عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 02:50
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
إذا كانت المواطنة القانونية عاجزة عن تجاوز التفاوت الطبقي ما لم تقترن بإعادة توزيع الثروة والسلطة، فإن وثيقة حمدوك تنتقل إلى ركيزة تبدو، في ظاهرها، أكثر حياداً: الفصل بين الدين والدولة. يطرح حمدوك هذه الركيزة بوصفها مبدأً لضمان حياد الدولة تجاه الأديان، وإدارة التنوع الديني والثقافي في إطار وطني موحد، دون أن يفرض رأياً دينياً على آخر. في الظاهر، يبدو هذا المطلب تعبيراً عن حداثة سياسية وتقدم اجتماعي؛ فمن يستطيع أن يعترض على دولة لا تنتسب إلى دين بعينه، ولا تميز بين مواطنيها على أساس معتقداتهم؟ لكن السؤال الذي تتجنبه الوثيقة، ويشكل جوهر أي تحليل مادي جدلي لهذا المبدأ، ليس "هل الفصل بين الدين والدولة قيمة حداثية؟"، بل "أي فصل؟ ولصالح أي طبقة؟ وفي أي سياق تاريخي؟"
فالعلمانية، في الأدبيات الليبرالية، تعني مبدأ حياد الدولة تجاه الأديان، وفصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الحكم، وضمان حرية المعتقد والممارسة الدينية للجميع. وهي بهذا المعنى تُطرح كآلية لضمان التعددية، ومنع استغلال الدين لأغراض سياسية، وبناء دولة تقوم على المواطنة لا على الانتماء الديني. غير أن التحليل المادي الجدلي يضطرنا إلى التساؤل: هل هذا المبدأ، بمفرده، كافٍ لضمان عدالة الدولة وحيادها الفعلي؟ أم أنه، في سياق رأسمالي وفي مجتمعات تخضع لعلاقات قوة معقدة، قد يتحول إلى أيديولوجيا جديدة تعيد إنتاج الهيمنة تحت غطاء الحداثة والعلمانية؟ فالعلمانية، بوصفها شكلاً من أشكال تنظيم الدولة، لا تحدد وحدها طبيعة السلطة الطبقية التي تديرها، ومن ثم قد تُوظَّف داخل منظومة الهيمنة الأيديولوجية للدولة، وتصبح جزءاً من الخطاب الذي يضفي الشرعية على استمرار التفاوت.
وهنا تبرز حقيقة أساسية يغفلها الخطاب العلماني التقليدي: أن الدولة ليست محايدة بمجرد إعلانها الحياد تجاه الدين، لأن حيادها الإجرائي لا يلغي انحيازها البنيوي لصالح القوى المسيطرة اقتصادياً واجتماعياً. فالدولة التي تفصل بين الدين والسياسة، لكنها تبقى ضمن إطار رأسمالي يحمي الملكية الخاصة ويعيد إنتاج التفاوت الطبقي، ليست دولة محايدة، بل هي دولة تحمي مصالح الطبقة المسيطرة بأدوات أكثر حداثة. وكما كتب غرامشي، فإن الهيمنة لا تُمارس فقط عبر الدين أو الأيديولوجيا، بل عبر أجهزة الدولة والمجتمع المدني معاً، التي تعيد إنتاج وعي الطبقة المسيطرة كوعي عام. والعلمانية، حين تُفصل عن مشروع تحرر اجتماعي واقتصادي، قد تُوظَّف داخل هذه المنظومة، لتخفي استمرار السيطرة الطبقية تحت لغة الحياد والموضوعية.
ومن هنا فإن تقييم أي مشروع علماني لا ينطلق من مجرد النصوص الدستورية، بل من موقعها داخل البنية الاجتماعية التي تعمل فيها، ومن الطبقات التي تستفيد منها، والعلاقات الاقتصادية التي تعيد إنتاجها. وهذا ما يفسر أن الماركسية تنظر إلى قضية الدين من زاوية مختلفة عن المقاربة الليبرالية. فبالنسبة للماركسية، الدين ليس أصل التناقضات الاجتماعية، بل أحد أشكال انعكاسها الأيديولوجي. ولذلك لا يبدأ التحليل الماركسي من نقد الدين، بل من نقد المجتمع الذي ينتج الحاجة الاجتماعية إلى الدين. وكما كتب ماركس في مقدمة "نقد فلسفة الحق عند هيغل": "إن نقد الدين هو الشرط المسبق لكل نقد." فالماركسيون لا يكتفون بنقد الأديان، بل يتجاوزونها إلى نقد الشروط الاجتماعية التي تنتج الحاجة إليها، وإلى تفكيك علاقات الإنتاج التي تكرس التفاوت والاستغلال.
وتأخذ هذه الإشكالية شكلاً أكثر تعقيداً في السياق السوداني. فالسودان ليس مجرد مجتمع تعددي دينياً، بل هو مجتمع تداخلت فيه هويات دينية وقومية وطبقية وجهوية على مدى عقود من الصراع والنهب والتمركز. والدعوة إلى الفصل بين الدين والدولة، في هذا السياق، لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن هذه البنى التاريخية. فهي تُطرح في لحظة يعاني فيها السودان من حرب أهلية ذات أبعاد دينية وجهوية، ومن صراع على السلطة بين نخب عسكرية ودينية ومدنية، ومن انهيار اقتصادي يعيد إنتاج التهميش والتفاوت. وفي مثل هذا السياق، تصبح العلمانية، إذا اقتصرت على فصل المؤسسات الدينية عن الدولة دون معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للصراع، مجرد إجراء شكلي لا يمس جوهر الأزمة.
والأكثر إشكالية في وثيقة حمدوك أنها تطرح الفصل بين الدين والدولة كركيزة مستقلة، وكأنه يمكن تطبيقه بمعزل عن تحولات أعمق في علاقات الملكية وتوزيع الثروة والسلطة. فهي تتحدث عن "إدارة التنوع" و"المواطنة المتساوية"، لكنها لا تقدم تصوراً لكيفية التعامل مع التداخلات بين الدين والطبقة والجهة في السودان، ولا لكيفية ضمان ألا يتحول هذا المبدأ إلى أداة لإقصاء قطاعات واسعة من المجتمع ترى في الدين جزءاً من هويتها الثقافية والسياسية. فالإصلاحات السياسية الشكلية، بما فيها الفصل بين الدين والدولة، لا تغير جوهر العلاقات الاجتماعية ما لم تقترن بتغيير جذري في بنية الإنتاج والملكية.
وتكشف التجارب التاريخية عن حدود هذا الطرح. ففي تركيا الكمالية، فُرض الفصل بين الدين والدولة من أعلى، وأُعلنت العلمانية مبدأً دستورياً، لكن ذلك لم يحسم التوتر بين الدولة والمجتمع حول مكانة الدين، وأعاد إنتاج الصراع في صورة جديدة، ولم يمنع إعادة تشكل الإسلام السياسي في سياقات تاريخية جديدة، نتيجة عوامل متعددة شملت التحول الاقتصادي، والهجرة الداخلية، وصعود برجوازية أناضولية جديدة. بل إن الفصل القسري، حين يُفصل عن حوار ديمقراطي واسع حول مكانة الدين في الفضاء العام، قد يخلق فراغاً أيديولوجياً يملؤه المتطرفون، ويعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر عنفاً. وفي بعض السياسات المرتبطة بتطبيق العلمانية الفرنسية، تحول المبدأ أحياناً إلى أداة لإقصاء الأقليات الدينية تحت غطاء حياد الدولة، مما يثبت أن الحياد الإجرائي لا يكفي لضمان العدالة الفعلية، وأن التطبيق العملي للمبادئ يظل خاضعاً لعلاقات القوة السائدة.
وفي السودان، حيث يحتفظ الدين بحضور اجتماعي وثقافي واسع، يبدو أن أي معالجة ناجحة لقضية الدين والدولة لا يمكن أن تمر عبر فرض علمانية من أعلى، بل تتطلب حواراً ديمقراطياً واسعاً حول مكانة الدين في الفضاء العام، وإصلاحات اجتماعية واقتصادية تقلص الحاجة إلى توظيف الدين في الصراع السياسي. فلا يمكن تفسير الصراع في السودان برده إلى غياب الفصل بين الدين والدولة وحده، بل هو نتاج بنية الاقتصاد الريعي، وهيمنة المؤسسة العسكرية، وتحالف الرأسمال الطفيلي مع أجهزة الدولة، وتهميش الأطراف على حساب المركز. والعلمانية، إذا اقتصرت على فصل المؤسسات الدينية عن الدولة دون معالجة هذه الجذور، تبقى مجرد تغيير في شكل الدولة، لا في جوهر موازين القوة التي تنتج الأزمة.
وهنا تتكشف الحدود النظرية والسياسية لهذا المبدأ كما تطرحه الوثيقة. فالمشكلة لا تكمن في الفصل بين الدين والدولة في ذاته، بل في فصله عن مشروع تحرر اجتماعي واقتصادي أوسع. فالدولة التي تفصل بين الدين والسياسة لكنها تبقى رأسمالية، تظل دولة طبقية، مهما كانت علمانية. والدولة التي تعلن حيادها تجاه الأديان لكنها تستمر في حماية امتيازات النخب المسيطرة، لا تكون محايدة، بل تكون حيادية شكلية تخفي استمرار السيطرة الطبقية. فالدولة البرجوازية، مهما تغيرت أشكالها، لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتحرر الطبقات الكادحة دون تغيير جذري في طبيعتها الطبقية وعلاقات الإنتاج التي تقوم عليها.
فالعلمانية، إذا بقيت في حدودها الإجرائية، لا تكفي وحدها لضمان حياد الدولة أو عدالتها. وما لم تقترن بإعادة توزيع الثروة والسلطة، وتفكيك الامتدادات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، وبناء ديمقراطية اقتصادية تضع المنتجين في قلب القرار، فإنها تظل تغييراً شكلياً لا يمس جوهر السيطرة الطبقية. والسودان، في وضعه الراهن، ليس بحاجة إلى علمانية شكلية تمنح الدولة شرعية حياد بينما تبقى الثروة والسلطة في أيدي الناهبين، بل إلى مشروع تحرر يبدأ بمواجهة البنى الاقتصادية التي تنتج الصراع الديني والجهوي والطبقي معاً.
ليس المقصود من هذا النقد رفض مبدأ الفصل بين الدين والدولة بوصفه قيمة ديمقراطية، بل النقد موجّه إلى حدود هذا المبدأ حين يُقدَّم باعتباره حلاً سياسياً مستقلاً، وكأنه قادر بمفرده على معالجة أزمة الدولة في مجتمع معقد مثل السودان. فالماركسية لا تعارض الفصل بين الدين والدولة بوصفه ضمانة للحريات الديمقراطية، لكنها ترفض تحويله إلى بديل عن الصراع حول علاقات الإنتاج، وإلى غطاء يستر استمرار السيطرة الطبقية تحت لغة الحياد والحداثة. فالفصل بين الدين والدولة شرط ديمقراطي، لكنه ليس برنامجاً اقتصادياً، ولا يمكن أن يحل محل إعادة توزيع الثروة والسلطة على أسس عادلة.
فحياد الدولة تجاه الدين لا يعوض غياب العدالة في توزيع السلطة والثروة، ولا يلغي الحاجة إلى إعادة بناء علاقات القوة على أساس مصالح الكادحين. وإذا كانت العلمانية بهذا المعنى لا تكفي وحدها لضمان حياد الدولة، فإن السؤال الذي يطرحه المقال التالي هو: كيف تتعامل وثيقة حمدوك مع قضية التوزيع الجغرافي للسلطة والموارد؟ فالدعوة إلى الفيدرالية، التي تقدمها الوثيقة كركيزة ثالثة، تبدو وكأنها حل للتهميش الجهوي. فإذا كانت المواطنة والفصل بين الدين والدولة لا يحلان مسألة توزيع السلطة الاقتصادية، فإن السؤال ينتقل إلى الإطار الجغرافي لتوزيع السلطة والموارد. لكن هل الفيدرالية، كما تطرحها الوثيقة، تمثل انتقالاً حقيقياً للسلطة والثروة نحو الأطراف، أم أنها مجرد إعادة توزيع للسلطات الإدارية مع بقاء الثروة والموارد في أيدي النخب المركزية، مما يجعلها استمراراً للتهميش بأدوات جديدة؟ هذا ما ستناقشه الحلقة الثامنة.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟