عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 01:57
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
بعد أن تبينت حدود المواطنة المتساوية والفصل بين الدين والدولة في معالجة جذور الأزمة السودانية، تنتقل وثيقة حمدوك إلى ركيزة تبدو الأكثر ارتباطاً بجوهر الصراع: الفيدرالية. فهي، في ظاهرها، تُقدَّم بوصفها حلاً للتهميش الجهوي الذي طال الأطراف على حساب المركز، وتعد بتوزيع السلطة والموارد بين الأقاليم. في الظاهر، يبدو هذا المطلب تعبيراً عن عدالة مكانية وتوزيعية؛ فمن يستطيع أن يعترض على نظام يمنح دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة نصيباً من السلطة والثروة؟ لكن السؤال الذي تتجنبه الوثيقة، ويشكل جوهر أي تحليل مادي جدلي لهذا المفهوم، ليس "هل الفيدرالية أفضل من المركزية؟"، بل "أي فيدرالية؟ ولصالح أي طبقة؟ وفي أي سياق تاريخي؟"
فالفيدرالية، في الأدبيات الليبرالية، تعني نظاماً لتوزيع السلطات بين حكومة مركزية ووحدات إقليمية تتمتع بحكم ذاتي في مجالات محددة. وهي بهذا المعنى تُطرح كآلية لإدارة التنوع الجغرافي والثقافي، وتقريب القرار من المواطنين، ومنع تمركز السلطة في العاصمة. غير أن التحليل المادي الجدلي يضطرنا إلى التساؤل: هل هذا التوزيع الإداري للسلطات، بمفرده، كافٍ لتحقيق العدالة في توزيع الثروة والموارد؟ أم أنه، في سياق رأسمالي وفي مجتمع يخضع لعلاقات قوة معقدة، قد يتحول إلى مجرد "لامركزية للفقر"، حيث تُنقل أعباء الإدارة إلى الأقاليم دون نقل أدوات التنمية أو مصادر الإيرادات الكافية، بينما تبقى الثروة الحقيقية (الذهب، الأرض، النفط، الموانئ) مركزة في أيدي النخب المركزية والمحلية على حد سواء؟
وهنا تبرز حقيقة أساسية يغفلها الخطاب الفيدرالي التقليدي: أن الفيدرالية ليست مجرد توزيع للسلطات الإدارية، بل هي قبل كل شيء مسألة تتعلق بتوزيع الثروة وملكية وسائل الإنتاج. فالإقليم الذي يحصل على صلاحيات إدارية أوسع، لكنه يظل محروماً من السيطرة على موارده الطبيعية، أو يظل خاضعاً لشبكات الاحتكار والنهب التي تديرها النخب المركزية، لا يكون قد حصل على شيء ذي قيمة. بل قد يتحول إلى مجرد إدارة للفقر، حيث تُلقى على عاتقه مسؤولية تقديم الخدمات للمواطنين دون أن يمتلك الموارد اللازمة للقيام بذلك. وكما أوضح غرامشي، فإن الهيمنة لا تُمارس فقط عبر أجهزة الدولة، بل أيضاً عبر السيطرة على مؤسسات المجتمع المدني وصناعة القبول الاجتماعي، بينما يظل التحكم في فائض القيمة قائماً عبر البنية الاقتصادية التي تحميها الدولة. والفيدرالية، حين تُفصل عن إعادة توزيع الملكية والثروة، يمكن أن تصبح أداة جديدة لإعادة إنتاج السيطرة، تمنح الأطراف وهم المشاركة بينما تبقى القرارات الاقتصادية الأساسية في أيدي المركز.
وتأخذ هذه الإشكالية شكلاً أكثر تعقيداً في السياق السوداني. فالسودان ليس مجرد دولة متنوعة جغرافياً، بل هو دولة نُهبت فيها موارد الأطراف لقرون لصالح المركز، وأعيد إنتاج التهميش عبر أنظمة حكم متعاقبة، من الإدارة الاستعمارية إلى دول ما بعد الاستقلال. فدارفور، والنيل الأزرق، وجبال النوبة، وشرق السودان، لم تكن مجرد مناطق مهمشة إدارياً، بل كانت مناطق منهوبة الثروات، ومحرومة من الاستثمار، ومستبعدة من السلطة. والفيدرالية التي تطرحها وثيقة حمدوك، في غياب أي برنامج لاستعادة الموارد المنهوبة، وإعادة توزيع الثروة، وتفكيك شبكات الاحتكار التي تدير الاقتصاد من الخرطوم، لا تقدم أكثر من تغيير في الشكل الإداري مع بقاء جوهر النهب والتمركز على حاله.
لقد جُربت الفيدرالية في السودان من قبل، في ظل نظام الإنقاذ، حيث أُنشئت الولايات ونُقلت إليها بعض الصلاحيات الإدارية. لكن تلك التجربة لم تمنع الحروب، ولم تقلل من التهميش، لأنها كانت فيدرالية بلا موارد حقيقية. فالولايات حصلت على صلاحيات إدارة الخدمات، لكنها ظلت عاجزة عن تمويلها، لأن الثروة (النفط، الذهب، الأرض الزراعية) ظلت خاضعة لسيطرة المركز وشبكاته. كما ظلت القرارات المالية والسياسية الكبرى خاضعة لهيمنة السلطة المركزية، مما جعل استقلال الولايات محدوداً حتى في المجال الإداري. وبدلاً من أن تكون الفيدرالية أداة للعدالة، تحولت إلى أداة لإدارة الأزمات، حيث أُلقي بمسؤولية الفقر على الحكومات المحلية، بينما ظلت الثروة تتدفق إلى الخرطوم وإلى جيوب النخب. وهذا يفسر لماذا لم تنجح الفيدرالية السودانية في معالجة جذور الصراع، بل أعادت إنتاجها بأشكال جديدة.
وتؤكد تجارب دولية عديدة هذه الحقيقة. ففي نيجيريا، حيث النظام الفيدرالي قائم منذ عقود، تظل الثروة النفطية مركزة في أيدي الحكومة الاتحادية والنخب السياسية، بينما تظل مناطق إنتاج النفط (دلتا النيجر) تعاني من الفقر والتلوث والتهميش. وفي الهند، لم تمنع الفيدرالية استمرار التفاوت الصارخ بين الولايات الغنية والفقيرة، لأن الثروة والاستثمار يظلان خاضعين لمنطق رأس المال وللسياسات المالية المركزية أيضاً. وفي جنوب أفريقيا، انتقلت السلطة السياسية رسمياً، بينما بقيت البنية الاقتصادية إلى حد كبير على حالها، فظلت الثروة مركزة في أيدي أقلية بيضاء، بينما انتقلت السلطة السياسية إلى الأغلبية السوداء. هذه التجارب تثبت أن الفيدرالية، وحدها، ليست ضماناً للعدالة، وأنها قد تتحول إلى مجرد إطار لإدارة الفقر وتوزيع أعبائه، بينما تبقى الثروة في أيدي من يسيطرون على وسائل الإنتاج.
والأكثر إشكالية في وثيقة حمدوك أنها تطرح الفيدرالية كحل للتهميش، دون أن تناقش السؤال الأكثر جوهرية: من يملك الأرض في السودان؟ ومن يسيطر على مناجم الذهب؟ ومن يتحكم في الموانئ والموارد الاستراتيجية؟ ومن يملك سلطة فرض الضرائب وجباية الإيرادات؟ فهذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت الفيدرالية ستكون أداة للعدالة أم أداة لإعادة إنتاج الهيمنة. فلا توجد فيدرالية حقيقية من دون نظام مالي يحدد بوضوح من يملك سلطة فرض الضرائب، ومن يحتفظ بعائدات الموارد الطبيعية، وكيف يعاد توزيع الإيرادات بين الأقاليم. فالنقل الإداري للصلاحيات، في غياب إعادة تنظيم السلطة المالية، يظل ناقصاً، لأن القرار الاقتصادي يبقى محتجزاً لدى المركز. والفيدرالية التي لا تمس علاقات الملكية، والتي تترك الموارد الاستراتيجية في أيدي النخب المركزية والشركات الاحتكارية، ليست أكثر من تغيير في الأثاث الإداري مع بقاء البيت الاقتصادي على حاله. وكما أكد لينين في "الدولة والثورة"، فإن تغير الشكل الإداري للدولة لا يغير طبيعتها الطبقية ما دامت علاقات الإنتاج نفسها قائمة.
وهنا تتكشف الحدود النظرية والسياسية للفيدرالية كما تطرحها الوثيقة. فالمشكلة لا تكمن في مبدأ توزيع السلطات، بل في فصله عن مشروع تحرر اقتصادي واجتماعي أوسع. فالفيدرالية التي لا تقترن بإعادة توزيع الملكية، وتفكيك الاحتكارات، واستعادة السيطرة الشعبية على الموارد الاستراتيجية، تظل تغييراً شكلياً لا يمس جوهر السيطرة الطبقية. والسودان، في وضعه الراهن، ليس بحاجة إلى فيدرالية شكلية تعيد توزيع الصلاحيات الإدارية بينما تبقى الثروة والسلطة في أيدي الناهبين، بل إلى مشروع تحرر يبدأ بمواجهة البنى الاقتصادية التي تنتج التهميش، ويعيد توزيع الثروة والسلطة على أساس العدالة، ويجعل المنتجين الحقيقيين هم أصحاب القرار في مستقبل بلادهم.
ليس المقصود من هذا النقد رفض مبدأ الفيدرالية بوصفه قيمة ديمقراطية، بل النقد موجّه إلى حدود هذا المبدأ حين يُقدَّم باعتباره حلاً سياسياً مستقلاً، وكأنه قادر بمفرده على معالجة أزمة التهميش في مجتمع معقد مثل السودان. فالماركسية لا تعارض الفيدرالية كإطار لإدارة التنوع، لكنها ترفض تحويلها إلى بديل عن الصراع حول علاقات الإنتاج، وإلى غطاء يستر استمرار السيطرة الطبقية تحت لغة اللامركزية والمشاركة. فالفيدرالية، إذا بقيت في حدودها الإدارية، لا تكفي وحدها لضمان العدالة في توزيع الثروة والسلطة. وما لم تقترن بإعادة توزيع الملكية، وتفكيك الاحتكارات، وبناء ديمقراطية اقتصادية تضع المنتجين في قلب القرار، فإنها تظل تغييراً شكلياً لا يمس جوهر السيطرة الطبقية. كما أن نقل الصلاحيات الإدارية إلى الأقاليم، دون نقل السلطة على الموارد، لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج للتبعية بأدوات أكثر حداثة.
فحرمان الأقاليم من السيطرة على ثرواتها لا يعوضه منحها صلاحيات إدارية، ولا يمنح سكانها قدرة حقيقية على تقرير مصيرهم الاقتصادي، ولا يلغي الحاجة إلى إعادة بناء موازين القوة على أساس مصالح الكادحين. وإذا كانت الفيدرالية بهذا المعنى لا تكفي وحدها لضمان العدالة الجهوية، فإن السؤال الذي يطرحه المقال التالي هو: كيف تتعامل وثيقة حمدوك مع المؤسسة التي تمثل العمود الفقري للهيمنة في السودان، وهي المؤسسة العسكرية؟ فالدعوة إلى إصلاح الجيش، التي تقدمها الوثيقة كركيزة رابعة، تبدو وكأنها خطوة نحو تأسيس سلطة مدنية. ولكن، إذا كانت إعادة توزيع السلطات الإدارية لا تكفي لتغيير طبيعة الدولة، فهل يكفي إصلاح المؤسسة العسكرية لتحقيق ذلك، أم أن الجيش نفسه، بامتداداته الاقتصادية، هو أحد العقبات الرئيسية أمام أي تحول حقيقي؟ هذا ما ستناقشه الحلقة التاسعة.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟