أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 3. الحرب على النساء قبل اللجوء














المزيد.....

3. الحرب على النساء قبل اللجوء


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 05:58
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


قبل أن تعبر أي امرأة حدوداً، تكون الحرب قد خاضت معركتها الحقيقية في جسدها واقتصادها وشبكاتها الاجتماعية. لحظة إنتاج اللاجئة لا تبدأ عند نقطة العبور، بل تبدأ حين ينهار الاقتصاد المنزلي الذي كانت هي عموده، وحين يُسلب منها حقها في الأرض، وحين يصبح جسدها ساحة لإرهاب منظم. هذه المرحلة غائبة تماماً من الدراسات الإنسانية ومن خطابات المنظمات، لأن الاعتراف بها يعني الاعتراف بأن اللجوء لم يكن قراراً بل إكراهاً مادياً، وأن المرأة لم تترك بيتها طواعية بل طُردت منه بأشكال متعددة سبقت القنابل.

الاقتصاد المنزلي في السودان، قبل أن تنفجر الحرب، كان قائماً على عمل المرأة غير المدفوع والمدعوم بشبكات عائلية موسعة. المرأة التي تعد الطعام وتغسل الملابس وترعى الأطفال وتزرع الخضروات في الفناء الخلفي كانت تنتج قيمة حقيقية، لكنها كانت قيمة غير محسوبة في الناتج المحلي الإجمالي، وغير محمية بأي قانون. الحرب لم تكتفِ بتدمير المصانع والطرق، بل استهدفت هذا الاقتصاد المنزلي بدقة: القصف يجعل جمع الحطب مستحيلاً، والصراع على الآبار يمنع الحصول على الماء، والنزوح الجماعي يفكك الأسرة الممتدة التي كانت تتقاسم أعباء الرعاية. المرأة تجد نفسها فجأة مسؤولة عن كل شيء وفي نفس الوقت لا تملك أي شيء.

فقدان الأرض هو الضربة الأعمق لأن الأرض في السودان ليست مجرد ملكية، بل هي وسيلة الإنتاج الوحيدة لملايين الأسر. المرأة الريفية التي كانت تحصل على حقها في الأرض عبر الأعراف القبلية – مهما كانت هذه الأعراف قاصرة وظالمة – تجد أن الحرب تلغي حتى هذا الحق الهش. الميليشيات التي تسيطر على مناطق دارفور لا تسأل عن وثائق الملكية، بل تسأل عن السلاح. ومن لا سلاح لها تُجبر على الرحيل، وأرضها تصبح إما مرعى لمواشي الميليشيا أو موقعاً لاستخراج الذهب. هذه ليست سرقة فردية، بل هي إعادة توزيع طبقي للأرض لصالح أقوى الفصائل المسلحة التي تمثل مصالح رأسمالية محددة.

الاغتصاب كسلاح حرب ليس فظاعة أخلاقية عابرة، بل هو استراتيجية عسكرية واقتصادية موثقة. وظيفته الأولى تكسير إرادة المجتمعات المقاومة، لأن اغتصاب امرأة في مجتمع أبوي يُعادل اغتصاب كرامة الرجال فيها. وظيفته الثانية إجبار الأسر على الفرار، فالمرأة التي تُغتصب في قريتها لا يمكنها البقاء بسبب الوصم الاجتماعي الذي تُحمّله هي وليس الجلاد. وظيفته الثالثة تدمير النسيج الديموغرافي: الأطفال الناتجون عن الاغتصاب يحملون هوية العدو، ويُحدثون شرخاً في الانتماء المجتمعي لأجيال قادمة. الإفلات من العقاب في هذه الحالات ليس إخفاقاً في تطبيق القانون، بل هو القانون نفسه، لأن من يمارس الاغتصاب هو الطرف الذي يملك السلطة ويصنع القوانين.

تفكك شبكات الرعاية المجتمعية هو ما يُنتج اللاجئة نهائياً. قبل الحرب، كانت المرأة في أي قرية سودانية تعرف أن جارتها ستُرضع طفلها إذا مرضت، وأن عمتها ستقرضها مالاً إذا احتاجت، وأن جمعية النساء المحلية ستجمع تبرعات لحفل زفاف ابنها. هذه الشبكات كانت رأسمالاً اجتماعياً هائلاً، يُنتج قيمة هائلة دون أن يكلف الدولة أو السوق شيئاً. الحرب تقصف هذه الشبكات ليس لأنها تستهدفها عمداً، بل لأنها تفرق الناس في اتجاهات مختلفة، تحول الجيران إلى غرباء، والعمات إلى أرقام في سجلات مفوضية اللاجئين. المرأة التي تفقد هذه الشبكات تفقد نصف اقتصادها ونصف حمايتها ونصف هويتها.

حين تصبح الهجرة ضرورة مادية، لا يكون هناك قرار حقيقي. المرأة التي تبيع أخر حليها لسمسار التهريب لا "تختار" الرحيل، بل يفرض عليها منطق البقاء البيولوجي الخالص: البقاء يعني الموت البطيء جوعاً أو الموت السريع قصفاً، والرحيل يعني احتمال الحياة. هذه المعادلة ليست معادلة فردية، بل هي نتاج قوانين موضوعية للرأسمالية في زمن الحرب. كما أن الرأسمالية تحتاج إلى جيش احتياط من العاطلين في أوقات السلم، فهي تحتاج إلى جيش احتياط من اللاجئين في أوقات الحرب. المرأة السودانية تُساق إلى هذا الجيش بنفس الضرورة التي يُساق بها العامل إلى المصنع: لا خيار، فقط اضطرار.

هذه المرحلة – ما قبل العبور – هي الأكثر إنتاجاً للاجئة، لكنها الأقل توثيقاً في تقارير المنظمات الدولية. لماذا؟ لأن توثيقها يعني توجيه الاتهام: للدولة التي تركت اقتصاد المرأة المنزلي بلا حماية، وللمجتمع الأبوي الذي جعل جسد المرأة ساحة مكشوفة، وللقوى الإمبريالية التي تمول الميليشيات التي تغتصب. التوثيق الحقيقي يزعزع شرعية "العمل الإنساني" القائم على تقديم المساعدات دون مساءلة الجلاد. كما قالت سيلفيا فيديريتشي: "جسد المرأة كان دائماً أرخص وسيلة لإعادة إنتاج قوة العمل، والحرب تكشف هذا السعر الحقيقي."

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟


المزيد.....




- هذا الغضب كله كان حبا يومًا ما.. حكاية النساء اللواتي أبقين ...
- شهادات عن جرائم جنسية بحق ناشطات من -أسطول الصمود- على يد جن ...
- إصابة امرأة إثر سقوط قذائف صاروخية شمالي إسرائيل والجبهة الد ...
- هان سيونج-سوك مرشحة لرئاسة وزراء كوريا الجنوبية كأول امرأة م ...
- مركز حقوقي يطالب بتحقيق في اغتصاب صحفية ألمانية بسجن إسرائيل ...
- تسهيلات بن غفير في تراخيص السلاح تعود للواجهة: تقرير عبري يك ...
- الأولى منذ 20 عاما.. كوريا الجنوبية ترشح امرأة لرئاسة الوزرا ...
- مريم ساترابي: المرأة التي أبدعت طريقة جديدة لرواية قصة إيران ...
- هل يستغل التيك توك أجساد النساء؟
- الكويت: الحكم بسجن الإعلامية زينب دشتي 3 سنوات


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 3. الحرب على النساء قبل اللجوء