أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين















المزيد.....

رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 13:43
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


تمهيد

ليست الأزمة السودانية أزمة دستور، ولا أزمة حوكمة، ولا أزمة تصميم مؤسسي للدولة، بل أزمة سلطة طبقية تشكلت تاريخياً حول احتكار الثروة والسلاح وأجهزة الدولة. ومع ذلك، تنطلق رؤية عبد الله حمدوك لإعادة تأسيس الدولة السودانية من افتراض مغاير، إذ تتعامل مع الانهيار بوصفه نتيجة خلل في بنية المؤسسات والقواعد الدستورية، وتقترح معالجته عبر عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والدولة المدنية، والفيدرالية، وإصلاح المؤسسة العسكرية، والعدالة الانتقالية، والحوكمة الرشيدة. وتبدو هذه المفاهيم، في ظاهرها، مشروعاً لإعادة بناء الدولة، لكنها تتجنب السؤال الذي يحدد طبيعة كل دولة في المجتمع الطبقي: من يملك السلطة الاقتصادية، ولصالح أي طبقة تعمل أجهزة الدولة؟

تنطلق هذه السلسلة من فرضية مختلفة، قوامها أن الدولة ليست كياناً محايداً يمكن إعادة تصميمه بإرادة دستورية مجردة، بل هي تعبير تاريخي عن ميزان القوى بين الطبقات الاجتماعية، وأن أي مشروع لإعادة تأسيسها يظل ناقصاً ما لم يبدأ من تحليل علاقات الملكية، وشكل التراكم الرأسمالي، والبنية الاجتماعية التي أنتجت الحرب والانهيار. فالمشكلة ليست في غياب دستور أفضل، وإنما في استمرار البنية الاقتصادية والسياسية التي تجعل الدستور نفسه انعكاساً لموازين القوة القائمة، لا وسيلة لتغييرها.

ومن هذا المنطلق، لا تتعامل هذه السلسلة مع وثيقة حمدوك بوصفها نصاً معزولاً، وإنما بوصفها تعبيراً عن رؤية سياسية واجتماعية تمثل قطاعاً من النخبة المدنية السودانية، وتعيد إنتاج المنهج الليبرالي الذي يفصل السياسي عن الاقتصادي، ويستبدل الصراع الطبقي بالتوافق الوطني، ويحوّل سؤال السلطة إلى سؤال إدارة، وسؤال الملكية إلى سؤال حوكمة، وسؤال الثورة إلى سؤال إصلاح مؤسسي. لذلك لا يقتصر النقد على تفكيك الركائز التي تقوم عليها الوثيقة، بل يمتد إلى الأسس الفكرية التي تنتجها، وإلى الموقع الطبقي الذي يمنحها معناها وحدودها.

تتناول حلقات السلسلة، تباعاً، مفهوم الدولة، والعقد الاجتماعي، والدولة المدنية، والديمقراطية الليبرالية، والمواطنة، والعلمانية، والفيدرالية، والجيش، والعدالة الانتقالية، والحوكمة، والإمبريالية، واقتصاد الحرب، والقبيلة، والتطور التاريخي للدولة السودانية، والأزمة الإنسانية، وصولاً إلى برنامج انتقالي يطرح بديلاً يستند إلى تنظيم العمال والفلاحين والكادحين، وإلى إعادة بناء السلطة على أساس السيطرة الشعبية على الموارد الاستراتيجية، لا على أساس إعادة توزيع المناصب داخل البنية القائمة.

لا تستهدف هذه السلسلة مناقشة الأشخاص أو النوايا، وإنما تحليل الأفكار بوصفها نتاجاً لشروط اجتماعية وتاريخية محددة. فالسؤال الذي يحكم جميع حلقاتها ليس كيف تُكتب الدساتير، بل كيف تُنتج السلطة، ومن يملكها، ولصالح من تعمل. ومن دون الإجابة عن هذا السؤال، تبقى كل مشاريع إعادة تأسيس الدولة، مهما بلغت دقتها القانونية، إعادة تنظيم للشكل السياسي مع بقاء الأساس الطبقي الذي ولّد الأزمة من دون مساس.

وكما كتب فريدريك إنجلز: "الدولة ليست بأي حال قوة فُرضت على المجتمع من خارجه، ولا هي واقع الأخلاق ولا صورة العقل وحقيقته ، كما يزعم هيغل. إنما هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ وهي اعتراف بأن هذا المجتمع قد تورط في تناقض مع نفسه لا يستطيع حله، وانقسام إلى أضداد لا يمكن التوفيق بينها."

1.والدولة ليست دستوراً بل سلطة طبقية

تبدأ وثيقة عبد الله حمدوك من فرضية أن السودان يعاني أزمة مؤسسات، وأن الحل يكمن في إعادة تصميم الدولة عبر دستور جديد وعقد اجتماعي يضمن المواطنة المتساوية والحوكمة الرشيدة. غير أن هذه الفرضية، رغم أناقتها النظرية، تقوم على تجاهل تام للسؤال الأكثر جوهرية: أي طبقة تملك وسائل الإنتاج في السودان؟ ومن يسيطر فعلياً على أجهزة الدولة، ولصالح من تعمل؟ فالدولة، في التحليل المادي الجدلي، ليست ساحة محايدة توزع العدالة بين مكونات المجتمع، بل هي جهاز للسيطرة الطبقية يجمع بين القسر والإدارة وإعادة إنتاج علاقات الإنتاج، تعبر عن مصالح الطبقة المسيطرة اقتصادياً وتعكس في بنيتها ووظائفها علاقات القوة القائمة في قاعدة الإنتاج. وكما كتب ماركس وإنجلز في "الأيديولوجيا الألمانية": "وبما أن الدولة هي ذلك الشكل الذي يحقق فيه الأفراد المنتسبون إلى الطبقة السائدة مصالحهم المشتركة، والذي يجد فيه المجتمع المدني كله في عهد معين تعبيره المكثف." لذلك فإن الحديث عن إصلاح الدولة دون مساءلة من يملكها هو حديث عن تجميل واجهة البيت بينما تبقى غرفه ملكاً للناهبين.

وليس هذا الكلام تنظيراً مجرداً، بل هو ما تثبته قراءة تاريخ الدولة السودانية منذ الاستقلال. ففي عام 1956، انتقلت رايات الاستقلال من المستعمر البريطاني إلى نخبة وطنية سرعان ما أعادت إنتاج العلاقة الاستعمارية نفسها مع الهامش، حيث ظلت الثروة الزراعية في يد كبار المزارعين والتجار المرتبطين بالسوق العالمي، وظلت السلطة السياسية حكراً على نخب وادي النيل التي تناوبت على الحكم دون أن تمس علاقات الملكية الأساسية. وفي 1969، جاءت حركة مايو تحت شعارات الاشتراكية والتغيير، لكنها سرعان ما تحولت إلى نظام عسكري رأسمالي أعاد توزيع الامتيازات بين ضباطه وشركائهم التجاريين، دون أن تغير طبيعة التبعية الاقتصادية للسودان للرأسمال العالمي. أما نظام الإنقاذ الذي استمر ثلاثة عقود، فقد جمع بين الأيديولوجيا الدينية والتراكم الرأسمالي الطفيلي، وخلق تحالفاً عجيباً بين الإسلام السياسي ورأسمالية الدولة والمؤسسة العسكرية، ورسخ نموذجاً للاستغلال يقوم على نهب الموارد العامة باسم المشروع الحضاري.

واندلعت الثورة السودانية في ديسمبر 2018 لتفتح نافذة أمل، لكنها سرعان ما اصطدمت بالحقيقة ذاتها: أن تغيير الرموز والشعارات السياسية لا يغير طبيعة السلطة ما دامت البنية الاقتصادية التي تنتجها قائمة. فقد بقيت المؤسسة العسكرية محتفظة بامتداداتها الاقتصادية والسياسية، وبقيت شبكات الرأسمال الطفيلي قادرة على إعادة إنتاج نفسها تحت غطاء التحول الديمقراطي. ولم يكن انهيار الاتفاق الإطاري وانفجار الحرب الحالية سوى تعبير عن هذا التناقض: فالدولة التي لم تُبنَ على قاعدة اقتصادية شعبية لا يمكنها أن تصمد أمام اختبار السلاح؛ لأنها حين تواجه صراعاً حقيقياً على الثروة والسلطة، تنكشف واجهتها المؤسسية لتظهر حقيقة أنها مجرد إطار قانوني فوق بنية من الاحتكار والاستغلال.

وهنا تبرز نقطة جوهرية تغفلها وثيقة حمدوك تماماً: أن إعادة تأسيس الدولة لا تبدأ بكتابة الدستور، بل بتحليل من يملك الأرض، ومن يسيطر على الذهب، ومن يحتكر التجارة الخارجية، ومن يتحكم في البنوك والشركات العسكرية. فالدستور في النهاية ليس سوى تعبير قانوني عن موازين القوى القائمة؛ فإذا ظلت موازين القوى نفسها، فالدستور الجديد سيكون مجرد غطاء جديد للهيمنة القديمة. وإذا تغيرت موازين القوى بتغير علاقات الملكية، فإن الدستور الجديد سيعكس ذلك التغير تلقائياً. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة يبدأ من الدستور ويغفل السلطة الطبقية، هو مشروع معكوس منهجياً، يضع النتيجة في موضع السبب، ويتعامل مع انعكاس العلاقات الاجتماعية على أنه أصلها.

إن السؤال الذي كان ينبغي لوثيقة حمدوك أن تبدأ به ليس "كيف نكتب دستوراً جديداً؟"، بل "كيف نعيد توزيع الثروة؟" و"كيف نفكك احتكار السلاح والمال؟" و"كيف نخرج الدولة من قبضة النخب التي تستخدمها لخدمة مصالحها الضيقة؟" و"كيف نجعل أجهزة الدولة خادمة للكادحين لا حارسة لامتيازات الناهبين؟". الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم صراعاً طبقياً حاسماً، لا مجرد جلسات حوارية ومؤتمرات تأسيسية. ذلك أن من يملكون السلطة والثروة لن يتخلوا عنها طواعية بموجب نصوص دستورية، مهما كانت أنيقة الصياغة. فلا يُحسم موقع الدولة بالتفاوض وحده، بل بموازين القوى الاجتماعية والسياسية التي تحدد نتائج أي تفاوض. وكما كتب لينين في "الدولة والثورة": "إن جميع الإنقلابات قد أتقنت هذه الآلة بدلاً من أن تحطمها... إن الأحزاب التي خلقت بعضها بعضا في النضال من أجل السيادة كانت ترى في الاستيلاء على صرح الدولة الهائل الغنيمة الرئيسية في حال انتصارها." فمن يكتفي بإعادة ترتيب أثاث البيت دون هدمه إنما يضمن عودة سكانه القدامى بأقنعة جديدة.

ولهذا فإن وثيقة حمدوك، رغم لغتها الديمقراطية ومفرداتها الحداثية، تظل أسيرة المنطق الليبرالي الذي يرى في الدولة أداة للإصلاح وليس أداة للسيطرة الطبقية. إنها تتعامل مع أعراض الأزمة (انهيار المؤسسات، ضعف الحوكمة، غياب الدستور) وتتجاهل مرضها الجوهري (احتكار الطبقة المسيطرة لوسائل الإنتاج وأجهزة الدولة). وهي بذلك تقدم وهم الحل لمن يبحثون عن مخارج سريعة، بينما تغلق الطريق أمام السؤال الوحيد القادر على فتح أفق حقيقي للتغيير: كيف ننتزع الدولة من أيدي الناهبين ونجعلها أداة في يد المنتجين؟

فالدولة ليست كتابة دستور، بل إعادة تشكيل ميزان القوى الذي يكتب الدستور نفسه. وما لم تنتقل السلطة الاقتصادية والسياسية من النخب المسيطرة إلى المنتجين الحقيقيين، فإن كل إعادة تأسيس ستظل إعادة إنتاج للأزمة في صورة جديدة، وكل عقد اجتماعي سيبقى وثيقة فوق بنية من الاستغلال لا تغير شيئاً في جوهر العلاقات التي تنتج الحرب والفقر والانهيار.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية
- 16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
- 15. التنظيم الذاتي والمقاومة
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها


المزيد.....




- أمريكا تكشف عن مقاطع فيديو رُفعت عنها السرية للأجسام الطائرة ...
- عون: لبنان سيمضي في المفاوضات
- الجثث المجهولة الهوية.. فصل معاناة جديد
- وزير الخارجية الإيراني يزور سلطنة عُمان لبحث تطورات مضيق هرم ...
- الجيش الصومالي يصدر بيانا بعد فيديو مهين لأمريكا
- 5 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يعلنون توصلهم لاتفاق مع البي ...
- -ميدل إيست أي-: روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة في ...
- واشنطن تخطط لبناء أسطول جوي حكومي خاص بالترحيل ونقل المسؤولي ...
- الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد يومين من الضربات المتبادلة ...
- جهود لإحياء الوساطة... ترامب يوافق على استئناف المفاوضات وطه ...


المزيد.....

- كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل ... / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان / سيد صديق
- تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ ... / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- المثقف العضوي و الثورة / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمري
- العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967 / عادل العمري
- المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال ... / منى أباظة
- لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية / مزن النّيل
- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين