أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 15. التنظيم الذاتي والمقاومة















المزيد.....

15. التنظيم الذاتي والمقاومة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 03:07
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


ينتج الخطاب الإنساني صورتين متناقضتين للمرأة اللاجئة: ضحية عاجزة تنتظر الإنقاذ، أو بطلة استثنائية انتصرت بجهدها الفردي. كلتاهما أيديولوجيا تخفي حقيقة أن النساء اللاجئات، رغم الفقر والعنصرية والقوانين القاسية، يمارسن التنظيم والتضامن يومياً، ذلك أن البقاء ذاته، في نظام يسعى لعزل الفرد وتفتيته، لا يتحقق إلا بالتعاون. المطابخ الجماعية، الصناديق التعاونية، شبكات المساعدة المتبادلة، ليست مجرد وسائل نجاة، بل هي الفعل التاريخي الذي يسبق أي تنظيم سياسي رسمي، والأساس الذي يمكن أن تنطلق منه حركة تحررية أوسع.

في أحياء القاهرة الفقيرة ومخيمات تشاد البعيدة، تعيد النساء إنتاج نماذج التضامن التي عرفنها في السودان. "الشيل"، صندوق الادخار التعاوني، ينتقل معهن: عشر نساء أو أكثر تجتمع، تضع كل منهن مبلغاً صغيراً أسبوعياً، ويتناوبن على استلام المبلغ كاملاً عند الحاجة. نظام قد يبدو بدائياً في عيون المصارف، لكنه آلية ائتمانية دقيقة تقوم على الثقة، وتعمل حيث لا تصل البنوك ولا تفيد القروض الصغيرة. المطابخ الجماعية تحولت أيضاً إلى مشاريع اقتصادية: نساء يشترين المواد الغذائية بالجملة، يطهين معاً، ثم يبعن الفائض ويقتسمن الربح. هذا مثال حي على أن إعادة الإنتاج الاجتماعي، حين تُنظم جماعياً، تنتج فائضاً يحسن ظروف الجميع، بدلاً من أن تبقى عبئاً فردياً تستنزف المرأة وحدها.

على الإنترنت، بنت النساء شبكات معلومات ومساعدة تخترق الحدود: صفحات لتوثيق الانتهاكات، وتبادل المعلومات القانونية، والتنسيق بين مجموعات متفرقة. لكن هذه الأدوات الرقمية محدودة. فالمرأة التي تعمل اثنتي عشرة ساعة وتدير أسرة بمفردها لا تجد وقتاً للتصفح، والتي لا تملك هاتفاً ذكياً تبقى خارج الدائرة. المقاومة الرقمية لا يمكنها أن تحل محل التنظيم المباشر في أماكن السكن والعمل.

وهناك عقبات لا يمكن تجاهلها: الدول المضيفة نادراً ما تسمح بتنظيم اللاجئين، والخوف من الترحيل يمنع المشاركة في أي نشاط "مشبوه"، والإرهاق اليومي لا يترك طاقة للعمل الجماعي، والشتات الجغرافي يجعل التضامن المستدام صعباً. هذه ليست علامات ضعف، بل قيود مادية حقيقية، تجاوزها يحتاج تغيير الظروف التي تنتجها، وهذا التغيير لا يأتي من النساء وحدهن. هنا تصبح التحالفات مع قوى أخرى ضرورة.

أولى هذه التحالفات مع منظمات المجتمع المدني المحلية. في مصر، توجد منظمات حقوقية ونقابات عمالية وجمعيات نسوية تعاني القيود ذاتها، وتملك خبرة في توثيق الانتهاكات والوصول إلى الإعلام وشبكات من المحامين. بناء جسور معها مصلحة مشتركة: استغلال اللاجئات يخفض أجور العمال المحليين، وتقييد تنظيمهن يعني تقييداً مماثلاً لتنظيم العمال والمواطنات. هذه المصلحة المشتركة هي الأساس المادي لأي تحالف حقيقي. في الخليج، حيث الفضاء المدني أضيق، تأخذ التحالفات أشكالاً غير مباشرة: التواصل مع منظمات حقوق العمال الدولية، والاستعانة بمحامين في دول ثالثة، والضغط على السفارات السودانية. في أوروبا، حيث المجال القانوني أوسع، يمكن التواصل مع النقابات والجمعيات النسوية والمنظمات المناهضة للعنصرية. لكن التحدي الأكبر واحد: تحويل النظرة إلى اللاجئات من "محتاجات" إلى شركاء في النضال، وهذا يتطلب من المنظمات المحلية أن تتخلى عن دور الجهة المانحة وتتبنى تضامناً قائماً على المساواة الطبقية.

في الشتات السوداني، هناك حلفاء محتملون: لاجئات، مهاجرون، طلاب، أكاديميون. بعضهم يملك قدرات تنظيمية وإعلامية واتصالات بصناع القرار. لكن توظيف هذه القدرات يستلزم تجاوز الانقسامات السياسية في الجالية، والتركيز على أهداف محددة: تحسين ظروف العمل، مواجهة التمييز، توثيق الانتهاكات، والضغط من أجل تسوية قانونية. والأهم أن تكون النساء اللاجئات قائدات هذا الجهد، لا موضوعات يدافع عنهن آخرون.

الإعلام ركيزة أخرى لا غنى عنها. التغطية الدقيقة تضغط على الحكومات والمنظمات الدولية، وتكسر الصورة النمطية للاجئة الضحية، وتخلق وعياً جماهيرياً. لكن الوصول إلى الإعلام يحتاج رسائل واضحة، ومطالب محددة، وتنسيقاً بين الناشطات والصحافيات. بعض النساء بدأن بالظهور في التقارير، لكن غالباً كضحايا تُروى قصصهن عبر وسيط. التحدي أن يصبحن متحدثات باسم أنفسهن، يحددن شروط المقابلة ومحتوى الرسالة. هذا يتطلب تدريباً، ودعماً لوجستياً، وشبكة علاقات مع صحافيين متعاطفين، لكن الأهم ثقة النساء بأنفسهن وقدرتهن على تجاوز الخوف من الحديث علناً.

يمكن أيضاً بناء تحالفات مع الحركات النسوية في بلدان اللجوء، خصوصاً تلك التي تتبنى تحليلاً طبقيّاً وتفهم أن قضية اللاجئات جزء من صراع أوسع ضد الرأسمالية والأبوية والعنصرية. هذه الحركات تقدم دعماً قانونياً، وتضامناً في المظاهرات، ومساحة في منصاتها. لكن التحالف الحقيقي يقتضي أن تراجع هذه الحركات خطابها عن اللاجئات، وتتخلى عن النظرة الاستعمارية التي ترى فيهن ضحايا بحاجة للإنقاذ، وتعترف بقدرتهن على التحليل والقيادة.

ثمة تحالفات أخرى مع نشطاء داخل السودان نفسه، عبر الشتات أو مباشرة. لجان المقاومة التي قادت الحراك الشعبي قبل الحرب، والتي تواصل عملها في الداخل والخارج، شريك طبيعي للنساء اللاجئات: فهي تتبنى العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين، وتعرف الظروف التي دفعتهن للهرب. التواصل بين النساء في المخيمات وقيادات لجان المقاومة يخلق جسراً بين نضال البقاء اليومي والنضال السياسي لتغيير السودان، ويذكّر أن معاناة النساء في المنفى امتداد لمعاناتهن في الوطن.

خلق صوت موحد للنساء اللاجئات في الإعلام والفضاء العام هدف استراتيجي. لا يعني توحيد الآراء في كل التفاصيل، بل الاتفاق على مطالب أساسية: وقف العنف، تحسين ظروف العمل والأجور، توفير التعليم للأطفال، منح إقامات قانونية، وإشراك النساء في صنع القرار. يتطلب هذا مؤتمرات ولقاءات دورية، ومنصات إعلامية مستقلة، وتدريب ناشطات على التحدث باسم مجموعاتهن. العمل طويل، ونتائجه ليست فورية، لكن بدونه تظل أصوات النساء مشتتة وسهلة التهميش.

كل هذه الاستراتيجيات تصطدم بشرط مادي واحد: الوقت. المرأة التي تعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً، وتدير أسرة بمفردها، وتكافح لتأمين الطعام والدواء والإيجار، لا تملك وقتاً للتنظيم. تحرير جزء من وقتها شرط مشاركتها، وهذا لا يتحقق بالوعظ، بل بتقاسم أعباء الرعاية والإنتاج: رعاية جماعية للأطفال، مطابخ مشتركة، ودعم مادي لتغطية تكاليف التنقل والمشاركة. أي حركة تريد تحالفاً حقيقياً مع النساء اللاجئات عليها أن تبدأ من هنا، وإلا بقيت دعواتها نخبوية تستبعد الأكثر فقراً.

النساء السودانيات في اللجوء فاعلات تاريخيات حقيقيات، لكن فاعليتهن محكومة بشروط لم يخترنها. يمارسن التضامن والمقاومة، ويبتكرن أشكالاً جديدة للتنظيم، ويبنين تحالفات مع قوى محلية ومهاجرة. لكن هذه الممارسات تظل محدودة ما دامت البنى الرأسمالية والأبوية والعنصرية التي تنتج لجوءهن قائمة. التحدي الأكبر أن تتحول هذه المقاومة اليومية إلى قوة منظمة قادرة على تغيير تلك البنى، ولن يتحقق ذلك إلا بربط نضال النساء اللاجئات بنضال العمال المحليين، وبنضال الشعب السوداني في الداخل، وبنضال الحركات التحررية العالمية. وكما قالت روزا لوكسمبورغ: "من لا يتحرك لا يشعر بقيوده، أما من يتحرك فيكتشف أن هذه القيود ليست أبدية، وأن كسرها يبدأ بمعرفة أنها قيود."

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...


المزيد.....




- بطرسبورغ تخصص مشروع -الجسور المغنية- للاحتفال بيوم الأسرة وا ...
- بلجيكا.. تجربة رائدة في رعاية ضحايا العنف الجنسي ومرافقتهم
- منزل بلا عنوان ثابت.. امرأة تترك منزلها على اليابسة للاستمتا ...
- الجزائر: حرقها أمام طفلتهما.. مقتل عمور سعيدة على يد زوجها
- “أنقذوا أختي من القتل”.. استغاثة مواطنة أردنية بالسلطات لحما ...
- الفلسطينية مريم بشارات تفوز بذهبية الدوري العالمي للكاراتيه ...
- سوريا: احتجاج نسائي للمطالبة بتمثيل عادل في مجلس الشعب
- قرد ينهش امرأة حتى الموت في جنوب روسيا (فيديو)
- دراسة جدلية جديدة تنفي صلة الباراسيتامول أثناء الحمل بالتوحد ...
- -لو فيغارو-: الاشتباه بامرأة ثلاثينية في تفجير موناكو والتحق ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 15. التنظيم الذاتي والمقاومة