أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - عماد حسب الرسول الطيب - 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟















المزيد.....

5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 04:47
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


بعد أن تتبعنا في الحلقات السابقة حدود "العقد الاجتماعي" و"الدولة المدنية" وصولاً إلى الموقع الطبقي للبرجوازية الصغيرة التي تنتج هذه المشاريع، نصل إلى الإطار السياسي الذي تتحرك داخله هذه النخب وتتبناه بوصفه الغاية النهائية للتحول: الديمقراطية الليبرالية. فوثيقة حمدوك، رغم عدم ذكرها للمصطلح صراحة، تفترضه كخلفية ضرورية لكل ركائزها: المواطنة المتساوية تفترض ديمقراطية انتخابية، والدولة المدنية تفترض تعددية سياسية وفصل سلطات، والعقد الاجتماعي يفترض مشاركة شعبية في صياغة الدستور. لكن السؤال الذي تتجنبه الوثيقة، ويشكل جوهر أي تحليل مادي جدلي لهذا الإطار، ليس "هل الديمقراطية أفضل من الاستبداد؟"، بل "أي ديمقراطية؟ ولصالح أي طبقة تعمل؟"

فالديمقراطية الليبرالية، في أدبياتها الكلاسيكية، تعني نظاماً يقوم على الانتخابات الحرة، والتعددية الحزبية، والفصل بين السلطات، واحترام الحقوق المدنية والسياسية. وهي بهذا المعنى تُطرح كضمانة ضد الاستبداد، وكآلية لمشاركة المواطنين في اختيار حكامهم ومحاسبتهم. لكن التحليل المادي الجدلي يضطرنا إلى التساؤل: هل هذه الآليات، بمفردها، تكفي لجعل الديمقراطية أداة لتحرير الكادحين؟ أم أنها، في سياق رأسمالي، تصبح مجرد آلية لإدارة الصراع الطبقي وإضفاء الشرعية على هيمنة رأس المال؟

الإجابة التي يقدمها التراث الماركسي، من ماركس وإنجلز إلى لينين وبولانتزاس، هي أن الديمقراطية البرلمانية داخل النظام الرأسمالي لا تلغي الاستغلال، بل تديره بأشكال أكثر أناقة، وتخلق وهم المشاركة بينما تبقى القرارات الاقتصادية الأساسية - الاستثمار، الإنتاج، التوظيف، التسعير، التوزيع - خارج نطاق الرقابة الديمقراطية. وهذا يبين أن التعددية السياسية لا تؤدي، في حد ذاتها، إلى توزيع القوة الاقتصادية. وكما كتب لينين، مستنداً إلى نقد ماركس للدولة البرجوازية، فإن جوهر الديمقراطية البرلمانية يتمثل في أن يقرر الشعب، مرة كل عدة سنوات، أيَّ عضو من الطبقة الحاكمة سيمثله ويقمعه في البرلمان. المشكلة ليست في الانتخابات ذاتها، بل في أن البنية الاقتصادية تجعل نتائجها محكومة مسبقاً بتفاوت القوة والثروة، وفي أن الديمقراطية الليبرالية تُمارس داخل فضاء سياسي تؤثر فيه علاقات السوق بصورة عميقة، بحيث تصبح القدرة على تشكيل الإرادة العامة مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بالثروة وملكية وسائل الإعلام والتمويل السياسي.

وهذه ليست مقولة نظرية فحسب، بل هي ما تثبته تجارب الديمقراطيات الليبرالية نفسها. ففي الولايات المتحدة، حيث توجد انتخابات حرة وتعددية سياسية، تبقى الدولة خاضعة لسيطرة رأس المال عبر تمويل الحملات الانتخابية، وجماعات الضغط (Lobbying)، وهيمنة الإعلام المملوك للشركات، والسياسات الاقتصادية التي تخدم الأغنياء على حساب الفقراء. وفي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الديمقراطيات العريقة، تتركز الثروة في أيدي أقلية صغيرة، وتُتخذ القرارات الكبرى المتعلقة بالاستثمار والإنتاج والائتمان خارج إطار البرلمان، تحت ضغط الأسواق المالية والمؤسسات الدولية.

وتتخذ هذه الحقيقة شكلاً أكثر تعقيداً في دول مثل السودان، حيث الديمقراطية الليبرالية ليست مجرد إطار سياسي، بل تصبح أيديولوجيا تستوردها النخب المدنية من مراكز الرأسمال العالمي، دون أن ترتبط بتحولات حقيقية في علاقات الإنتاج والملكية. فالدعوة إلى انتخابات حرة ودستور جديد وتعددية سياسية، في غياب أي تغيير في البنية الاقتصادية، ليست أكثر من محاولة لتطبيق نموذج سياسي على مجتمع لا يزال يعيش تحت وطأة اقتصاد طفيلي قائم على النهب والتبعية. وهذا يساعد في تفسير تعثر التجارب الديمقراطية في السودان منذ الاستقلال، ولماذا تحولت الانتخابات في كثير من الأحيان إلى مجرد عملية إضفاء شرعية على هيمنة النخب التقليدية، بدلاً من أن تكون أداة لتغيير حقيقي.

والأكثر إشكالية في وثيقة حمدوك هو أنها تطرح الديمقراطية كغاية بحد ذاتها، دون أن تناقش حدودها في ظل استمرار السيطرة الطبقية على الاقتصاد والإعلام والموارد. فالديمقراطية الليبرالية، كما يوضح التحليل المادي، هي تعبير سياسي عن مرحلة معينة من تطور الرأسمالية، وتظل مشروطة بوجود دولة تحمي الملكية الخاصة وتدير الصراع الطبقي دون حله. ولهذا فإن الديمقراطية البرلمانية، في غياب ديمقراطية اقتصادية، تتحول إلى مجرد واجهة تخفي استمرار الهيمنة الطبقية تحت غطاء التعددية والانتخابات.

وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر جوهرية: إذا كانت الديمقراطية الليبرالية، في غياب تحول جذري في علاقات الملكية، مجرد أداة لإدارة الرأسمالية، فما البديل الذي يطرحه التحليل المادي الجدلي؟ البديل لا يتمثل في رفض الديمقراطية بوصفها قيمة، بل في تجاوز الديمقراطية البرلمانية الشكلية نحو ديمقراطية اقتصادية واجتماعية تمكّن المنتجين من التحكم في شروط حياتهم وإنتاجهم. فالديمقراطية الحقيقية لا تقتصر على حق الانتخاب كل بضع سنوات، بل تشمل الحق في التحكم في الثروة، والمشاركة في قرارات الإنتاج، والرقابة على المؤسسات الاقتصادية، وإعادة توزيع السلطة من النخب المسيطرة إلى الجماهير المنتجة. وكما كتب ماركس، فإن الديمقراطية السياسية وحدها لا تحرر الإنسان من الاستغلال، بل تحرره فقط من شكل الاستغلال القديم وتضفي الشرعية على شكل جديد.

والسودان اليوم، في خضم حرب مدمرة وانهيار اقتصادي شامل، ليس بحاجة إلى ديمقراطية شكلية تمنح حق التصويت لجياع ونازحين، بل إلى عملية تحرر اجتماعي تبدأ بتفكيك بنية النهب والتبعية، وإعادة توزيع الثروة والسلطة على أساس العدالة، وبناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية تخضع قرارات الاقتصاد الكلي لرقابة شعبية، وتجعل المنتجين الحقيقيين هم أصحاب القرار في مستقبل بلادهم. وهذه المهمة لا يمكن أن تنجزها نخبة مدنية تتبنى خطاباً ديمقراطياً مستورداً، بل تتطلب حركة جماهيرية منظمة تناضل من أجل السيطرة على مواردها ومصيرها.

ولعل أبرز ما تكشفه هذه الحلقة هو أن الديمقراطية الليبرالية، كما تتبناها وثيقة حمدوك، ليست مجرد خيار دستوري محايد، بل هي التعبير السياسي الأكثر انسجاماً مع موقع البرجوازية الصغيرة المدنية. فهذه النخبة، بحكم موقعها الوسيط وخوفها من التغيير الجذري، تحتاج إلى إطار سياسي يمنحها دوراً مركزياً في إدارة الدولة، دون أن يمس علاقات الملكية التي تمنح النخب الأخرى نفوذها الاقتصادي. ولهذا تتبنى الديمقراطية البرلمانية كغاية نهائية، لأنها الإطار الذي يمكن من خلاله ممارسة الهيمنة بأدوات أكثر حداثة وكفاءة، دون الحاجة إلى مواجهة الأسئلة الجوهرية حول من يملك الثروة ومن يتحكم في الإنتاج.

فالديمقراطية الليبرالية، حين تُختزل في الإجراءات الانتخابية وتُفصل عن التحول في علاقات الملكية والإنتاج، لا تقدم حلاً لأزمة السودان، بل تعيد إنتاج الهيمنة الطبقية بأدوات جديدة. وكما كتب لينين، فإن الانتخابات وحدها لا تصنع ديمقراطية، بل تصنع فقط وهم المشاركة في ظل استمرار سيطرة رأس المال على الدولة. وما لم تُنتزع السلطة الاقتصادية من أيدي الناهبين، وتُعاد إلى المنتجين الحقيقيين، فإن كل صناديق الاقتراع في العالم لن تغير شيئاً من جوهر الهيمنة الطبقية التي تنتج الحرب والفقر والانهيار.

لكن الديمقراطية الليبرالية لا تكتفي بإخفاء الهيمنة عبر الانتخابات، بل تفعل ذلك أيضاً عبر مفهوم يبدو أكثر براءة: "المواطنة المتساوية". فالمساواة القانونية التي تمنحها الديمقراطية لكل فرد، بغض النظر عن ثروته أو سلطته، تُقدَّم باعتبارها مساواة قانونية مجردة بين أفراد يختلفون جذرياً في مواقعهم الطبقية، فتبدو العلاقة بين المستغِل والمستغَل وكأنها علاقة بين مواطنين متساويين أمام القانون. لكن السؤال الذي تطرحه الحلقة التالية هو: هل المواطنة المتساوية، في مجتمع تحكمه اللامساواة الطبقية، مجرد حق شكلّي لا قيمة له في غياب العدالة الاقتصادية، أم أنها أداة لإخفاء التفاوت العميق تحت غطاء المساواة أمام القانون؟ هذا ما ستناقشه الحلقة السادسة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
- 2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
- رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين
- 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية
- 16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
- 15. التنظيم الذاتي والمقاومة
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء


المزيد.....




- إيران تشن أول هجوم على السعودية منذ 4 أشهر.. إنذارات في الخر ...
- العراق.. هجمات على السليمانية وأربيل
- مناطق سيطرة إسرائيل.. الفتيل المشتعل
- طهران تعلن إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار من طراز MQ-9 في بوش ...
- مسؤول أممي: التنظيمات الإرهابية تستغل الألعاب الإلكترونية لت ...
- عدد ضحايا زلازل فنزويلا تجاوز 5 آلاف قتيل
- إسرائيل تقرع أجراس الخطر لإنقاذ صورتها في الولايات المتحدة
- -الحرس الثوري- يعلن -اشتعال النيران في ناقلتي نفط أثناء عبور ...
- -الثوري الإيراني- يعلن عن انفجار بناقلتين جنوب هرمز ويؤكد: ا ...
- انفجارات متزامنة تهز محافظات إيرانية مع استمرار الضربات الأم ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - عماد حسب الرسول الطيب - 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟