أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - عماد حسب الرسول الطيب - 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة















المزيد.....

4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 02:51
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


بعد أن فكّكت الحلقات السابقة وهم "العقد الاجتماعي" وحدود "الدولة المدنية"، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا تنتج النخبة المدنية، التي يمثلها حمدوك، مشاريع إصلاحية تكتفي بتغيير شكل الدولة دون المساس بجوهر علاقات الملكية والسلطة؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحليلاً للموقع الطبقي لهذه النخبة، وتحديداً موقع "البرجوازية الصغيرة" في البنية الاجتماعية السودانية. فهذه الطبقة كانت، بمختلف شرائحها، من أكثر الفاعلين السياسيين حضوراً في تاريخ السودان، كما ارتبطت أغلب مشاريعها بعجزٍ عن إنجاز مهمة بناء الدولة الوطنية الحديثة. وهذا العجز هو تعبير عن حدودها البنيوية المرتبطة بموقعها في علاقات الإنتاج والسلطة.

البرجوازية الصغيرة، كما يحددها التحليل المادي الجدلي، هي طبقة بينية تقع بين البرجوازية الكبيرة والطبقة العاملة، وتضم شرائح متباينة من صغار المنتجين والملاك والتجار والحرفيين، إلى جانب شرائح من المهنيين والموظفين والإداريين الذين يشغلون مواقع اجتماعية وسيطة بحكم موقعهم في تقسيم العمل ومستوى تعليمهم، رغم اعتماد كثير منهم على بيع قوة عملهم. وهذا التباين الداخلي، الذي يجمع بين قطاعات تملك وسائل إنتاج صغيرة وأخرى تعيش من العمل المأجور، يمنح الطبقة موقعاً متذبذباً يجعلها تتأرجح بين مصالح الرأسمال ومطالب الكادحين. وفي السياق السوداني، لم تنشأ هذه الطبقة من قلب عملية إنتاج وطنية، بل من جهاز الدولة الاستعمارية والتعليم الوظيفي والتجارة الصغيرة والاقتصاد الطفيلي المرتبط بالمركز. وهذا ما جعل علاقتها بالدولة علاقة استهلاك لا بناء، وعلاقة تطلع إلى امتيازات الدولة أكثر من كونها علاقة إنتاج وتنمية.

وحين تعجز البرجوازية الصغيرة عن تقديم حلول مادية للتناقضات الاجتماعية، تلجأ إلى البدائل الأيديولوجية: الدين، أو الوطنية، أو الحداثة الشكلية، أو حتى الخطاب الثوري المجرد. وكل هذه الأدوات تعمل على إنتاج وعي زائف يُخفي الصراع الطبقي الحقيقي، ويحوّله إلى صراع أخلاقي أو هوياتي. وهذا ما يفسر ميل قطاعات واسعة من هذه الطبقة إلى إنتاج مشاريع "توافقية" تهدف إلى جمع الأطراف المتصارعة حول طاولة واحدة، بدلاً من الانحياز إلى جانب الكادحين في صراعهم ضد النخب المسيطرة. فالبرجوازية الصغيرة، بحكم موقعها الوسيط، تخاف التغيير الجذري لأنه يهدد امتيازاتها الهشة ويفتح المجال أمام الطبقات المنتجة لأخذ زمام المبادرة. لذلك تفضل دائماً التسويات والإصلاحات الشكلية والانتقالات الناعمة، حتى وإن أعادت إنتاج الاستبداد نفسه بأقنعة جديدة.

وهذه السمة ليست جديدة في تاريخ السودان. فمنذ الاستقلال، ظلت شرائح البرجوازية الصغيرة المختلفة تمثل القوة الاجتماعية الأبرز داخل معظم التجارب السياسية المتعاقبة، من الحكومات البرلمانية في الخمسينيات والستينيات، مروراً بمايو، ثم الإنقاذ، وصولاً إلى الفترة الانتقالية بعد 2019، رغم اختلاف التكوين الطبقي لهذه الأنظمة وتحالفاتها السياسية مع البرجوازية التجارية والعسكرية والطائفية من مرحلة إلى أخرى. غير أنها في كل مرة أعادت إنتاج الدائرة الشريرة نفسها: انقلاب عسكري، ثم فترة انتقالية، ثم ديمقراطية هشة سرعان ما تدخل في أزمة، ثم انقلاب عسكري جديد. والسبب أن هذه الطبقة، بحكم موقعها البنيوي، لم تطرح يوماً مشروعاً اقتصادياً وطنياً قائماً على الإنتاج، بل ظلت تجاربها السياسية تشتغل على إدارة الفقر لا القضاء عليه، وتوزيع السلطة لا إعادة بناء الاقتصاد، والاعتماد على الخطاب الأيديولوجي بدلاً من التخطيط التنموي. ولهذا تحولت الدولة في يدها إلى غنيمة، لا إلى أداة للتنمية.

تتخذ هذه السمة شكلها الأكثر تعقيداً في حالة النخبة المدنية التي يمثلها حمدوك. فهذه النخبة ليست برجوازية صغيرة بالمعنى الكلاسيكي الذي يشمل صغار الملاك والحرفيين، بل هي شريحة من البرجوازية الصغيرة المهنية المدينية، تشكلت عبر التعليم الجامعي والوظائف الحكومية والمهن الحرة واندماجها في فضاء المؤسسات الدولية. وهي تتميز عن غيرها من شرائح البرجوازية الصغيرة بأنها تمتلك رأس مال ثقافي ورمزي أكثر منه رأس مال اقتصادي، مما يجعلها تميل إلى الحلول المؤسسية والدستورية التي تمنحها دوراً مركزياً في إدارة الدولة. وفي الوقت نفسه، فإن ارتباطها المهني والسياسي بالمؤسسات المالية الدولية، كما في حالة حمدوك الذي عمل في الأمم المتحدة واللجنة الاقتصادية لأفريقيا، ينسجم مع تبنيها خطاباً تنموياً مستورداً لا يمس جوهر علاقات التبعية والإنتاج. فهي تتحدث عن "الحوكمة" و"الشفافية" و"الشراكة" و"الاستثمار"، وهي مفردات شائعة في أدبيات الإصلاح المؤسسي التي تتبناها المؤسسات المالية الدولية، بينما تغيب عن خطابها مفردات مثل "التأميم" و"إعادة التوزيع" و"السيطرة الشعبية على الموارد".

وهذا يفسر لماذا تنتج هذه النخبة مشاريع إصلاحية تبدو، في ظاهرها، تقدمية، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج البنية الطبقية القائمة. فالدعوة إلى "الدولة المدنية" و"المواطنة المتساوية" و"الفيدرالية" و"العدالة الانتقالية"، في غياب أي مساس بعلاقات الملكية، ليست أكثر من محاولة لتحديث أشكال الهيمنة دون تغيير جوهرها. إنها تعبير عن موقع طبقي لا يريد تحرير الكادحين، بل يريد إدارة الصراع الطبقي بكفاءة أكبر، وامتصاص غضب الجماهير عبر وعود دستورية وحقوق شكلية، بينما تبقى الثروة والسلطة في أيدي الناهبين. وكما كتب أنطونيو غرامشي، فإن الهيمنة لا تُمارس فقط بالقوة، بل عبر إعادة إنتاج وعي الطبقة المسيطرة كوعي عام. والنخبة المدنية التي يمثلها حمدوك، من هذا المنظور، لا تختلف عن غيرها من النخب التي مارست الهيمنة في تاريخ السودان؛ إنها تختلف فقط في الأدوات الأكثر حداثة التي تستخدمها، وفي اللغة الأكثر أناقة التي تخاطب بها الجماهير.

وأخطر ما في هذا الموقع الطبقي هو انفصال النخبة المدنية عن الجماهير الكادحة، حيث تتحدث باسم "الشعب"، لكن موقعها الاجتماعي يجعل مقاربتها لقضايا الكادحين تمر غالباً عبر إصلاحات مؤسسية لا عبر إعادة بناء علاقات الإنتاج. فهي تدافع عن "العدالة"، لكنها لا تلامس آليات إعادة توزيع الثروة، وتنادي بـ"التنمية"، لكنها لا تطرح برنامجاً لتأميم الموارد أو كسر الاحتكارات أو إعادة هيكلة الاقتصاد. وهذا الانفصال يفسر لماذا تفشل كل مشاريعها في النهاية، ولماذا يبقى السودان غنياً بموارده فقيراً بدولته. ففي تجاربها المتعاقبة، حاولت هذه النخبة بناء دولة بلا اقتصاد منتج، أو عدالة اجتماعية، أو تفكيك حقيقي لبنية الهيمنة الموروثة من الاستعمار. وليس ذلك نتيجة قصور أخلاقي أو ضعف إداري، بل تعبير عن حدودها الطبقية التي تجعلها عاجزة عن تجاوز أفق الإصلاح داخل الدولة البرجوازية. فالدولة التي يحتاجها السودان ليست دولة تدير الفقر، بل دولة تعمل على تفكيك البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تعيد إنتاجه، وهذا يتطلب تحالفاً اجتماعياً جديداً تقوده القوى المنتجة، ويُعاد فيه تعريف الدولة بوصفها أداة للتنمية والعدالة، لا منصة للخطابة السياسية أو غنيمة للنخب.

لكن إذا كانت البرجوازية الصغيرة عاجزة، بحكم موقعها الطبقي، عن تجاوز أفق الإصلاح وإعادة إنتاج الدولة البرجوازية، فإن سؤالاً آخر يفرض نفسه: لماذا تبدو الديمقراطية الليبرالية، التي تتبناها هذه النخب، عاجزة هي الأخرى عن تحقيق العدالة الاجتماعية؟ وهل يكمن الخلل في الأشخاص والسياسات، أم في البنية الطبقية للديمقراطية الليبرالية نفسها؟ وبذلك لا تعود الديمقراطية الليبرالية مجرد خيار دستوري تتبناه هذه النخبة، بل تصبح التعبير السياسي الأكثر انسجاماً مع حدود موقعها الطبقي، وهو ما يقود مباشرة إلى تحليل العلاقة بين الديمقراطية البرلمانية والرأسمال، وحدود الإصلاح السياسي في ظل استمرار السيطرة الطبقية، وهو موضوع الحلقة الخامسة.

وقد عبّر لينين عن هذه الحقيقة بدقة حين كتب أن البرجوازية الصغيرة تتأرجح دائماً بين البرجوازية والبروليتاريا، لأنها تعكس في موقعها الاجتماعي تناقضات المجتمع الرأسمالي نفسه. وهذا التذبذب ليس ضعفاً أخلاقياً، بل تعبيراً بنيوياً عن علاقتها المزدوجة بوسائل الإنتاج، مما يجعلها عاجزة عن قيادة أي تحول جذري، وقادرة فقط على إنتاج مشاريع تدير الأزمة دون أن تحلها.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
- 2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
- رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين
- 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية
- 16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
- 15. التنظيم الذاتي والمقاومة
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب


المزيد.....




- الجيش الأمريكي يكشف كواليس -تعطيل أول سفينة منذ إعادة الحصار ...
- -ترامب يدرس خيارات لتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران-.. مصدر ...
- الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدعو لوقف الهجمات على المنشآت ...
- طفيلي يسبب إسهالا حادا يصيب آلاف الأشخاص في 34 ولاية أمريكية ...
- WSJ: ترامب ينوي توسيع العمليات العسكرية والاستيلاء على جزر خ ...
- موسكو: الغرب شريك في جرائم كييف بتشجيعه -جنون- نظام زيلينسكي ...
- -عديني يا أمريكا-.. بايدن يعلن قرب صدور مذكرات توثق سنوات حك ...
- كيف توسعت إسرائيل داخل قطاع غزة؟
- تغيير جغرافي وديموغرافي.. الاحتلال يحشر مليوني فلسطيني في 36 ...
- القناة الـ13: -الشاباك- يوافق على حماية سارة نتنياهو مدى الح ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - عماد حسب الرسول الطيب - 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة