عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 02:49
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
لا تكمن مشكلة وثيقة حمدوك في تفاصيلها التنفيذية وحدها، بل في لغتها نفسها، وفي المفهوم الذي تنتظم حوله: "العقد الاجتماعي الجديد". فهذا المفهوم ليس محايداً ولا مختاراً اعتباطاً، بل يحمل في طياته رؤية كاملة للعالم، ورؤية للدولة، ورؤية للعلاقة بين الفرد والمجتمع، ورؤية للصراع ذاته. والعقد الاجتماعي، كما صاغه فلاسفة التنوير من هوبز إلى لوك إلى روسو، لم ينشأ في الفراغ؛ بل نشأ في لحظة تاريخية محددة كانت فيها البرجوازية الأوروبية الصاعدة تبحث عن شرعية جديدة لسلطتها، بعد أن انهارت شرعية الحق الإلهي وسقطت قدسية الملك. وأدى العقد الاجتماعي، تاريخياً، إلى توفير الشرعية السياسية والقانونية للدولة البرجوازية الصاعدة، بما أتاح تطور علاقات الإنتاج الرأسمالية، بصرف النظر عن اختلاف المقاصد الفكرية لمنظريه.
صحيح أن هوبز ولوك وروسو يتباينون في تفاصيل تصوراتهم - فهوبز يرى العقد وسيلة للخروج من "حرب الكل ضد الكل" عبر تنازل الأفراد عن حريتهم لحاكم مطلق، بينما يرى لوك أن العقد يحمي الملكية الخاصة ويشرع مقاومة الحاكم المستبد، ويرى روسو أن العقد يعبر عن "الإرادة العامة" التي لا يمكن تمثيلها بل يجب أن تُمارس مباشرة - لكنهم يشتركون جميعاً في افتراض أساسي واحد: أن المجتمع يتكون من أفراد متساوين يمكنهم التوصل إلى اتفاق عقلاني حول قواعد الحكم. وهذا الافتراض هو جوهر الأيديولوجيا التي تخفي الطبيعة الطبقية للدولة. ورأى إنجلز أن نظرية روسو لم يكن ممكناً أن تتحقق تاريخياً إلا في إطار الجمهورية البرجوازية الديمقراطية، فالعقد الاجتماعي لم يولد ليحرر البشر، بل ليحرر الرأسمال من قيود الإقطاع، وليؤسس للدولة التي تحمي الملكية الخاصة وتضمن استمرار تراكم رأس المال.
والأكثر أهمية أن هذا المفهوم لم يبق حبيساً في كتب الفلسفة، بل تحول إلى أداة عملية في أدبيات "بناء الدولة" التي تروج لها الأمم المتحدة والبنك الدولي في دول ما بعد الصراع. ففي العقود الأخيرة، أصبح "العقد الاجتماعي" لغة مشتركة لتقارير التنمية وبرامج الإصلاح السياسي، حيث يُستخدم لوصف العلاقة بين الدولة والمواطنين باعتبارها علاقة تبادلية قابلة للتفاوض والإصلاح، من دون الإشارة إلى أن هذه العلاقة في الواقع علاقة طبقية يحددها من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملكها. ولم يكن هذا التحول مجرد تطور لغوي، بل ارتبط ببرامج إعادة بناء الدول بعد الحروب، حيث أصبح مفهوم العقد الاجتماعي جزءاً من خطاب إصلاح الدولة الذي تتبناه المؤسسات الدولية. وهكذا تحول العقد الاجتماعي من نظرية فلسفية إلى أيديولوجيا عملية لإدارة الصراعات الرأسمالية دون المساس بجذورها. وثيقة حمدوك، حين تستدعي هذا المفهوم، إنما تضع نفسها ضمن هذا السياق الدولي، وتتبنى لغة المؤسسات المالية الدولية دون أن تنتبه إلى الوظيفة الأيديولوجية التي تؤديها هذه اللغة في إعادة إنتاج التبعية.
وهنا يبرز التناقض الجوهري في استدعاء حمدوك لهذا المفهوم في سياق السودان المعاصر. ففي وثيقته، يطرح حمدوك "العقد الاجتماعي الجديد" كإطار لإعادة تأسيس الدولة، ويقول إنه يقوم على "المواطنة المتساوية" و"الدولة المدنية" و"الفيدرالية" و"العدالة الانتقالية". لكنه لا يحدد أبداً أي القوى الاجتماعية ستوقع هذا العقد، ولا تحت أي ظروف، ولا بأي ضمانات. ولا تبيّن الوثيقة كذلك الآلية التي يمكن بها إخضاع القوى المسلحة والاحتكارات الاقتصادية لهذا العقد، أو كيف يمكن إلزامها به إذا تعارض مع مصالحها. وكأن العقد يمكن أن يُوقّع في لحظة تاريخية واحدة بين أطراف متساوية، بينما الواقع أن السودان اليوم ليس مجتمع أفراد متساوين يدخلون طوعاً في عقد اجتماعي، بل هو ساحة صراع طبقي حاد بين قوى متناقضة: من يملك الذهب والأرض والسلاح، ومن لا يملك سوى قوة عمله ودمه؛ من يسيطر على مؤسسات الدولة منذ عقود، ومن دفع ثمن ذلك التهميش بالحرب والنزوح والفقر؛ من يرتبط عضوياً بالرأسمال العالمي والمؤسسات المالية الدولية، ومن يعيش خارج الاقتصاد الرسمي في هامش التهريب والسوق السوداء.
وهذا الصراع لا يحدث في الفراغ، بل في ظل بنية اقتصادية محددة: اقتصاد الحرب. فالحرب في السودان لم توقف التراكم الرأسمالي، بل نقلته إلى أشكال جديدة: الذهب يهرّب عبر شبكات الميليشيات، والسلاح يتدفق من عدة دول، والأسواق الموازية تزدهر على أنقاض الاقتصاد الرسمي، والميليشيات تحولت إلى كيانات اقتصادية عسكرية تدر أرباحاً طائلة من نهب الموارد والتمرّد على أي سلطة مدنية. كما أصبح اقتصاد المساعدات الإنسانية وتمويل الإغاثة جزءاً من الاقتصاد السياسي للحرب، بما أفرز شبكات من الوسطاء والمتعاقدين والمنظمات تعتمد مصالحها المادية، بدرجات متفاوتة، على استمرار حالة الطوارئ. في هذه البيئة، يصبح الحديث عن "عقد اجتماعي" بين أطراف متصارعة وكأنها متساوية، مجرد خيال قانوني لا يمت إلى الواقع بصلة. فكيف يمكن أن يكون هناك عقد بين من يملك سلاحاً ومن لا يملكه؟ بين من يسيطر على مناجم الذهب ومن يعيش في خيام النزوح؟ بين من يمول الحرب ومن يدفع ثمنها بالموت والجوع؟
إن الخطأ النظري للوثيقة لا يتوقف عند استعارتها لمفهوم وُلد في سياق تاريخي مختلف تماماً، بل يمتد إلى تجاهلها للوظيفة الأيديولوجية التي يؤديها هذا المفهوم في سياقها الراهن. فالدعوة إلى "عقد اجتماعي جديد" في لحظة انهيار الدولة تحت وطأة الحرب، وفي غياب أي تغيير في علاقات الملكية أو ميزان القوى الطبقي، ليست دعوة لتغيير جذري، بل دعوة لإضفاء الشرعية على استمرار الهيمنة القديمة تحت غطاء لغوي جديد. فالعقد الاجتماعي، في هذه الحالة، يعمل كأيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي، وتستبدل سؤال "من يملك السلطة" بسؤال "كيف ندير السلطة"، وتستبدل سؤال "لمن تعمل الدولة" بسؤال "كيف نصلح الدولة". وكما كتب ماركس في "المسألة اليهودية": "الدولة السياسية تلغي، في شكلها، الملكية الخاصة والاختلافات الاجتماعية، لكنها في واقعها تفترض وجودها وتستمر على أساسها." فالدولة التي يطرحها العقد الاجتماعي لا تلغي المجتمع المدني القائم على الملكية الخاصة، بل تفترض استمراره وتحميه بقوة القانون. وهذا هو جوهر التناقض: فالدولة التي تعلن المساواة القانونية لا تستطيع أن تلغي التفاوت المادي الذي تنتجه علاقات الملكية.
وليس هذا النقد نظرياً فحسب، بل هو ما تثبته تجارب تاريخية عديدة حيث استُخدم مفهوم العقد الاجتماعي لتبرير تسويات سياسية أعادت إنتاج الهيمنة القديمة بوجه جديد. ففي لبنان، أظهر "اتفاق الطائف" حدود قدرته على معالجة جذور الأزمة، فقد أعاد توزيع المناصب بين النخب الطائفية دون أن يمس ملكية البنوك والثروات، فظلت البنية الاقتصادية التي تنتج الأزمة قائمة، وتعثرت نتائجه السياسية والاقتصادية حين اصطدمت به قوى إقليمية وداخلية كانت تستفيد من استمرار الفوضى. وفي العراق، صيغ دستور توافقي وزّع السلطة بين المكونات دون أن يغير السيطرة على النفط، فتحولت الدولة إلى ساحة صراع على الريع بدلاً من أن تكون أداة للتنمية. وفي جنوب أفريقيا، تحولت "المصالحة" إلى غطاء أخلاقي لاستمرار التراكم الرأسمالي بأيدي البيض اقتصادياً مع انتقال السلطة السياسية رمزياً للسود. والجامع بين هذه التجارب أن فشلها لم يكن بسبب فكرة العقد الاجتماعي بحد ذاتها، بل بسبب أن موازين القوى المحلية والإقليمية ظلت على حالها، وأن العقد صيغ ليشرعن هذه الموازين لا ليغيرها.
وهذه التجارب، وغيرها، تؤكد أن "العقد الاجتماعي" في غياب تغيير جذري في علاقات الملكية وميزان القوى الطبقي، ليس سوى أداة لإدارة الأزمة، لا لحلها. وهذا لا يعني رفض أي تفاوض سياسي مرحلي. فالتسويات السياسية قد تكون ضرورية لوقف الحرب وتخفيف المعاناة، لكن المشكلة تبدأ حين تُحوَّل هذه التسويات إلى بديل عن تغيير علاقات القوة والملكية، وحين يُقدَّم العقد الاجتماعي بوصفه الغاية النهائية لا مجرد محطة في صراع أوسع. والسودان اليوم يحتاج إلى تسويات توقف القتل، لكنه لا يحتاج إلى عقد يشرعن نهب الذهب ويغلف استمرار التهميش بلغة التوافق الوطني.
فالعقد الاجتماعي لا يُوقَّع بين المستغِل والمستغَل، لأن علاقتهما ليست علاقة تعاقد، بل علاقة صراع. ولا تُبنى الدولة على توافق بين الناهب والمنهوب، لأن مصالحهما متضاربة جذرياً. وما لم يُطرح السؤال الطبقي في صدارة أي مشروع لإعادة التأسيس، وما لم تُعاد توزيع الثروة والسلطة على أساس مصالح الكادحين لا النخب، فإن أي "عقد اجتماعي" سيبقى أيديولوجيا تخفي حقيقة أن الدولة ما زالت في أيدي من ينهبونها، وأن الحرب ما زالت مستمرة لأنها تخدم مصالح من يستفيدون منها. وكما كتب ماركس: "إن تاريخ جميع المجتمعات حتى يومنا هذا هو تاريخ صراع الطبقات." فمن يطلب من الأطراف المتصارعة أن توقع عقداً، إنما يطلب منها أن تتوقف عن كونها ما هي عليه: طبقات في صراع على الثروة والسلطة.
وإذا كان العقد الاجتماعي لا ينتج دولة محايدة، بل ينتج شكلاً معيناً من الدولة - الدولة البرجوازية التي تحمي الملكية الخاصة وتدير الصراع الطبقي دون حله - فإن السؤال الذي يفرض نفسه على الحلقة التالية هو: ماذا يعني حمدوك حين يدعو إلى "الدولة المدنية"؟ وهل تمثل الدولة المدنية قطيعة مع الدولة البرجوازية، أم مجرد إعادة تنظيم لشكلها السياسي مع بقاء مضمونها الطبقي على حاله؟
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟