عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 02:48
المحور:
ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
في كل صباح، في القاهرة والرياض وإسطنبول وبرلين، تستيقظ امرأة سودانية في غرفة صغيرة لا تملكها، لتبدأ يومها في منزل لا يعود لها. هي تطبخ طعاماً لا تأكل منه إلا ما تبقى، وتنظف بيتاً لا يسعها إلا زاوية صغيرة، وترعى أطفالاً ليسوا أطفالها، بينما تترك هي أطفالها مع أمها أو جارتها في مخيم تشادي أو حي فقير في أم درمان. هذا المشهد ليس مجموعة قصص فردية مؤثرة، بل هو حلقة في سلسلة رعاية عالمية تعيد إنتاج نظام التفاوت الطبقي والعرقي والجندري الذي تقوم عليه الرأسمالية المعاصرة. سلاسل الرعاية هذه، كما طور مفهومها النقدي في الأدبيات النسوية الماركسية، هي انتقال العمل الإنجابي والرعائي عبر الحدود وفق تراتبية عالمية للطبقة والعرق والجندر، حيث تنتقل أعباء إعادة الإنتاج الاجتماعي من مراكز الثراء إلى أطراف الفقر، وتتحمل النساء الأكثر هشاشة كلفة هذا الانتقال. المرأة السودانية ليست هنا ضحية صدفة، بل هي عنصر هيكلي في آلة الرأسمالية العالمية.
يمكن تسمية ما يجري هنا "نزيف إعادة الإنتاج الاجتماعي". فكل امرأة تغادر السودان للعمل في خدمة أسرة في الخارج تحمل معها قدرتها على الرعاية، وتترك وراءها فراغاً في شبكات الدعم المجتمعي. الأطفال الذين تتركهم، والعجزة الذين كانت ترعاهم، والأسر التي كانت تعتمد على حضورها، كلها تدفع ثمن هذه الهجرة القسرية. المجتمع السوداني يخسر يومياً جزءاً من بنيته التحتية للرعاية، بينما تستفيد منه أسواق العمل في الدول المضيفة التي تحصل على خدمات رعاية رخيصة دون أن تتحمل كلفة إنتاج هذه الخدمات محلياً. هذا الاستنزاف أشبه باستخراج المعادن الثمينة أو نهب المواد الخام، لكنه هنا استخراج لقدرات بشرية على الرعاية والحب والتربية، وهو ما يذكرنا بتحليل ماركس للاستعمار حيث ينتقل فائض القيمة من الأطراف المستعمرة إلى مراكز التراكم دون أي مقابل.
هذه السلسلة العالمية هي نتاج منطق رأسمالي يبحث عن أقل تكلفة لإعادة الإنتاج الاجتماعي. في الدول الغنية، ارتفعت تكلفة العمالة المنزلية والرعاية بشكل كبير مع دخول النساء إلى سوق العمل وخروجهن من دائرة العمل المنزلي غير المدفوع، فاتجه رأس المال إلى استيراد هذه الخدمات من الدول الفقيرة. وفي الدول الفقيرة، أدى التهميش الاقتصادي والحروب والانهيار الخدمي إلى دفع النساء إلى الهجرة كاستراتيجية بقاء. بين هذين الطرفين، تتشكل سلسلة طويلة من الاستغلال: المرأة الأوروبية أو الخليجية التي تذهب إلى عملها مرتاحة البال لأن هناك من يرعى أطفالها لا تدفع للعاملة المنزلية أجراً يعادل قيمة عملها، والعاملة المنزلية لا تستطيع دفع أجر لمن تركتهم وراءها ليرعوا أطفالها، وهكذا تتراكم القيمة المنتجة في مراكز الثراء ولا تعود إلى من أنتجها في أطراف الفقر. هذه هي بالضبط آلية استخراج فائض القيمة التي وصفها ماركس في تحليله للرأسمالية، لكنها هنا تمتد عبر الحدود وتتخذ شكلاً جندرياً وعنصرياً مضاعفاً.
تمثل مصر إحدى أهم حلقات سلاسل الرعاية المرتبطة باللجوء السوداني. فهناك تدخل المرأة السودانية إلى سوق العمل المنزلي وهي محمّلة بكل عناصر الهشاشة التي ينتجها موقعها الطبقي والقانوني معاً: لاجئة أو مهاجرة محدودة الحماية، وعاملة في قطاع غير منظم، ووافدة إلى اقتصاد يعاني أصلاً من فائض واسع في قوة العمل. ضمن هذه الشروط تصبح قدرتها على التفاوض شبه معدومة، ويتحول عملها إلى سلعة منخفضة القيمة في سوق يقوم على الاستبدال الدائم للعمالة. لا يعود الاستغلال هنا إلى خصائص أخلاقية لأصحاب العمل أو إلى خصوصية ثقافية محلية، بل إلى موقع مصر نفسه داخل الاقتصاد الرأسمالي العالمي بوصفها دولة نصف هامشية تعيد إنتاج، على مستوى أدنى، الآليات ذاتها التي تُفرض عليها من مراكز التراكم الكبرى. كما أن عقوداً من برامج التكييف الهيكلي والخصخصة وتقليص الإنفاق الاجتماعي في السودان أسهمت في دفع أعداد متزايدة من النساء إلى الهجرة، بحيث أصبحت الرأسمالية العالمية تنتج شروط الاقتلاع في الجنوب ثم تستفيد من نتائجه في أسواق العمل التي تحتاج إلى عمالة رخيصة ومنزوعة الحماية.
في الخليج، تتخذ هذه الآلية شكلاً مؤسسياً أكثر صرامة عبر نظام الكفالة الذي يربط العاملة بصاحب عمل واحد ويحدّ من قدرتها على الحركة والتنقل والتفاوض. داخل هذا النظام تتشكل تراتبيات متعددة للعمالة تقوم على الجنسية واللون واللغة والأصل الاجتماعي والوضع القانوني، وتُستخدم لتوزيع الأعمال والأجور والفرص بصورة غير متساوية. لا تكمن أهمية هذه التراتبيات في ترتيب ثابت بين الجنسيات بقدر ما تكمن في وظيفتها الاقتصادية: تقسيم قوة العمل إلى فئات متنافسة ومنع تشكل مصالح جماعية موحدة بينها. وهكذا يصبح العامل أو العاملة أكثر قابلية للضبط وأكثر خوفاً من فقدان العمل أو الإقامة، بينما تستفيد قطاعات الرعاية والخدمة المنزلية من تدفق مستمر لعمالة رخيصة ومجزأة. ليست هذه البنية نتاج تحيزات فردية معزولة، بل جزء من آلية أوسع تضمن استمرار تراكم رأس المال عبر إبقاء العمالة الوافدة في موقع هش وقابل للاستغلال.
أوروبا تقدم صورة أكثر تعقيداً وتناقضاً. فهي تستقبل اللاجئات السودانيات بخطاب إنساني وبروتوكولات لجوء، لكنها في الوقت نفسه تدفعهن إلى وظائف منخفضة المهارة في قطاعات الرعاية والتنظيف، وتُهدر مؤهلاتهن العلمية بفعل سياسات الاعتراف بالشهادات المعقدة والتمييز المؤسسي والعوائق البيروقراطية. هذا ليس مؤامرة مباشرة لتخفيض التكاليف، بل هو نتاج تناقضات بنيوية في الرأسمالية الأوروبية: حاجة إلى العمالة مع خوف من منحها حقوقاً، ورغبة في استقطاب الكفاءات مع إبقائها في مواقع هامشية، وخطاب حقوقي يغطي واقعاً استغلالياً. المرأة السودانية التي كانت طبيبة في الخرطوم وتعمل اليوم في رعاية مسنّ في برلين ليست مجرد ضحية سوء حظ، بل هي تجسيد لتناقض الرأسمالية الأوروبية التي تحتاج إلى خدمات الرعاية ولا تريد دفع ثمنها. هذا الهدر المعرفي ليس سوء تنظيم، بل هو استمرار لعلاقات الاستعمار المعرفي حيث تُستورد العقول من الجنوب لتخدم في وظائف دنيا في الشمال.
دور الدولة السودانية والطبقات الحاكمة فيها في إنتاج هذه الهجرة هو العنصر الغائب غالباً في التحليلات السائدة. المرأة السودانية لم تستيقظ يوماً وقررت الهجرة من فراغ. هنالك عملية تاريخية من التهميش المنظّم، والحروب التي تموّلها الدولة أو تتغاضى عنها، وسياسات الخصخصة التي دمرت الزراعة المعيشية، وإهمال الخدمات العامة التي جعلت الحياة مستحيلة. الدولة السودانية، التي ظلت لعقود أداة في يد تحالفات رأسمالية تستنزف موارد البلاد وتهمش أقاليمها، هي المنتج الأول للاجئة. الطبقات الحاكمة السودانية التي جمعت ثرواتها من الذهب والنفط والوساطة التجارية لم تستثمر في بناء اقتصاد يبقي النساء في بلادهن، بل فضلت نظاماً يدفع الفقراء إلى الهجرة بينما تبقى هي في مواقعها. الرأسمالية الطرفية السودانية تنتج اللاجئات، والرأسمالية العالمية تستقبلهن، والاستغلال يتضاعف في الحلقات كلها.
هذه السلسلة من الاستغلال ليست مجرد انتقال عاملات بين دول، بل هي استمرار لعملية الاستعمار الكلاسيكي بوسائل جديدة. فالجنوب لم يعد يُصدّر فقط المواد الخام كالذهب والنفط والقطن، بل أصبح يُصدّر الأجساد النسائية ذاتها كسلعة رعاية. الجسد النسائي السوداني الذي يغادر البلاد ليخدم في بيوت الغير هو مورد يُستخرج من السودان كما يُستخرج الذهب من جبال النوبة. لكن الفرق أن الذهب مورد مادي يمكن قياسه وإحصاؤه، بينما الرعاية التي تقدمها النساء واستنزاف قدرتهن على الإنجاب والتربية هي خسارة لا تُحصى في حسابات الناتج المحلي الإجمالي. المجتمع السوداني يخسر يومياً جزءاً من قدرته على إعادة إنتاج نفسه، بينما تجني مراكز التراكم الرأسمالي ثمار هذا النزيف.
ما يحدث هنا يتعلق بقلب نظرية القيمة الماركسية ذاتها. فالرعاية المنزلية وتربية الأطفال ورعاية المرضى ليست خدمات هامشية أو أعمالاً ثانوية، بل هي إنتاج حقيقي لقيمة الاستخدام التي تعيد إنتاج قوة العمل نفسها. العامل الذي يذهب إلى المصنع أو المكتب غداً لا يمكن أن يوجد دون طعام يُطهى، وملابس تُغسل، وأطفال يُربون، ومرضى يُرعون. هذا العمل، الذي تؤديه النساء في المنزل دون أجر ودون اعتراف، هو أساس كل قيمة يُنتجها النظام الرأسمالي. حين تُنقل هذه القدرة على الرعاية من السودان إلى أوروبا والخليج، فإن ما يحدث هو اختلاس لقدرة مجتمع بأكمله على إعادة إنتاج نفسه، وتحويل هذا العمل إلى سلعة تُباع وتُشترى في سوق عالمية غير عادلة. هذه هي جوهر الرأسمالية: ليس فقط استغلال العمل المنتج، بل إخفاء واستغلال العمل الذي يُعيد إنتاج العمل نفسه.
كما كتب فريدريك إنجلز في كتابه "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة": "أول شرط تاريخي للوجود الإنساني هو إنتاج وسائل العيش، ثم إنتاج الإنسان نفسه، أي تناسل النسل." الرأسمالية أخرجت الأول (إنتاج وسائل العيش) إلى دائرة العمل المأجور وجعلته محوراً لقانون القيمة، وأبقت الثاني (إنتاج الإنسان نفسه، أي الرعاية والتربية) في دائرة العمل غير المأجور وغير المحسوب، لتستفيد منه دون أن تدفع ثمنه. النساء السودانيات اللواتي يغادرن بلادهن ليقدمن هذه الرعاية في الخارج يحملن معهن هذا التناقض: هن يمارسن عملاً ضرورياً لإعادة إنتاج الحياة، لكن النظام يجعلهن غير مرئيات وغير مدفوعات وغير محميات. استغلالهن ليس مجرد ظلم أخلاقي، بل هو اختلاس القيمة الاجتماعية التي ينتجها عملهن في إعادة إنتاج قوة العمل، وهو اختلاس يمتد من مخيمات تشاد إلى بيوت الأغنياء في الخليج وأوروبا.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟