عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 02:49
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
بعد استعراض تاريخ إعادة إنتاج التحالف الطبقي المسيطر عبر الأنظمة المتعاقبة، يبرز سؤال لا يمكن تأجيله: كيف ينعكس هذا التاريخ على حياة الناس اليومية؟ فالدولة التي أعادت إنتاج الهيمنة والنهب لعقود لم تُنتج أزمة سياسية فحسب، بل أنتجت أيضاً أكبر كارثة إنسانية في تاريخ السودان الحديث. ففي الوقت الذي تتحدث فيه وثيقة حمدوك عن الدولة والمؤسسات والدستور والحوكمة، تشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن ملايين السودانيين يعيشون أوضاعاً من النزوح والجوع، وتتعطل آلاف المدارس والمرافق الصحية عن أداء وظائفها، وتتسع رقعة المجاعة في مناطق كانت تنتج غذاءها ذات يوم. أصبحت الأزمة الإنسانية نفسها جزءاً من بنية الحرب، لأن تدمير شروط الحياة أصبح وسيلة لإضعاف المجتمعات المحلية، والسيطرة على الموارد، وإعادة تشكيل موازين القوة. فكيف يمكن الحديث عن إعادة تأسيس الدولة دون معالجة هذه الأزمة الفورية، التي تمثل، بالنسبة لملايين السودانيين، واقعهم اليومي الأكثر إلحاحاً؟ وكيف يمكن للوثيقة أن تتجاهل أن الحرب لا تقتل بالسلاح فقط، بل بالجوع الممنهج، وانهيار الخدمات، وتفكيك شبكات الأمان الاجتماعي، وأن أي مشروع سياسي يتجاهل هذه الأبعاد يفقد شرعيته قبل أن يبدأ؟
فالأزمة الإنسانية في السودان تعبير مكثف عن فشل الدولة الطبقية وعن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الذي أنتج الحرب. فالمجاعة نتاج لسياسات التهميش والنهب التي حرمت الأطراف من الاستثمار والخدمات، وحولت مناطق الإنتاج الزراعي والرعوي إلى ساحات حرب. كما أدى انهيار شبكات التسويق والائتمان الزراعي، وارتفاع تكاليف النقل، وتفكك الأسواق المحلية، إلى تحويل نقص الوصول إلى الغذاء إلى مجاعة اجتماعية، أي مجاعة تنتج عن انهيار علاقات التوزيع والوصول، لا عن غياب الغذاء وحده. كما أسهم الانهيار النقدي والتضخم الجامح في تحويل الغذاء الموجود في الأسواق إلى سلعة يتعذر على ملايين الأسر الوصول إليها، بحيث أصبح الجوع نتاجاً لتراجع القدرة الشرائية بقدر ما هو نتاج لتعطل الإنتاج، وهو ما يكشف أن الأزمة الإنسانية ليست أزمة ندرة مطلقة، بل أزمة توزيع ودخل وعلاقات اقتصادية. والنزوح ليس مجرد نتيجة للقتال، بل هو نتاج لسياسات تهجير ممنهجة تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للمناطق المتنازع عليها، وتفكيك النسيج الاجتماعي الذي كان قائماً، كما يفتح المجال أمام إعادة السيطرة على الأراضي الزراعية والمراعي والثروات المعدنية، بما يخدم مصالح قوى الحرب والتحالفات الاقتصادية المرتبطة بها. ولا يؤدي النزوح إلى إعادة توزيع السكان فقط، بل إلى إعادة تكوين سوق العمل نفسه، عبر دفع أعداد كبيرة من السكان إلى العمل الهش وغير المنظم. وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية ليس مجرد نقص في التمويل، بل هو نتاج لعقود من إهمال البنية التحتية، وتحويل ميزانيات التنمية إلى ميزانيات حرب وأمن. وهذه الأبعاد تجعل الأزمة الإنسانية قضية سياسية بامتياز، تتعلق بمن يملك الموارد، وكيف تُوزع، ولمن تعمل الدولة.
كما أن الحرب نفسها أصبحت نمطاً من أنماط التراكم الرأسمالي، حيث تنتج الأرباح من تجارة الذهب، وتجارة السلاح، والنقل واللوجستيات، واقتصاد الإغاثة، والمضاربة في الغذاء، ونهب الأراضي، والتحويلات المالية، وإعادة الإعمار المستقبلية. فالكارثة الإنسانية نفسها تتحول إلى سلعة، تنتج حولها أسواق وخدمات وعقود ومشروعات تمول استمرار اقتصاد الحرب، وتتحول إلى مجال للتراكم الرأسمالي والريع السياسي. وفي هذا السياق، لا يجري العمل الإنساني في فراغ، بل أصبح جزءاً من الاقتصاد السياسي للحرب، حيث تتحكم أطراف النزاع في مسارات المساعدات، وتستخدمها أحياناً لتعزيز النفوذ أو إعادة تشكيل الولاءات المحلية. وتنشأ حول الإغاثة شبكات من الوسطاء والمتعاقدين وبعض الشركات والمنظمات، ترتبط مصالحها المادية باستمرار حالة الطوارئ، مما يجعل الإغاثة جزءاً من بنية الحرب لا من حلولها. ولا يعني ذلك أن جميع المنظمات الإنسانية جزء من اقتصاد الحرب، وإنما أن البيئة السياسية والعسكرية تجعل توزيع المساعدات خاضعاً، بدرجات متفاوتة، لعلاقات القوة المسيطرة. ولذلك فإن حياد الإغاثة لا يلغي حقيقة أن توزيع الموارد الإنسانية يخضع، في كثير من الأحيان، لموازين القوة القائمة، وأن معالجة الأزمة الإنسانية تتطلب، إلى جانب زيادة المساعدات، تفكيك البنى التي تحول الإغاثة إلى جزء من اقتصاد الحرب نفسه.
وهنا تبرز حقيقة أساسية تغفلها وثيقة حمدوك: أن الأزمة الإنسانية جزء من البنية السياسية والاقتصادية التي تنتج الصراع، ولا يمكن معالجتها دون معالجة هذه البنية ذاتها. فالمجاعة لا تنتهي بتوزيع المساعدات وحدها، بل بمعالجة سياسات النهب والاحتكار التي تمنع وصول الغذاء إلى من يحتاجونه. والنزوح لا يعالج ببناء المخيمات، بل بتهيئة شروط العودة الآمنة وإنهاء سياسات التهجير والتهميش التي تنتجه. وانهيار الخدمات لا يُصلح بقروض إغاثية، بل بإعادة بناء الدولة على أساس العدالة والتنمية. ولا تقتصر الحرب على تدمير وسائل الإنتاج، بل تدمر أيضاً قوة العمل نفسها، عبر القتل والإصابة والنزوح وسوء التغذية والانقطاع عن التعليم، بما يخفض القدرة الإنتاجية للمجتمع لسنوات طويلة. كما تدمر شروط إعادة الإنتاج الاجتماعي نفسها، حين تنهار منظومات الصحة والتعليم والرعاية، فتغدو إعادة إنتاج قوة العمل والحياة اليومية عبئاً تتحمله الأسر، ويقع العبء الأكبر على النساء من خلال العمل المنزلي والرعائي غير المأجور، في ظل غياب الدولة. وتتعرض النساء لارتفاع معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، مما يفاقم معاناتهن. لكن وثيقة حمدوك تتعامل مع هذه القضايا بوصفها تفاصيل ثانوية يمكن تأجيلها، بينما هي جوهر الأزمة التي يفترض أن تعالجها الدولة ذاتها.
وتكشف التجارب الدولية عن حقيقة مماثلة. ففي السودان نفسه، ارتبطت الإغاثة بموازين القوى العسكرية والسياسية، وفي الصومال استُخدم التحكم في المساعدات والغذاء كأداة نفوذ سياسي، وفي اليمن أصبحت المساعدات جزءاً من شبكات السيطرة المحلية والإقليمية، وفي سوريا حدث الأمر نفسه. وهذا يعني أن أي حديث عن السلام وإعادة الإعمار يحتاج إلى التعامل مع هذه الحقيقة، لأن الأزمة الإنسانية جزء من استمرار الحرب وأداة من أدواتها، بل قد تتحول إلى أحد ميادين الصراع ذاته. كما أن الحرب لا تدمر البشر فقط، بل تعيد تشكيل الجغرافيا السكانية وسوق العمل وأنماط الملكية، وتنتج كتلاً واسعة من النازحين والفقراء تصبح أكثر هشاشة وأقل قدرة على الدفاع عن حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، في حين تتيح فرصاً جديدة للتراكم لبعض الأطراف على حساب تدمير قوى الإنتاج نفسها. وتقع الأعباء الأكبر لهذه الأزمة على النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، الذين يتحملون أعباء النزوح وفقدان الدخل والرعاية الصحية والتعليم، وتتعرض النساء بصورة خاصة لزيادة أعباء الرعاية والعمل غير المأجور، بينما يحرم الأطفال من التعليم والرعاية الصحية، مما يجعل الحرب آلية لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي عبر الأجيال.
والأكثر إشكالية في وثيقة حمدوك أنها تقدم رؤيتها وكأن الحرب يمكن أن تتوقف، وتُعاد الدولة، وتُكتب الدساتير، ثم تُعالج الأزمة الإنسانية بعد ذلك. لكن الواقع يقول عكس ذلك: فالأزمة الإنسانية تتسع يومياً، والمجاعة تفتك بمناطق بأكملها، والنزوح يخلق واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله. فكيف يمكن الحديث عن دستور جديد بينما يموت الناس جوعاً أو بسبب أمراض يمكن الوقاية منها؟ وكيف يمكن إعادة تأسيس الدولة بينما الخدمات الأساسية قد انهارت بالكامل؟ وكيف يمكن بناء المؤسسات بينما البنى التحتية قد دُمّرت، وقوى الإنتاج ذاتها قد تعطلت، بعد خروج ملايين العمال والمزارعين من عملية الإنتاج، وتدمير البنية الزراعية والصناعية، وانقطاع شبكات النقل والتبادل، مما أفقد ملايين الناس مصادر رزقهم، وهو ما يجعل إعادة الإعمار مستقبلاً أكثر كلفة وتعقيداً؟ هذه الأسئلة تكشف عن انفصال عميق بين رؤية النخب وواقع الجماهير، وعن أولوية لمشروع سياسي تجريدي على حياة الناس الفعلية. وأي مشروع لإعادة بناء الدولة يتجاهل الأزمة الإنسانية يفقد شرعيته، لأن شرعية أي سلطة سياسية في التحليل الماركسي لا تنفصل عن قدرتها على تلبية حاجات السكان الأساسية، وإلا انكشفت طبيعتها القمعية.
والسودان يحتاج إلى مشروع يبدأ من واقع الناس الملموس، من جوعهم ونزوحهم ومرضهم. وهذا المشروع يجب أن يبدأ بوقف شامل للأعمال العدائية مع ضمانات تتيح وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق دون تمييز، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية وإعادة دفع أجور العاملين فيها، تحت رقابة مجالس منتخبة من العاملين ولجان الأحياء والمزارعين والنازحين، ثم الانتقال إلى معالجة الجذور الاقتصادية والسياسية للحرب، وإعادة تنظيم الملكية الاجتماعية للموارد، وبناء دولة جديدة تعالج الشروط التي أنتجت الأزمة الإنسانية في المقام الأول. وهذه المهمة تحتاج إلى حركة جماهيرية منظمة تناضل من أجل حقها في الحياة والكرامة، وتفرض عبر تنظيمها الجماهيري أولويات الأغلبية الاجتماعية، وتجعل مؤسسات الدولة خاضعة لرقابة شعبية فعلية، وموجهة لتلبية احتياجات الأغلبية الاجتماعية.
لا يعني هذا النقد رفض الدستور والمؤسسات، بل إعادة ترتيب الأولويات، بحيث تبدأ الدولة من حيث يبدأ الناس. فالدولة تُقاس أولاً بقدرتها على ضمان شروط الحياة الأساسية: الغذاء، والعلاج، والمأوى، والتعليم، والأمن، قبل أن تُقاس بكفاءة أجهزتها الإدارية أو دساتيرها. والدولة التي تعجز عن ذلك، أو تؤجل هذه المهام، تفقد أساس شرعيتها الاجتماعية مهما بلغت جودة نصوصها الدستورية. فالجماهير لا تقيس المشاريع السياسية بجمال خطابها، بل بقدرتها على تغيير شروط حياتها اليومية. والسياسة التي تنطلق من الخبز والدواء والمأوى والأمان هي التي تحتفظ بصلتها بالمجتمع، وتتحول من خطاب إلى ممارسة. ولهذا فإن معيار نجاح أي مشروع سياسي في السودان لا يبدأ بما يعد به للمستقبل، بل بما يقدمه اليوم للجائعين والنازحين والمرضى.
الحياة اليومية لملايين السودانيين، بجوعها ونزوحها ومرضها، هي التي تحدد وعيهم السياسي، وأي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحياة يفقد صلة الواقع ويصبح مجرد خطاب نخبوي بلا جذور. وكما أوضح ماركس وإنجلز في "الأيديولوجيا الألمانية"، فإن البشر يحتاجون أولاً إلى إنتاج وسائل حياتهم المادية قبل أي نشاط اجتماعي أو سياسي آخر. وهذا يعني أن أي مشروع سياسي يبدأ من حيث يبدأ الناس يستطيع أن يبني شرعية اجتماعية حقيقية.
فإذا كانت النخب قد عجزت عن تقديم هذا المشروع، فمن هي القوة الاجتماعية القادرة على إنجازه؟ هذا ما ستناقشه الحلقة الخامسة عشرة، حيث سننتقل من نقد وثيقة حمدوك إلى طرح برنامج انتقالي يقوم على أساس مصالح الكادحين، لا على أساس وعود النخب.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟