أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية














المزيد.....

17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 04:47
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


قدّمنا في هذه السلسلة قراءة مادية لمسار المرأة السودانية منذ ما قبل لحظة الاقتلاع القسري من موطنها، مرورًا برحلة النزوح واللجوء، وصولًا إلى المخيمات وأسواق العمل في بلدان الاستقبال، ثم إلى تشكّلها كفاعل اجتماعي وسياسي في فضاءات الشتات. لم يكن الهدف توثيق معاناة إنسانية فحسب، بل تفكيك البنية التي تنتج هذه المعاناة وتعيد إنتاجها. فما بدا في ظاهره سلسلةً من المآسي المنفصلة، كشف التحليل المادي أنه نظام مترابط تتداخل فيه الحرب، والتهجير، والرأسمالية، والبنى الأبوية، والعنصرية، في عملية واحدة لإعادة تنظيم الثروة والعمل والسلطة. ومن هذا المنطلق يمكن استخلاص ثلاث خلاصات مركزية تشكل أساس أي سياسة تحررية جادة.

أولاً: الحرب ليست انقطاعاً عن المسار الطبيعي للمجتمع، بل استمرار للرأسمالية حين تبلغ تناقضاتها مرحلة لا تستطيع فيها آليات السوق وحدها إعادة توزيع الموارد والثروة. فالاقتلاع الجماعي للسكان ليس مجرد نتيجة جانبية للعنف، وإنما وسيلة لإفراغ الأرض وإعادة تشكيل ملكيتها، وتأمين الموارد الطبيعية، وخلق فضاءات جديدة للتراكم. وفي الوقت نفسه يُنتج اللجوء جيشاً احتياطياً عالمياً من العمالة الرخيصة، عديمة الحماية، يسهل استخدامها للضغط على الأجور، وإضعاف التنظيم النقابي، وتعظيم أرباح رأس المال. في قلب هذه العملية تقف المرأة السودانية بوصفها الحلقة الأكثر تعرضاً للاستغلال، حيث تتقاطع عليها علاقات القهر الطبقي والجندري والعنصري، فتغدو قوة عمل منخفضة الكلفة، وأكثر قابلية للإخضاع داخل الاقتصاد العالمي.

ثانياً: استغلال المرأة اللاجئة لا يقتصر على سوق العمل المأجور، بل يمتد إلى مجال إعادة الإنتاج الاجتماعي الذي تعتمد عليه الرأسمالية في استمرارها اليومي. فالطبخ، والتنظيف، ورعاية الأطفال، والعناية بالمرضى وكبار السن، وإعادة إنتاج الحياة اليومية، كلها أعمال ضرورية لبقاء المجتمع، لكنها تُلقى على عاتق النساء دون أجر أو اعتراف اقتصادي. وفي السودان كانت الأسرة الممتدة تخفف نسبياً من هذه الأعباء، أما في اللجوء فتتحمل المرأة معظمها منفردة، بينما تُستنزف قدرتها الإنتاجية والرعائية في آن واحد. ثم تنتقل هذه الخبرات نفسها إلى أسواق العمل الدولية عبر سلاسل الرعاية العالمية، حيث تغادر النساء لرعاية أسر أخرى، بينما تُترك أسرهن في مواجهة آثار الغياب. وهكذا لا يقتصر نزيف السودان على موارده الطبيعية أو كوادره المهنية، بل يشمل أيضاً طاقات الرعاية وإعادة إنتاج المجتمع، وهي عملية تخفيها خطابات "التمكين" و"الإدماج" التي تتجاهل البنية الاقتصادية التي تستفيد من هذا الاستغلال المزدوج.

ثالثاً: التحرر لا يُنتج عبر إصلاح النظام القائم، وإنما عبر بناء قوة اجتماعية قادرة على مجابهته، ولا يبدأ من النخب، بل من التنظيم الذاتي للنساء أنفسهن. فالمرأة السودانية اللاجئة لم تنتظر حلولاً تأتيها من الحكومات أو المنظمات الدولية، بل طورت أشكالاً متعددة من التنظيم الذاتي، تمثلت في شبكات التكافل، وصناديق الادخار التعاونية، والمطابخ الجماعية، ومبادرات التعليم، والتوثيق الرقمي للانتهاكات، وبناء العلاقات مع النقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والحركات النسوية، والإعلام البديل، والشتات السوداني، ولجان المقاومة داخل السودان. غير أن هذه المبادرات، على أهميتها، تظل محدودة ما لم ترتبط بمشروع سياسي واجتماعي أوسع يستهدف تفكيك البنى التي تنتج الاستغلال نفسه. ولذلك فإن تحويل المقاومة اليومية إلى قوة تاريخية يقتضي ربط نضال النساء اللاجئات بالنضال الطبقي للعمال والكادحين في بلدان اللجوء، وبنضال الجماهير السودانية ضد الحرب والاستبداد، وبالحركات التحررية المناهضة للرأسمالية والعنصرية على المستوى العالمي.

تثبت هذه القراءة أن قضية المرأة السودانية في اللجوء ليست قضية إنسانية معزولة، ولا ملفاً خاصاً بالنساء وحدهن، بل هي مدخل لفهم طبيعة النظام العالمي الذي يحول الحروب إلى فرص للتراكم، ويحول البشر إلى قوة عمل فائضة، ويعيد إنتاج علاقات الهيمنة عبر الحدود. ومن ثم فإن أي مشروع تحرري لا يضع النساء في قلب عملية التنظيم والتغيير، ولا ينطلق من خبراتهن اليومية في المقاومة والبقاء، سيظل عاجزاً عن تفكيك البنية التي ينتقدها.

ما قدمته هذه السلسلة ليس مجرد وعي نظري، بل أداة في يد من تقرر استخدامها. فالمعرفة ليست محايدة، والتحليل ليس ترفاً فكرياً. الماركسية لا تكتفي بتفسير العالم، بل تنطلق من تحليل تناقضاته للكشف عن إمكانات تغييره. والمرأة السودانية، التي حملت الوطن في ذاكرتها، وأعادت بناء أشكال الحياة وسط الخراب، ليست موضوعاً للشفقة، بل فاعلاً تاريخياً قادراً على المساهمة في صنع مستقبل مختلف. وكما قال كارل ماركس في النظام الداخلي للرابطة الدولية للعمال: «تحرير الطبقة العاملة يجب أن يكون عمل الطبقة العاملة نفسها». هذا هو جوهر السلسلة: لا خلاص يأتي من فوق، ولا تحرر يُمنح هبةً من منظمات أو حكومات. التحرر فعل ذاتي، يبدأ بالحركة، ويتعاظم بالتنظيم، ولا يكتمل إلا حين تصبح النساء السودانيات في اللجوء، إلى جانب الطبقات الكادحة في السودان وبلدان اللجوء، فاعلات تاريخيات يحددن شروط نضالهن بأيديهن، ويكسرن القيد بأيديهن وبأيدي الطبقات المقهورة التي تدرك أن تحرر المرأة السودانية في اللجوء ليس قضية منفصلة، بل حلقة في نضالها هي أيضاً ضد النظام الذي يستغلها. القيد ليس قدراً، بل علاقة اجتماعية يمكن تغييرها، وتغييرها يبدأ بمعرفة أنها قيد، وينتهي بكسرها بجهود الجميع، كلٌّ من موقعه، لكن السواد الأعظم من الجهد والتضحيات يظل على عاتق من يتحملن وطأة الاستغلال يومياً.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
- 15. التنظيم الذاتي والمقاومة
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟


المزيد.....




- تحذير من أزمة خصوبة عالمية مع تزايد حالات العقم بين النساء
- -أنتِ امرأة حقيرة-.. مبابي يرد بقوة على هجوم عنصري بعد مبارا ...
- “قضايا المرأة” تنظم مائدة مستديرة لمناقشة مشكلة العنف التولي ...
- سيدة تتهم مرشحًا ديمقراطيًا لمجلس الشيوخ باغتصابها عام 2021. ...
- الداخلية السورية: 18 مصابًا/ة بانفجارين خارج مقر إقامة ماكرو ...
- مؤسسة مانديلا تطالب المجتمع الدولي بإنقاذ النساء والأطفال/ات ...
- مصر: مسيرة احتجاجية لموظفات الزراعة لتأخر رواتبهن منذ 5 سنوا ...
- مسؤول أممي: لا تنمية في أفغانستان دون النساء
- الملاعب وحقوق البث والرياضة النسائية.. ساحة المستثمرين الجدي ...
- فضيحة جديدة تهز حملة مرشح جمهوري لمجلس الشيوخ الأمريكي.. حبي ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية