أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال














المزيد.....

7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 04:53
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


الصدمة النفسية في سياق اللجوء سلعة، وأداة ضبط، وحقل استثمار للصناعات الدوائية والمنظمات الإنسانية على حد سواء. تحويل معاناة المرأة السودانية إلى "اضطراب ما بعد الصدمة" يمكن تشخيصه وتصنيفه وعلاجه ببروتوكولات موحدة ليس تقدماً طبياً محايداً، بل هو استيلاء رأسمالي على الألم، وإعادة صياغته كلغة تقنية تخلع منه أبعاده السياسية وتُخرج من دائرة المسؤولية من أنتجه أصلاً. الصدمة الحقيقية ليست في رأس اللاجئة، بل في بنية العالم الذي قصف بيتها واغتصب جسدها ودفعها إلى المخيم.

الخطاب الإنساني المعاصر يجعل من الصحة النفسية أولوية كبرى في الاستجابة للاجئين، وهذا يبدو للوهلة الأولى تقدماً في الوعي بحقوق الإنسان. لكن الماركسية ترى ما وراء الظاهر: تحويل المشكلات البنيوية إلى مشكلات فردية نفسية هو آلية كلاسيكية للإبقاء على النظام كما هو. المرأة التي فقدت أرضها وزوجها وأطفالها ووطنها لا تحتاج أولاً إلى جلسة "تفريغ انفعالي" مع أخصائية نفسية تتقاضى أجراً من منظمة دولية، بل تحتاج إلى استعادة أرضها، ومحاكمة من اغتصبوا ابنتها، وإسقاط النظام الذي صنع حربها. تقديم "الدعم النفسي" بديلاً عن العدالة والثروة والعودة هو خداع مؤسسي: يُشعر المانحين أنهم يفعلون شيئاً، ويُشعر اللاجئات أنهن يتلقين مساعدة، لكن البنية تبقى سليمة.

منظمات الصحة النفسية الدولية، وشركات الأدوية العملاقة التي تنتج مضادات الاكتئاب والقلق، والجامعات التي تمول أبحاث "صدمة اللاجئين" تشكل معاً صناعة ضخمة تستفيد اقتصادياً وسياسياً من استمرار إنتاج اللاجئين وليس من حل أسباب لجوئهم. فكلما طالت الحرب، زادت حاجة اللاجئات إلى "العلاج"، وزاد تمويل المنظمات، وزادت مبيعات الأدوية، وزادت أبحاث "ما بعد الصدمة" التي تُنشر في مجلات مرموقة وتُدرّ أرباحاً للجامعات. هذه الصناعة لا تختلف في منطقها عن صناعة السلاح التي تبيع للميليشيات من جهة وللدول من جهة أخرى. طرف يبيع الرصاص، وطرف يبيع المهدئات، والنظام كله يبيع استمرار الألم.

"اضطراب ما بعد الصدمة" كمفهوم سريري وُلد في سياق أميركي لوصف صدمات قدامى المحاربين في فيتنام، ثم تم تصديره إلى بقية العالم كقالب جامد لقراءة المعاناة الإنسانية. هذا القالب لا يناسب بالضرورة تجارب النساء السودانيات اللواتي يعشن صدمات مركبة ومتتالية: حرب، اغتصاب، تهجير، مخيم، عمل قسري، عنصرية، فقدان متواصل. تحويل هذا التراكم التاريخي إلى "تشخيص" فردي يُختزل في استبيان من عشرين سؤالاً هو عنف معرفي إضافي، يُجبر المرأة على رواية ألمها بلغة لا تعكس تعقيده، ويُخرج من المعادلة كل من هو مسؤول عن هذا الألم.

في غياب أي تغيير في الظروف المادية، تتحول الصحة النفسية إلى أداة لإلقاء اللوم على الضحية. المرأة التي تعاني من الكوابيس والأرق والبكاء المتكرر توصف بأنها "غير متكيفة" أو "مقاومة للعلاج"، بدلاً من وصف ظروفها بأنها لا تطاق. المرأة التي يرفض جسدها الاستجابة للعلاج الدوائي توصف بأنها "حالة صعبة"، بدلاً من الاعتراف بأن صدمتها ليست مرضاً عابراً بل استجابة طبيعية لظروف غير طبيعية. هذا التحويل يجعل المرأة مسؤولة عن شفائها، بينما يظل النظام الذي جرحها بمنأى عن أي مساءلة.

الدعم النفسي في المخيمات غالباً ما يُقدَّم في إطار "بناء المرونة" و"التكيف الإيجابي"، أي تعليم المرأة كيف تتحمل وتستمر ولا تغضب ولا تنهار، وكيف تتقبل واقعها الجديد كحتمية لا مفر منها. هذا النوع من الدعم هو تدريب على الخضوع، وتربية على الصبر تحت القصف، ومشروع لإنتاج لاجئات هادئات لا يهددن الاستقرار الاجتماعي في دول المضيف ولا يثرن المشاكل السياسية. فالمرأة "المتعافية نفسياً" هي التي لا تنظم احتجاجاً على سوء أوضاع المخيم، ولا تشتكي لوسائل الإعلام، ولا تطالب بحقوقها، بل تكتفي بالجلسات وتمارين التنفس.

قابلية المرأة السودانية للاستغلال في هذا الحقل تتضاعف لأن "الصدمة" عندها تُقرأ من خلال عدسات عنصرية متعددة: جسدها الأسود يُفترض أنه أكثر تحملاً للألم (لذا تبرير عدم توفير مسكنات كافية)، وعقلها "البدائي" يُفترض أنه أقل تعقيداً (لذا علاجها يحتاج بروتوكولات مبسطة)، وحزنها يُفسر غالباً على أنه "كآبة استوائية" وليس رداً على ظلم منظم. هذه التراتبية العنصرية في تقديم الخدمات النفسية موثقة في كل المخيمات التي تستقبل أفارقة، وهي تُعيد إنتاج الاستعمار المعرفي: الغربي يعرف ما هو الصواب النفسي، والأفريقي يحتاج إلى تعلمه.

المقاومة تبدأ هنا بالقول: إن معاناتكم ليست مرضا فردياً، بل هي جرح سياسي جماعي. الحل ليس في حبوب السيتالوبرام وجلسات التنفس العميق، بل في تغيير الظروف التي تنتج الصدمة يومياً. المسار الصحيح للصحة النفسية للاجئة السودانية ليس عبر عيادات المنظمات، بل عبر إنهاء الحرب، واستعادة الأرض، ومحاكمة المجرمين، وتوزيع الثروة، وإلغاء سياسات الحدود العنصرية. أي "علاج" يتجاهل هذه الحقيقة هو إدارة للأزمة لا حلها، وهو في النهاية ترياق يمنع الانفجار الثوري.

كما قال فرانز فانون، الطبيب النفسي الثوري الذي عالج ضحايا التعذيب في حرب الجزائر: "التحرر الوطني هو وحده الذي يمكنه إعادة الكرامة النفسية للمستعمَرين." كل جلسة علاج نفسي في مخيم لا تنتهي بدعوة إلى النضال السياسي هي جلسة تهدئة ممنهجة. فانون لم يعط مرضاه المهدئات فقط، بل ساعدهم على فهم أن مرضهم اسمه الاستعمار، وأن العلاج الوحيد هو إسقاطه. النساء السودانيات في مخيمات تشاد وأحياء القاهرة بحاجة إلى نفس الفهم: ألمكن ليس مرضاً شخصياً، بل هو اسم آخر للرأسمالية والإمبريالية والأبوية المتوحشة. والنضال ضدهن هو الدواء الوحيد.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...


المزيد.....




- وسائل إعلام فلسطينية عن مصادر في مستشفيات غزة: 5 شهداء بينهم ...
- الميراث وحقوق المرأة.. لماذا يتعثر الإصلاح في العالم العربي؟ ...
- مصادر في مستشفيات غزة: 5 شهداء بينهم طفلتان وامرأة بنيران ال ...
- اغتصاب ووحشية.. وثائقي للجزيرة يوثق أوضاع المعتقلين والأسرى ...
- أشرف حكيمي يواجه محاكمة بتهمة الاغتصاب
- محكمة الاستئناف الفرنسية تؤكد إحالة اللاعب أشرف حكيمي إلى ال ...
- تونس: من يحمي الناشطات المدافعات عن الحريات؟
- 921 حالة خلال شهر.. الإجهاض وتشوه الأجنة وجه آخر لحرب الإباد ...
- القضاء الفرنسي يؤكد إحالة أشرف حكيمي إلى المحاكمة بتهمة الاغ ...
- إيران: باراستو أحمدي.. 74 جلدة لأنها غنّت بلا حجاب!


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال