عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 02:42
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
بعد تفكيك وهم "العقد الاجتماعي" بوصفه أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي، تنتقل وثيقة حمدوك إلى مفهوم لا يقل أهمية في الخطاب السياسي السوداني الراهن: "الدولة المدنية". يظهر هذا المفهوم في قلب الوثيقة، حيث يعلن حمدوك أن رؤيته تهدف إلى "عقد اجتماعي جديد لدولة مدنية ديمقراطية وتنموية"، ويعيد التأكيد في موضع آخر أن "الدولة المدنية الديمقراطية التنموية هي الطريق الوحيد لإخراج السودان من دوامة الحروب والانقسامات". في الظاهر، يبدو هذا الشعار تعبيراً عن مشروع حداثي يتجاوز الاستبداد العسكري والشمولية الدينية، لكن السؤال الذي تتجنبه الوثيقة، والذي يحكم أي تحليل مادي جدلي لهذا المفهوم، ليس "هل الدولة المدنية أفضل من الدولة العسكرية؟"، بل "مدنية لمن؟ ولصالح أي طبقة تعمل؟".
فالدولة المدنية، في الأدبيات الليبرالية، تعني الدولة التي تقوم على فصل السلطات، وسيادة القانون، واحترام الحقوق الفردية، والتعددية السياسية، والحكومة المنتخبة. وهي بهذا المعنى تُطرح كبديل عن الدولة العسكرية أو الدولة الدينية. لكن التحليل المادي الجدلي يضطرنا إلى التساؤل: هل هذا الشكل من الدولة، بمفرده، يغير من طبيعة السلطة الطبقية؟ في المجتمعات الرأسمالية، تتخذ الدولة المدنية في الغالب شكل الدولة البرجوازية التي تقوم على حماية الملكية الخاصة وإعادة إنتاج علاقات الإنتاج القائمة، وهو ما يعنيه ماركس حين يصف الدولة السياسية بأنها لا تلغي الملكية الخاصة والاختلافات الاجتماعية، بل تفترض وجودها وتستمر على أساسها. فالعلاقة بين الشكل المدني للدولة والمضمون الرأسمالي ليست علاقة ضرورة مطلقة، بل هي علاقة تاريخية غالبة: حيثما قامت دولة مدنية في إطار رأسمالي، أدت في الغالب وظيفة حماية النظام الاقتصادي القائم وإدارة صراعاته، لا تجاوزه.
وكما يوضح نيكوس بولانتزاس، فإن الدولة ليست أداة بسيطة في يد الطبقة المسيطرة، بل هي التكثيف المادي لعلاقات القوى بين الطبقات، تعمل على إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية من خلال الفصل بين السياسي والاقتصادي، مما يوهم المواطنين بأنهم أحرار في اختيار حكامهم بينما تبقى قرارات الثروة والإنتاج خارج سيطرتهم. وهذا ما يفسر كيف تستمر، في كثير من الديمقراطيات الليبرالية، هيمنة رأس المال على الدولة عبر تمويل الحملات الانتخابية، وهيمنة الإعلام المملوك للشركات، والتأثير في السياسات الاقتصادية التي تخدم مصالح الفئات الأكثر ثراءً. فالديمقراطية البرلمانية، داخل النظام الرأسمالي، لا تلغي الاستغلال؛ إنها تديره بأشكال أكثر أناقة وشرعية.
والدولة المدنية التي تطرحها وثيقة حمدوك، وهي تغفل هذه الحقيقة، ليست مشروعاً لتحرير الكادحين، بل مشروعاً لإعادة تنظيم شكل الدولة مع بقاء مضمونها الطبقي على حاله، أي استبدال الحكم العسكري المباشر بإدارة برجوازية أكثر كفاءة للصراع الطبقي. لم يكن هذا التحول غائباً عن التاريخ السوداني نفسه. ففي تجارب سابقة، جُرّب النموذج المدني بأشكال مختلفة، من الحكومات البرلمانية في الخمسينيات والستينيات إلى التجربة الانتقالية 2019-2021، لكنه في كل مرة اصطدم بالحقيقة ذاتها: أن الدولة المدنية، في غياب تغيير جذري في علاقات الملكية وميزان القوى، تتحول إلى واجهة للهيمنة القديمة.
ففي الفترة الانتقالية، كانت هناك وثيقة دستورية وحكومة مدنية انتقالية، بينما ظل المجلس التشريعي الانتقالي غائباً، لكن المؤسسة العسكرية ظلت محتفظة بامتداداتها الاقتصادية والسياسية، وظلت شبكات الرأسمال الطفيلي قادرة على إعادة إنتاج نفسها، وظلت قرارات الاقتصاد الكلي تُتخذ وفق وصفات البنك الدولي وصندوق النقد، وليس وفق احتياجات الجماهير الكادحة. وهذا يفسر لماذا لم تصمد تلك التجربة، وسرعان ما انهار الاتفاق الإطاري، ثم انفجرت الحرب لتعيد إنتاج الهيمنة العسكرية بأشكال أكثر عنفاً.
تؤكد تجارب دولية عديدة هذه الحقيقة. ففي الديمقراطيات الغربية المستقرة، وفي تجارب الانتقال من الديكتاتورية في أميركا اللاتينية، وفي حالة المصالحة في جنوب أفريقيا، يُظهر المسار المشترك أن التحول المدني، حين يُفصل عن تحول جذري في علاقات الملكية، يعيد إنتاج التفاوت القديم بأشكال جديدة. ففي فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، تقوم أنظمة دستورية مدنية على انتخابات دورية وتعددية سياسية، لكن الثروة والنفوذ الاقتصادي يظلان متركزين، بدرجات متفاوتة، في أيدي أقلية تمتلك رأس المال، بينما تبقى القرارات الكبرى المتعلقة بالاستثمار والإنتاج والائتمان خارج نطاق الرقابة الديمقراطية المباشرة. وفي البرازيل والأرجنتين وتشيلي، انتقلت الديكتاتوريات العسكرية إلى ديمقراطيات مدنية، لكن البنية الاقتصادية للاستغلال والتبعية بقيت قائمة. وفي جنوب أفريقيا، أنهى الانتقال الديمقراطي نظام الفصل العنصري سياسياً، لكنه لم يُحدث تحولاً جذرياً في بنية الملكية، فاستمرت التفاوتات الاقتصادية العميقة. وتبين هذه التجارب أن "المدنية" في حد ذاتها ليست ضماناً للعدالة الاجتماعية، بل قد تتحول إلى إطار سياسي يعيد إنتاج علاقات الهيمنة ما لم تقترن بتحولات في البنية الاقتصادية والاجتماعية.
يقودنا هذا إلى سؤال أكثر جوهرية: إذا كانت الدولة المدنية، في غياب تغيير جذري في علاقات الملكية، مجرد دولة برجوازية جديدة، فما البديل؟ البديل لا يتمثل في رفض المدنية بوصفها قيمة، بل في رفض فصلها عن سؤال الطبقة والملكية. فالدولة التي يحتاجها السودان ليست دولة مدنية مجردة، بل دولة تخضع فيها القرارات الاقتصادية الأساسية لرقابة شعبية، وتُعاد فيها توزيع الثروة على أساس العدالة لا على أساس السوق، وتُفكك فيها الامتدادات الاقتصادية للجيش والميليشيات، وتُستعاد فيها الموارد الاستراتيجية إلى الملكية العامة تحت إدارة شفافة وخاضعة للمساءلة. هذه الدولة قد تكون مدنية في شكلها، لكنها ليست مدنية بالمعنى الليبرالي؛ إنها دولة تمثل قطيعة مع الدولة البرجوازية، وتعمل لصالح الطبقات الكادحة، وليس لصالح النخب المسيطرة.
هذا التمييز هو ما تغفله وثيقة حمدوك، وما يجعل مشروعها أقرب إلى مشاريع التسوية الإصلاحية التي تكررت في تاريخ السودان دون أن تغير شيئاً في جوهر الأزمة. فالدعوة إلى "دولة مدنية ديمقراطية" دون طرح سؤال الملكية، ودون مواجهة التبعية للإمبريالية، ودون تفكيك اقتصاد الحرب، ودون إشراك العمال والفلاحين في صناعة القرار، هي دعوة لتزيين السجن لا لكسره. وكما كتب غرامشي، فإن الهيمنة لا تُمارس فقط بالقوة العسكرية، بل عبر إعادة إنتاج وعي الطبقة المسيطرة كوعي عام. والدولة المدنية في وثيقة حمدوك، من هذا المنظور، تعمل كأيديولوجيا جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة: فهي توحي بأن المشكلة قد حُلت بمجرد تغيير شكل الحكم، بينما تبقى علاقات الاستغلال كما هي.
السودان اليوم ليس بحاجة إلى نموذج دولة مدنية مستورد، بل إلى مشروع يتصدى للأسئلة التي تتجنبها وثيقة حمدوك: لمن تكون الدولة؟ ولمن تعمل مؤسساتها؟ ومن يملك قراراتها الاقتصادية؟ وكيف يمكن تحويل الدولة من أداة للنهب إلى أداة للتنمية العادلة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم صراعاً طبقياً واضحاً، لا مجرد نقاش دستوري حول شكل الدولة. وكما كتب لينين في "الدولة والثورة": "تحطيم آلة الدولة هو الشرط الأول لكل ثورة شعبية حقيقية."
وهذا لا يعني أن الديمقراطية والحقوق المدنية غير مهمة، بل يعني أنها لا تكفي، وأنها تصبح أداة للخداع حين تُفصل عن العدالة الاقتصادية. فحق الانتخاب لا قيمة له إذا كان الناخب جائعاً، وحرية التعبير لا معنى لها إذا كانت وسائل الإعلام مملوكة للنخب، واستقلال القضاء لا يكفي إذا كان القانون نفسه يحمي الملكية الخاصة على حساب الحق في الحياة والكرامة. الدولة التي يحتاجها السودان ليست دولة توزع الحقوق الشكلية على مواطنين جائعين، بل دولة تعيد توزيع الثروة والسلطة على أساس العدالة، وتجعل المنتجين الحقيقيين هم أصحاب القرار في مستقبل بلادهم.
فالدولة المدنية في وثيقة حمدوك، رغم لغتها الحداثية، ليست قطيعة مع الدولة الطبقية، بل إعادة تنظيم لشكلها السياسي مع بقاء مضمونها الاجتماعي والاقتصادي على حاله. ولذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل نريد دولة مدنية؟ بل: دولة مدنية لمن؟ ولصالح أي طبقة تعمل؟ وما لم يُطرح سؤال الملكية وسؤال السلطة الطبقية في قلب أي مشروع لإعادة التأسيس، وما لم تُعاد صياغة الدولة على أساس مصالح المنتجين الحقيقيين لا مصالح النخب المسيطرة، فإن كل حديث عن "الدولة المدنية" سيظل تغييراً في الشكل مع بقاء جوهر الهيمنة كما هو. فالدولة المدنية ليست حلاً ما لم تكن دولة للكادحين، تجعل الثروة والسلطة خاضعتين لإرادة المجتمع لا لاحتكار رأس المال أو امتيازات النخب.
وبغياب هذا المنظور عن وثيقة حمدوك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تنتهي النخبة المدنية، رغم اختلاف شعاراتها، إلى مشاريع إصلاحية تُبقي البنية الطبقية على حالها؟ وما الذي يجعلها تكتفي بإعادة تنظيم شكل الدولة بدلاً من المساس بجوهر علاقات السلطة والملكية؟ هذا هو السؤال الذي تقودنا إليه الحلقة التالية، والتي تتناول الموقع الطبقي للبرجوازية الصغيرة المدنية، ودورها التاريخي في إنتاج مشاريع التسوية والإصلاح المؤسسي، ولماذا تعجز، بحكم موقعها الاجتماعي، عن تجاوز أفق الدولة البرجوازية نحو مشروع تحرري للكادحين.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟