أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة الاجتماعية















المزيد.....

6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة الاجتماعية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 04:53
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


بعد تفكيك الديمقراطية الليبرالية بوصفها إطاراً يعيد إنتاج الهيمنة الطبقية تحت غطاء التعددية والانتخابات، نصل إلى الركيزة الأولى في وثيقة حمدوك، والأكثر حضوراً فيها: "المواطنة المتساوية". يعلن حمدوك في وثيقته أن هذه الركيزة تمثل "أساس الحقوق والواجبات دون أي تمييز ديني أو عرفي أو جهوي"، ويقدمها بوصفها المدخل الرئيسي لتفكيك التمييز وبناء الدولة الجديدة. في الظاهر، يبدو هذا المطلب ديمقراطياً لا يمكن الاعتراض عليه؛ فمن يستطيع أن يرفض المساواة بين المواطنين؟ لكن السؤال الذي تتجنبه الوثيقة، ويشكل جوهر أي تحليل مادي جدلي لهذا المفهوم، ليس "هل المواطنة المتساوية قيمة نبيلة؟"، بل "هل المساواة القانونية، في مجتمع تحكمه اللامساواة الاقتصادية والطبقية، قادرة على تغيير التفاوت، أم أنها مجرد غطاء لإخفائه حين تُفصل عن التحول في علاقات الإنتاج والثروة؟"

المواطنة، في الأدبيات الليبرالية، تعني مجموعة من الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية التي يتمتع بها الفرد بوصفه عضواً في الدولة، بصرف النظر عن أصله أو دينه أو ثروته. وهي بهذا المعنى تُطرح كآلية لدمج المختلفين في إطار وطني واحد، وتجاوز التمييز التقليدي القائم على الدين أو العرق أو الجهة. غير أن التحليل المادي الجدلي يضطرنا إلى التساؤل: هل هذه الحقوق، بمفردها، تكفي لجعل المواطنين متساوين فعلياً؟ أم أنها، في سياق رأسمالي، قد تؤدي، في شروط اجتماعية معينة، إلى إخفاء التفاوت الطبقي العميق تحت غطاء المساواة أمام القانون؟ وهنا تصبح المواطنة القانونية إحدى الآليات التي تشتغل داخل الدولة الليبرالية، لا بديلاً عن بنيتها الطبقية.

وتبرز هذه الفكرة بوضوح في "المسألة اليهودية" ، ثم تبلغ صياغتها الأكثر تكثيفاً في "نقد برنامج غوتا" ، حيث فضح ماركس الفجوة بين المساواة القانونية والمساواة الفعلية. ويكشف التحليل الماركسي أن المساواة السياسية، بما فيها حق الاقتراع، تظل محدودة الفاعلية في ظل تفاوت الملكية والثروة، ما لم تقترن بها إعادة توزيع للسلطة الاقتصادية. فالعامل الزراعي في الجزيرة، والنازح في معسكرات دارفور، والعاملة في القطاع غير المنظم، وصغار المنتجين في الريف، يمتلكون نظرياً الحق نفسه في التصويت الذي يمتلكه صاحب نفوذ اقتصادي أو سياسي، لكنهم يفتقرون إلى الموارد الاقتصادية والإعلامية والتنظيمية التي تجعل المشاركة السياسية متكافئة فعلاً. وبهذا تتحول المساواة القانونية إلى غطاء لاستمرار اللامساواة الاجتماعية، وتتحول المواطنة القانونية إلى إطار يعيد إنتاج علاقات الهيمنة السائدة تحت ستار الحقوق الشكلية. فالحقوق القانونية لا تُمارس في فراغ، بل داخل بنية اجتماعية تحدد القدرة الفعلية على الاستفادة منها.

وتزداد هذه الإشكالية حدة عندما تُقرأ في سياق دولة طرفية مثل السودان، حيث التعدد القومي والثقافي واللغوي ليس مجرد تنوع يمكن إدارته بالإعلان عن المساواة، بل هو نتاج تاريخي لعلاقات قوة ونهب وتمركز للسلطة والثروة والاستثمار والخدمات في الوسط على حساب الأطراف. فـ"المواطنة المتساوية" التي تطرحها وثيقة حمدوك، في غياب أي برنامج لإعادة توزيع الثروة والسلطة بين المركز والأطراف، لا تقدم أكثر من مساواة شكلية تخفي استمرار الهيمنة الطبقية بأشكالها الجهوية. فالمساواة بين مواطن ينتمي إلى مناطق حظيت تاريخياً بتركيز أكبر للاستثمارات العامة والخدمات، ومواطن من دارفور أو النيل الأزرق أو جبال النوبة نُهبت موارده وهمّش طوال عقود، ليست مساواة حقيقية، بل هي مساواة في الاسم فقط، تخفي استمرار التمييز الفعلي وراء خطاب الحقوق الشكلية.

والأكثر إشكالية في وثيقة حمدوك أنها تختزل معالجة الأزمة في المواطنة القانونية أكثر مما تربطها بإعادة بناء علاقات السلطة والثروة. فهي تتحدث عن "إدارة التنوع" بوصفه مصدر قوة وإثراء وطني، لكنها لا تقدم تصوراً واضحاً لكيفية معالجة اختلال توزيع السلطة والثروة بين المركز والأطراف، أو لضمان المشاركة الفعلية للأقاليم والفئات الاجتماعية المهمشة في صنع القرار. وبهذا يظل هذا التصور للمواطنة مفهوماً قانونياً عاماً، أكثر مما يشكل مشروعاً سياسياً لمعالجة التناقضات التاريخية التي أنتجها المركز والهامش.

وهذا التصور المجرد للمواطنة ليس جديداً في تاريخ السودان. فمنذ الاستقلال، ظل الخطاب الدستوري والسياسي يتحدث عن "السودانيين" ككتلة واحدة متجانسة، بينما كانت السياسات الفعلية تعيد إنتاج التهميش والتمركز. ولم تكن النصوص الدستورية التي أقرت المساواة القانونية كافية لمنع الحروب في الجنوب أو دارفور أو جبال النوبة، لأن المشكلة لم تكن في غياب النص القانوني، بل في استمرار البنية الاقتصادية والسياسية التي تجعل المواطنة مجرد حق قانوني منزوع من مضمونه الاجتماعي. وكما كتب ماركس، فإن الدولة السياسية تلغي، في شكلها، الملكية الخاصة والاختلافات الاجتماعية، لكنها في واقعها تفترض وجودها وتستمر على أساسها. فالمواطنة التي تعلنها الدولة لا تلغي التفاوت الطبقي والجهوي، بل تفترض استمراره وتحميه بقوة القانون.

وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر جوهرية: إذا كانت المواطنة المتساوية، في غياب تحول جذري في علاقات الملكية وتوزيع الثروة والسلطة، مجرد حق شكلي لا قيمة له، فما البديل الذي يطرحه التحليل المادي الجدلي؟ البديل لا يتمثل في رفض المواطنة بوصفها قيمة، بل في تجاوز المواطنة القانونية المحضة نحو مواطنة تقترن بحقوق اجتماعية واقتصادية فعلية تمكّن المنتجين من التحكم في شروط حياتهم وإنتاجهم. فالمواطنة الفعلية لا تقتصر على حق التصويت أو حرية التنقل، بل تشمل الحق في الأرض، والماء، والخدمات الأساسية، والمشاركة في قرارات توزيع الثروة، والرقابة على المؤسسات الاقتصادية. فالتحرر السياسي، في تصور ماركس، يمثل خطوة تاريخية مهمة، لكنه لا يستنفد معنى التحرر الإنساني الذي يظل مشروطاً بتحول علاقات الإنتاج ذاتها.

السودان، في وضعه الراهن، ليس بحاجة إلى مواطنة شكلية تمنح حقوقاً لا تجد سندها في العدالة الاجتماعية لمن لا يملكون خبزاً أو مأوى، بل إلى عملية تحرر اجتماعي تبدأ بتفكيك بنية النهب والتبعية، وإعادة توزيع الثروة والسلطة على أساس العدالة، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية والسياسية والاقتصادية للجماعات المختلفة، وبناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية تخضع قرارات الاقتصاد الكلي لرقابة شعبية، وتجعل المنتجين الحقيقيين هم أصحاب القرار في مستقبل بلادهم. ولا يبدو أن الخطاب الحقوقي، بمعزل عن برنامج اجتماعي واقتصادي لإعادة بناء علاقات السلطة والثروة، قادر على إنجاز هذه المهمة، بل إنه يتطلب حركة جماهيرية منظمة تناضل من أجل السيطرة على مواردها ومصيرها.

ومن هنا تتكشف الحدود النظرية والسياسية لمفهوم المواطنة المتساوية كما تطرحه الوثيقة. فالمشكلة لا تكمن في المبدأ ذاته، وإنما في فصله عن شروطه الاجتماعية والاقتصادية. فالمساواة أمام القانون لا تتحول تلقائياً إلى مساواة في السلطة أو الثروة، والحقوق السياسية لا تلغي علاقات الهيمنة ما دامت البنية الاقتصادية التي تنتجها باقية على حالها. لذلك تبقى المواطنة، في حدودها القانونية المجردة، عاجزة عن تجاوز التفاوت الطبقي والجهوي، وقد تتحول إلى إطار يمنح استمرار هذه العلاقات شرعية جديدة بدلاً من تفكيكها.

إذا كانت المواطنة القانونية لا تكفي لضمان المساواة الفعلية، فالسؤال هو: هل يكفي أن تكون الدولة محايدة تجاه الدين حتى تصبح دولة محايدة تجاه المجتمع؟ ومن هنا تنتقل الوثيقة إلى ركيزة أخرى، هي الفصل بين الدين والدولة، بوصفها مدخلاً لإدارة التنوع. لكن هل يمثل الفصل بين الدين والدولة، كما تطرحه الوثيقة، مبدأً إجرائياً لتنظيم المجال العام، أم أنه يُطرح بطريقة تتجاوز حدودها القانونية لتصبح بديلاً عن معالجة البنية الاجتماعية والاقتصادية نفسها؟ هذا هو السؤال الذي ستناقشه الحلقة السابعة.

ولعل ما يوجز مجمل هذا النقاش هو ما كتبه ماركس في "نقد برنامج غوتا" : "الحق لا يمكن أن يكون أسمى من البنية الاقتصادية للمجتمع والتطور الثقافي الذي يتحدد بها." فالمساواة القانونية، مهما بلغت دقتها، تظل محكومة بالشروط المادية التي تحدد إمكان تحققها. وتبقى المواطنة المتساوية، حين تُختزل في بعدها القانوني، عاجزة عن تجاوز اللامساواة الاجتماعية التي يفترض بها معالجتها.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
- 2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
- رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين
- 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية
- 16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
- 15. التنظيم الذاتي والمقاومة
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود


المزيد.....




- طهران وواشنطن.. حرب شاملة أو عودة للتفاوض
- إصابة طفلين بجروح جراء إطلاق الجيش الإسرائيلي النار باتجاه م ...
- بعد سنوات من التوتر.. سانشيز في الجزائر لإطلاق مرحلة جديدة ...
- باريس تندد بـ-عمل ترهيبي- بعد احتجاز دبلوماسيين فرنسيين والا ...
- هل تدفع الضغوط الأمريكية إيران إلى تغيير حساباتها في مضيق هر ...
- في عهد آندي بورنهام.. هل تتغير سياسة بريطانيا في الشرق الأوس ...
- صفارات الإنذار تدوي في الأردن وأنباء عن سماع انفجارات قوية
- موسكو تدخل عصر الإدارة الذكية للنقل بأكبر مركز عمليات في أور ...
- باريس تندد بـ-عمل ترهيبي بالغ الخطورة- بعد احتجاز واستجواب د ...
- عشرات آلاف المفقودين في فنزويلا.. يحلم أهاليهم بالعثور عليهم ...


المزيد.....

- كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل ... / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان / سيد صديق
- تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ ... / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- المثقف العضوي و الثورة / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمري
- العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967 / عادل العمري
- المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال ... / منى أباظة
- لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية / مزن النّيل
- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة الاجتماعية