أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عماد حسب الرسول الطيب - ملف المفقودين وصراع السرديات















المزيد.....

ملف المفقودين وصراع السرديات


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 20:30
المحور: حقوق الانسان
    


يعلن مجلس السيادة الانتقالي في السودان، بقراره رقم (270) لسنة 2026، عن تشكيل لجنة رسمية لتولي ملف المحتجزين والمختطفين والمفقودين، ويباشر القرار فعله بدعوة أسر الضحايا في "المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا" إلى التقدم ببلاغاتها. وهذا الإعلان، في ظاهره، خطوة إنسانية لا يختلف عليها اثنان. فحق الأسر في معرفة مصير أبنائها حق أصيل، والبحث عن المفقودين واجب لا يجوز تفويته، ولا ينبغي التقليل من أهمية أي جهد رسمي يهدف إلى كسر جدار الصمت حول مصير الآلاف الذين ابتلعتهم الحرب. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: "هل هذا القرار جيد أم سيئ؟" بل: "ما هي الحدود البنيوية لهذا القرار بصيغته المعلنة، وما هي آثاره المحتملة في سياق الصراع الدائر؟" ينصرف هذا النقد إلى القرار كما نُشر حتى الآن، مع بقاء الحكم النهائي مرهونًا بما قد يستجد من تعديلات أو ممارسات عملية.

فحين تُنشأ لجنة بقرار سيادي أحادي، وتُحصر ولايتها في مناطق سيطرة طرف واحد، فإن الدولة تضع منذ البداية حدودًا لاختصاصها الجغرافي والسياسي. وهذا القرار، في نتيجته العملية، يحد من قدرتها على العمل خارج نطاق سيطرة الحكومة، ما لم تُستكمل بآليات مشتركة أو بضمانات دولية. فإذا كان الهدف المعلن هو معالجة ملف المفقودين بشكل وطني، فإن تخصيص الدعوة للأسر في مناطق المليشيا دون غيرها يرسم حدود اختصاص اللجنة منذ اللحظة الأولى، ويجعلها أقرب إلى آلية ذات نطاق محدود منها إلى إطار وطني جامع. ولا يندرج جميع المفقودين قانونًا ضمن حالات الاختفاء القسري، إلا أن القرار يجمع هذه الفئات في إطار واحد، وهو ما يستدعي التمييز بينها عند التوثيق والمساءلة. وهذا لا يعني بالضرورة أن القرار صدر بنية الانتقائية، ولكن تأثيره العملي قد يكون كذلك، خصوصًا في غياب أي إشارة إلى كيفية التعامل مع حالات الاختفاء في مناطق سيطرة الجيش أو المناطق التي تشهد نزوحًا وصراعات متداخلة.

يتفاقم هذا الإشكال حين يُسأل عن الجهة التي ستتولى التوثيق والتحقيق. فاللجنة التابعة لجهاز الدولة، والتي تعمل بالتنسيق مع أقسام الشرطة والنيابة العامة، هي نفسها مؤسسات تخضع لسلطة طرف في النزاع. ومن الطبيعي أن تكون أي لجنة حكومية غير محايدة بالكامل، فالمشكلة ليست في غياب الحياد المطلق، بل في غياب قابلية التحقق المستقل. فهذا التداخل العضوي بين صفة الخصم وصفة الحكم ليس مجرد خلل تقني، بل هو إشكال بنيوي يواجه أي آلية حكومية في سياق نزاع مسلح. فغياب آليات المراجعة المستقلة، وغياب الإشراك الفعلي للهيئات الأممية ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، ولجان التحقيق الدولية القائمة بشأن السودان، يجعل أي نتائج تصدر عن اللجنة عرضة للتشكيك، ويُضعف قدرتها على تحقيق إنصاف فعلي للضحايا، بغض النظر عن نوايا القائمين عليها.

وبالنسبة لأسرة المفقود، لا يكون السؤال الأول من المسؤول سياسيًا، بل أين المفقود؟ هل هو حي أم ميت؟ وهل يمكن استعادة جثمانه أو إطلاق سراحه؟ هذه الحقيقة الإنسانية يجب أن تبقى فوق كل اعتبارات الدعاية والصراع السياسي. فالأسر لا تبحث عن سردية سياسية تنتصر بها، بل تبحث عن ابنها، عن جثمانه، عن كلمة تخبرهم بمصيره بعد سنوات من الانتظار والألم. وهذا البعد الإنساني، وهو الأكثر إيلامًا وإلحاحًا، هو ما يمنح أي جهد رسمي قيمته الحقيقية، وهو ما يجعله فوق التجاذبات السياسية.

فالأكثر إيلامًا هنا هو أن صياغة القرار، كما نُشر، تتعامل مع المفقودين بوصفهم "رصيدًا" من الماضي ينبغي جرده وتوثيقه، دون أن تلمح إلى أن الاختفاء القسري جريمة لا تزال مستمرة. فالاحتجازات خارج الأطر القانونية، واعتقال الناشطين والصحفيين والمحامين على خلفية الرأي، وممارسات الاشتباه بالهوية والانتماء والمظهر التي يعرفها السودانيون بما يُعرف شعبيًا بـ"قانون الوجوه الغريبة"، ما زالت قائمة في مناطق سيطرة الطرفين، وبدرجات متفاوتة. لجنة تكتفي بجمع بلاغات عمّن فُقدوا بالأمس، دون أن تملك ولاية أو إرادة لرصد ومنع ما يحدث اليوم، تتحول عمليًا إلى أداة أرشيفية توثق المأساة بدل أن توقفها. ولا يلغي هذا أن اللجنة قد تحقق نتائج إنسانية جزئية لبعض الأسر، غير أن قيمة هذه النتائج لا تعفي من نقد حدودها البنيوية، ولا تغني عن التساؤل: لماذا لا تمتد ولايتها لتشمل رصد ومنع حالات الاختفاء الجديدة؟

يمضي الإعلان ليكون فاقدًا لأي معايير تنفيذية قابلة للمحاسبة. فالقرار كما نُشر، أو على الأقل المعلومات المعلنة عنه، تفتقر إلى عناصر جوهرية تحدد جديته من عدمها: فلا سقف زمني معلن لنشر النتائج أو القوائم، ولا آلية واضحة للتفاوض بشأن التبادل أو معايير لتحديد الأولويات فيه، ولا نص على استقلالية مالية أو إدارية للجنة عن الجهاز التنفيذي، ولا إشارة إلى أي عقوبات أو مساءلة لمن يثبت تورطهم في الإخفاء، سواء كانوا من صفوف الدعم السريع أو من صفوف القوات النظامية والأجهزة الموازية لها. وهذا الغياب، سواء كان مقصودًا أم لا، من شأنه أن يترك مساحة واسعة للسلطة التنفيذية للتحكم في إدارة الملف، وأن يحول القرار من إطار تنفيذي ملزم إلى بيان نوايا قابل للتأويل والتأجيل، خصوصًا في سياق تُستخدم فيه ملفات حقوق الإنسان كأدوات في معركة الشرعية بين طرفي الحرب أمام الرأي العام الدولي.

في القانون الدولي الإنساني، يقع على جميع أطراف النزاع التزام بالبحث عن المفقودين، والكشف عن أماكن الاحتجاز، وإبلاغ الأسر بالمصير، وتسهيل تبادل المعلومات. لذلك فإن أي آلية وطنية تكتسب قيمتها بقدر اقترابها من هذا المعيار الشامل، لا بقدر ارتباطها بأحد أطراف النزاع. فالاختفاء القسري، وهو مصطلح قانوني يرتبط عادةً بحرمان شخص من حريته مع رفض الاعتراف بذلك أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده من قبل سلطات أو جهات تتصرف بموافقتها أو دعمها، ليس مجرد انتهاك للحقوق الفردية، بل هو جريمة بموجب القانون الدولي تستوجب المنع والردع والمحاسبة، أياً كان مرتكبها. وحين تقتصر آلية وطنية على طرف واحد، فإنها قد لا تنسجم مع الالتزامات الواقعة على عاتق الدولة بموجب القانون الدولي الإنساني، خصوصًا إذا لم تكن مصحوبة بآليات مشتركة أو بضمانات دولية تضمن شموليتها.

من هنا، فإن قراءة هذا القرار في سياقه الأوسع تكشف عن أزمة عضوية في الدولة السودانية، التي أعادت الحرب إنتاج تحالفاتها بين النخب العسكرية والاقتصادية والإدارية، وهو ما تجلى في تعامل مؤسساتها مع الملفات الحقوقية كأدوات في صراع الهيمنة لا كجزء من مشروع عدالة شامل. وفي هذا السياق، فإن أي آلية إنسانية تظل محدودة وقابلة للاستغلال إذا لم تنطلق من اعتراف بأن العدالة لا تتجزأ، وأن الضحايا لا يُقسّمون وفق خطوط السيطرة العسكرية أو الانتماء السياسي. كل مفقود هو إنسان قبل أن يكون محسوبًا على هذا الطرف أو ذاك، وكل أسرة لها الحق نفسه في معرفة الحقيقة، والجهة المسؤولة عن الاختفاء، أياً كانت، يجب أن تُسأل وتُحاسب. أما إذا اقتصر التوثيق على ضحايا طرف واحد، فإنه يفقد كثيرًا من قيمته الإنسانية، ويتحول إلى جزء من صراع السرديات المتبادلة بين أطراف الحرب، مما يمنح الطرف الآخر ذريعة للتعنت والمماطلة، ويحرم الضحايا الحقيقيين من أي إنصاف حقيقي.

فالمبدأ الإنساني لا ينتصر بالشعارات، بل بإجراءات ملموسة تثبت أن كل سوداني، أينما كان، يستحق أن يُبحث عنه، وأن يُحمى من أن يصبح مفقودًا جديدًا. والمعيار الحقيقي لنجاح أي آلية ليس عدد البلاغات التي تتلقاها، بل عدد الأسر التي تعرف مصير أبنائها، وعدد المحتجزين الذين يستعيدون حريتهم، وعدد حالات الاختفاء الجديدة التي تُمنع قبل وقوعها.

إن تجاوز حدود هذا القرار لا يتطلب مجرد توسيع نطاق اختصاص اللجنة، بل يستدعي إشراك آليات مستقلة قادرة على التحقق، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوصفها الجهة المحايدة المخولة قانونًا بالتواصل مع جميع أطراف النزاع، إلى جانب لجنة تقصي الحقائق الأممية بشأن السودان، ومنظمات المجتمع المدني الموثوقة. فهذه الآليات، مجتمعة، قادرة على تقديم ضمانات للتحقق المستقل، وكسر الاحتكار الحكومي لملف المفقودين، وفتح قنوات اتصال مع جميع الأسر بغض النظر عن مناطق تواجدها أو انتماءاتها. وبدون هذه الضمانات، يظل أي جهد رسمي، مهما كانت نواياه، أسيرًا لحدوده التأسيسية، وأقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلها.

ويبقى معيار الحكم على اللجنة هو ما إذا كانت ستوسع دائرة الحماية والإنصاف لتشمل جميع الضحايا، أم ستعيد إنتاج الانقسام القائم في إدارة ملف المفقودين. وهذا المعيار، في النهاية، ليس رهينًا بالنوايا المعلنة، بل بالنتائج الفعلية التي ستترتب على عمل اللجنة، وبقدرتها على تجاوز حدودها التأسيسية لتتحول من أداة أرشيفية إلى آلية حماية حقيقية.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
- 7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال ...
- 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة ا ...
- 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
- 2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
- رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين
- 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية
- 16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
- 15. التنظيم الذاتي والمقاومة
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة


المزيد.....




- اعتقال سيدة أساءت للرئيس السيسي وقيادات الدولة في مصر
- المندوب الأمريكي بالأمم المتحدة: مفاوضات واشنطن وطهران تجري ...
- من داخل زنازين صيدنايا.. غوتيريش يوثق مشاهداته لـ-فظاعة التع ...
- رايتس ووتش: عنف المستوطنين في الضفة الغربية يهدد بفظائع جماع ...
- مسؤولة أمريكية تطالب باعتقال ضابط شرطة تورط بحادثة إطلاق الن ...
- زعيم حزب -الإصلاح- البريطاني يطالب الحكومة بكشف صلات محتملة ...
- صور وفيديو.. مستوطنون يحرقون مسجدين واعتقال عشرات الفلسطينيي ...
- أمنستي: منح الشرطة الهندية صلاحيات استثنائية إهانة لحقوق الإ ...
- جيش الاحتلال يزعم اعتقال 12 مشتبها به في عمليات تحريض بقرية ...
- اعتقال 15 شخصاً في مواجهات بين مناهضي الهجرة ونشطاء حقوقيين ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عماد حسب الرسول الطيب - ملف المفقودين وصراع السرديات