليس صحيحاً أن الحرب هي التي اخترعت اللاجئة السودانية. الحرب فقط كشفت وكثفت ما كانت الدولة قد بدأت في إنتاجه منذ عقود. فالدولة في السودان لم تكن حامياً محايداً انهار فجأة، بل كانت جهازاً طبقيًا بامتياز، أداة في يد تحالفات رأسمالية متعاقبة، وظيفتها الأساسية حماية تراكم رأس المال لطبقة ضيقة، وليس توفير العيش للغالبية. أن نفهم الدولة هكذا هو الشرط المسبق لأي تحليل جاد للجوء، وإلا سنظل نردد السؤال السطحي: "لماذا انهارت الدولة؟" بدلاً من السؤال المادي: "لماذا كانت الدولة أصلاً أداة للانهيار التدريجي للفقراء؟".

نظام الإنقاذ الذي حكم من 1989 إلى 2019 لم يكن انحرافاً عن مشروع وطني، بل كان التعبير الأكثر صراحة عن تحالف بين رأس المال التجاري العابر للحدود، والجهاز العسكري الأمني، وبرجوازية الريع المرتبطة بالذهب والنفط. تحت غطاء "المشروع الحضاري"، تم تفكيك ما تبقى من خدمات الدولة الاجتماعية التي كانت شحيحة أصلاً. المستشفيات تحولت إلى مشاريع خاصة، التعليم المجاني تراجع لصالح المدارس الخاصة والأجنبية لأبناء البرجوازية، والنقابات المستقلة حوصرت وصودرت. هذه السياسات لم تكن "فساداً" أو "سوء إدارة"، بل هي جوهر الدولة الرأسمالية الطبقية: إعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى، وإنتاج فقراء جدد في كل دورة.

النيوليبرالية السودانية لم تأت عبر صندوق النقد الدولي فقط، بل عبر بنادق الأمن. فمنتصف التسعينيات، مع صعود نظام الإنقاذ كحليف إقليمي للإمبريالية الأمريكية في إطار ما سُمي الحرب على الإرهاب ، ثم انفتاحه لاحقاً على رأس المال الصيني والروسي والإماراتي والسعودي، فُرضت برامج التكيف الهيكلي التي أملاها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي أوصت بتقليص الإنفاق الاجتماعي وخصخصة كل شيء قابل للخصخصة. الأسر الفقيرة وجدت نفسها تدفع ثمناً مضاعفاً: الدعم عن السلع الأساسية رُفع، والخدمات المجانية ألغيت، وفي المقابل ارتفعت أسعار الذهب للنخبة المستفيدة من الامتيازات. هذه التناقضات لم تبق مخفية، بل تفجرت في انتفاضات شعبية متكررة، لكن الدولة كانت تمتلك من القمع ما يكفي لإعادة إنتاج شروطها.

التهميش الجهوي كان سياسة دولة وليس مجرد إهمال. دارفور، كردفان، النيل الأزرق، وشرق السودان لم تكن فقيرة بفعل الجغرافيا، بل أفقرتها الدولة عمداً لتحويلها إلى مناطق استخراجية خالصة. الذهب يخرج من جبال النوبة والحديد من وادي حلفا والنفط من هجليج، وعوائد كل هذا تذهب إلى الخرطوم وإلى حسابات النخبة الحاكمة، بينما تبقى المناطق بلا مدارس ولا مستشفيات ولا طرق. المرأة في قرية بجنوب كردفان كانت تلد في ظل شجرة قبل الحرب، ليس لأن الحرب صنعت ذلك، بل لأن الدولة الرأسمالية رأت أن استثماراً واحداً في منجم ذهب يعود عليها بأرباح تفوق عشرات المستشفيات التي لا تدر ربحاً.

الأبوية المؤسسية كانت عموداً فقرياً للدولة بوصفها جهازاً طبقياً. فالقوانين السودانية، خاصة قانون النظام العام في عهد الإنقاذ، أعطت أجهزة الأمن سلطة واسعة في ملاحقة النساء بتهم السلوك غير الأخلاقي لمجرد خلع الحجاب أو التواجد في مكان عام برفقة رجل ليس محرماً. وقانون الأحوال الشخصية منح الولي سلطة إجبار البكر على الزواج، ما جعل جسد المرأة رهناً بقرار ذكوري. هذا المزيج من القوانين الظالمة والشرطة الأبوية والمحاكم غير المنتخبة لم يكن تطبيقاً للشريعة ، بل كان أداة طبقية لإبقاء المرأة في موقع العمل المنزلي غير المدفوع، وطردها من سوق العمل الرسمي حيث يمكن أن تنافس الرجال أو تنظم نقابياً. المرأة المُهدَّدة قانونياً وقمعياً هي امرأة أسهل استغلالاً في الاقتصاد غير الرسمي، وأسرع إلى القبول بأي شروط عندما تنهار حالتها.

ما قبل الحرب لم يكن عصراً ذهبياً انتظر الانهيار. كان عصراً من الانهيار البطيء، المنظّم، الذي يصب في مصالح الطبقة المسيطرة. انهيار الخدمات الصحية يعني أن المرأة تتحمل وحدها تكلفة علاج طفلها المريض، فتبيع أخر ما تملك. انهيار التعليم العام يعني أن الابن الأول يترك المدرسة ليعمل في محل والده أو في الشارع، فيتقطع به الحال لاحقاً. انهيار شبكات الأمان المجتمعية، التي كانت الدولة تعمل بنشاط على تفتيتها بفعل سياسات الإفقار، يعني أن المرأة العزباء تصبح هدفاً سهلاً للاستغلال من الميليشيات التي كانت الدولة تدربها وتموّلها. كل هذا لم يبدأ مع قنابل أبريل 2023، بل بدأ مع قوانين التسعينيات وصفقات التعدين.

لذلك، حين عبرت المرأة السودانية الحدود إلى مصر أو تشاد، لم تكن تحمل فقط جرح الرصاصة الأخيرة، بل كانت تحمل جروحاً متراكمة: سنوات من العمل بلا تأمين صحي، سنوات من تربية أطفال بلا مدارس، سنوات من مشاهدة الحكومة تبيع أرضها لشركة أجنبية تحت واجهة "الاستثمار". الحرب كانت الطلقة التي أجهضت جسداً كان قد فقد أعضاءه الحيوية واحدة تلو الأخرى. الدولة السودانية كجهاز طبقي لم تفاجأ بالحرب، بل هي التي هيّأت الأرضية لها عبر عقود من إنتاج الفقراء القابلين للتهجير.

كما كتب غرامشي في دفاتر السجن: "الدولة هي المجتمع السياسي المدرع بالهيمنة، وهي التي تخلق وتُبقي على نوع معين من الاقتصاد ونوع معين من المجتمع المدني." الدولة السودانية أوجدت اقتصاداً يُنتج اللاجئين بانتظام، ومجتمعاً مدنياً هشاً لا يستطيع مقاومة الاقتلاع. الحرب جاءت لتُنهي مهمة كانت الدولة قد بدأتها منذ زمن.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط


المزيد.....




- الأولى منذ 20 عاما.. كوريا الجنوبية ترشح امرأة لرئاسة الوزرا ...
- مريم ساترابي: المرأة التي أبدعت طريقة جديدة لرواية قصة إيران ...
- هل يستغل التيك توك أجساد النساء؟
- الكويت: الحكم بسجن الإعلامية زينب دشتي 3 سنوات
- تونس: استنكار واسع لمحاولة اغتصاب مهاجرة أفريقية حامل أما زو ...
- “بعد 22 عامًا على إيقاف تنفيذها”.. إلغاء عقوبة الإعدام في لب ...
- لماذا تعتذر النساء كثيرا..ولماذا لا يفعل بعض الرجال ذلك؟
- قرار حكومي بمنع الرقص الشرقي في سوريا
- “اعتقال وسجن وغرامات مالية”.. تقرير يرصد الانتهاكات بحق الصح ...
- مصر: السجن 7 سنوات لرجل قتل زوجته.. واستمرار غياب العدالة في ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب