عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 02:47
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
بعد أن تبينت حدود الفيدرالية في معالجة التهميش الجهوي، ما لم تقترن بإعادة توزيع الثروة والسلطة على الأقاليم، تنتقل وثيقة حمدوك إلى الركيزة التي تمثل، في نظر الكثيرين، جوهر الأزمة السودانية: المؤسسة العسكرية. يدعو حمدوك إلى "بناء جيش قومي مهني موحد يخضع بالكامل للقادة المدنية المنتخبة"، مع "تنفيذ إصلاحات شاملة تشمل الدمج وإعادة التأهيل وإبعاد القوات النظامية عن النشاطين الاقتصادي والسياسي، إلى جانب تضمين نصوص دستورية تجرم الانقلابات العسكرية وتمنع تكرارها". في الظاهر، تبدو هذه الدعوة تعبيراً عن مشروع حداثي لتجاوز عقود من الهيمنة العسكرية على الدولة السودانية؛ فمن يستطيع أن يعترض على جيش يخضع للسلطة المدنية، ويتجرد من امتداداته الاقتصادية، وتُجرم فيه الانقلابات؟ لكن السؤال الذي تتجنبه الوثيقة، ويشكل جوهر أي تحليل مادي جدلي لهذه الركيزة، ليس "هل إصلاح الجيش ضروري؟"، بل "أي إصلاح؟ ولصالح أي طبقة؟ وفي أي سياق تاريخي؟"
فالجيش، في الأدبيات الليبرالية، يُنظر إليه غالباً بوصفه مؤسسة محايدة مهمتها حماية الوطن والدفاع عن حدوده، ويمكن إصلاحها بإعادة تنظيمها وإخضاعها للمدنيين. غير أن التحليل المادي الجدلي يضطرنا إلى التساؤل: هل الجيش، في جوهره، مؤسسة محايدة يمكن إصلاحها بمراسيم دستورية؟ أم أنه، في سياق رأسمالي وفي دول شهدت تاريخاً من الانقلابات والهيمنة العسكرية، يشكل جهازاً طبقياً بامتياز، وإحدى أدوات الدولة الأساسية لحماية مصالح الطبقة المسيطرة وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة القائمة؟ ويرى ماركس أن الجيش والبيروقراطية يشكلان جزءاً من جهاز الدولة الذي يحافظ على النظام الاجتماعي القائم، وليس مجرد أدوات إدارية محايدة. وكما أكد لينين، فإن جوهر الدولة هو "جهاز خاص للإكراه والقمع"، والجيش هو العنصر الأبرز في هذا الجهاز. والحديث عن إصلاح الجيش، دون مساءلة دوره الطبقي وامتداداته الاقتصادية، هو حديث عن تغيير شكل الأداة مع بقاء وظيفتها الاجتماعية على حالها.
لا تنبع خطورة المؤسسة العسكرية، في المنظور الماركسي، من امتلاكها شركات أو موارد اقتصادية فحسب، بل من احتكارها وسائل العنف المنظم باسم الدولة. فهذه القدرة هي التي تتيح لها حماية امتيازاتها الاقتصادية والسياسية، وتجعل إمبراطوريتها الاقتصادية نتيجة لموقعها داخل جهاز الدولة الطبقي، لا سبباً مستقلاً عنه. فالجيش ليس مجرد مجموعة شركات، بل هو قبل كل شيء احتكار لوسائل الإكراه، وهذا الاحتكار هو ما يمنحه القوة لفرض مصالحه وحماية امتداداته، سواء عبر الانقلابات المباشرة أو عبر الضغط غير المباشر على السلطة المدنية.
وهذه ليست مقولة نظرية فحسب، بل هي ما تثبته قراءة تاريخ الجيش السوداني نفسه. فالجيش السوداني لم ينشأ كجيش وطني محايد، بل كجهاز استعماري في الأصل، حيث نشأ امتداداً لقوات أنشأتها الإدارة الاستعمارية لخدمة الدولة الاستعمارية قبل أن يرثها النظام الوطني بعد الاستقلال، ثم تحول بعد الاستقلال إلى أداة في يد النخب المركزية لحماية امتداداتها الاقتصادية والسياسية. ومنذ انقلاب 1958، أصبح الجيش الفاعل السياسي الأكثر حضوراً في تاريخ السودان، متناوباً على الحكم مع فترات مدنية هشة، دون أن تتغير علاقته بملكية الثروة أو بموازين القوى الطبقية. بل إن كل انقلاب عسكري كان يعيد إنتاج التحالف الطبقي نفسه بين المؤسسة العسكرية والرأسمال الطفيلي والنخب المركزية، مع اختلاف الشعارات السياسية التي يرفعها. ولم تكن الانقلابات مجرد تدخلات سياسية عابرة، بل كانت تعبيراً عن موقع الجيش كحارس للنظام الطبقي القائم، وكجهاز يعمل على إعادة إنتاج الهيمنة كلما تهددت مصالح النخب المسيطرة.
وتتخذ هذه الحقيقة شكلاً أكثر تعقيداً في العقود الأخيرة، حيث تحول الجيش السوداني من مجرد مؤسسة عسكرية إلى إمبراطورية اقتصادية ضخمة. تشير بعض التقديرات إلى أن الجيش السوداني يسيطر اليوم على قطاع واسع من الاقتصاد الوطني، يضم نحو 200 شركة تعمل في مجالات المصارف، تعدين الذهب، والزراعة. ويُقدّر قطاع الذهب وحده، وفقاً لبعض المصادر البريطانية، بحوالي 1.5 مليار دولار سنوياً، وهو ما يشكل المحرك الأساسي لاقتصاد الحرب. وهذه الامتدادات الاقتصادية ليست مجرد نشاط تجاري جانبي، بل هي جزء من بنية الجيش ذاتها، وتشكل مصلحة مادية مباشرة تدفع المؤسسة العسكرية إلى التمسك بسلطتها السياسية والاقتصادية. فالجنرالات الذين يسيطرون على هذه الإمبراطورية الاقتصادية لن يتخلوا عنها طواعية بموجب نصوص دستورية، لأن مصالحهم الطبقية مرتبطة عضوياً باستمرار هذه السيطرة.
وهذه الظاهرة ليست خاصة بالسودان، بل هي سمة عامة للدول التي شهدت هيمنة عسكرية ممتدة. ففي مصر، تشير بعض الدراسات والتقديرات إلى أن حصة الجيش في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 25% و40%، ولم تمنع الثورات والانتقالات السياسية المتعاقبة الجيش من الاحتفاظ بامتداداته الاقتصادية والسياسية، بل أعاد إنتاجها بأشكال جديدة. وفي تركيا، اكتسب الجيش قوة اقتصادية كبيرة عززت نفوذه، عبر مؤسسات مثل OYAK، التي تحولت إلى إمبراطورية مالية وصناعية كبرى. هذه التجارب تثبت أن الإمبراطوريات الاقتصادية العسكرية لا تتفكك بقوانين أو دساتير، بل بتغير موازين القوى الفعلية على الأرض، وبقوة اجتماعية قادرة على فرض هذا التغيير.
والأكثر إشكالية في وثيقة حمدوك أنها تتعامل مع الجيش كجهاز يمكن إصلاحه بنصوص دستورية، متجاهلة أن الجيش ليس مجرد مؤسسة أمنية، بل هو جزء من آلة الدولة الطبقية، وله امتدادات اقتصادية وسياسية عميقة تجعله فاعلاً مستقلاً في الصراع على السلطة والثروة. فالدعوة إلى "جيش مهني يخضع للمدنيين"، في غياب أي برنامج لتفكيك الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية، وفي غياب أي قوة اجتماعية قادرة على فرض هذا الإخضاع، تظل مجرد رهان دستوري لا يملك أدوات تحقيقها. ومن المنظور اللينيني، فإن تغيير طبيعة الدولة يرتبط بتغير موازين القوى الطبقية، لا بمجرد الإصلاحات القانونية. فالدولة التي يبقى جيشها إمبراطورية اقتصادية، ويظل ضباطها مسيطرين على مفاتيح الثروة والسلاح، تظل دولة عسكرية طبقياً، مهما تغيرت دساتيرها.
تكشف التجارب التاريخية عن حدود الإصلاحات الدستورية في مواجهة الإمبراطوريات الاقتصادية العسكرية. ففي مصر، لم تمنع الدساتير المتعاقبة والانتقالات السياسية المتعددة الجيش من الاحتفاظ بامتداداته الاقتصادية، بل أعاد إنتاجها بأشكال جديدة، لأن أي إصلاح لا يمس مصالح الجيش الطبقية يظل مجرد تغيير شكلي. وفي تركيا، ظل الجيش فاعلاً سياسياً واقتصادياً مؤثراً لعقود، رغم التعديلات الدستورية المتكررة، لأن مصالحه الاقتصادية كانت تمنحه استقلالاً مادياً عن السلطة المدنية. هذه التجارب تثبت أن إخضاع الجيش للسلطة المدنية لا يُحسم بتوازنات قانونية، بل بتوازنات قوى فعلية على الأرض.
وهنا تتكشف الحدود النظرية والسياسية لمشروع إصلاح الجيش كما تطرحه الوثيقة. فالمشكلة لا تكمن في فكرة إخضاع الجيش للمدنيين، بل في فصلها عن مشروع أوسع لإعادة هيكلة الدولة على أساس مصالح الكادحين، وتفكيك الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية، وإعادة توزيع الثروة والسلطة. فالجيش الذي يظل مسيطراً على الذهب والبنوك والزراعة، ويظل قادراً على تمويل نفسه بنفسه، يظل دولة داخل الدولة، مهما كانت دساتيره مدنية. فالدولة لا تُصلح بقوانين، بل تُصنع بموازين القوى، وتُعاد تشكيلها عندما تتغير موازين القوى نفسها.
السودان ليس بحاجة إلى نصوص دستورية تجرم الانقلابات، بل إلى مشروع تحرر يبدأ بتفكيك الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية، وإخضاع جميع الأنشطة الاقتصادية العسكرية للرقابة الشعبية والمالية الكاملة، واستعادة السيطرة الشعبية على الموارد الاستراتيجية، وبناء جيش يخضع لسلطة منتخبة من أسفل، لا لسلطة مدنية تظل رهينة لامتدادات الجيش الاقتصادية. وهذه المهمة لا يمكن أن تنجزها نخبة مدنية تتبنى خطاباً إصلاحياً، بل تتطلب حركة جماهيرية منظمة تناضل من أجل نزع السلاح الاقتصادي من أيدي المؤسسة العسكرية، وإعادة توزيع الثروة على أساس العدالة.
ليس المقصود من هذا النقد رفض فكرة إخضاع الجيش للسلطة المدنية بوصفها قيمة ديمقراطية، بل النقد موجّه إلى حدود هذه الفكرة حين تُقدَّم باعتبارها حلاً سياسياً مستقلاً، وكأنها قادرة بمفردها على معالجة أزمة الهيمنة العسكرية في السودان. فالماركسية لا تعارض إخضاع الجيش للسلطة المدنية، لكنها ترفض تحويله إلى بديل عن الصراع حول علاقات الإنتاج، وإلى غطاء يستر استمرار السيطرة الطبقية تحت لغة الإصلاح المؤسسي. فإخضاع الجيش للمدنيين، إذا اقتصر على الجانب الدستوري دون مساس بامتداداته الاقتصادية، لا يعدو أن يكون تغييراً في شكل العلاقة مع بقاء جوهر السيطرة العسكرية على حاله.
استمرار احتكار المؤسسة العسكرية لمفاتيح الاقتصاد لا يعوضه إخضاعها الدستوري للمدنيين، ولا يلغي الحاجة إلى تفكيك الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية كشرط أساسي لأي تحول حقيقي. وإذا كان إصلاح الجيش بهذا المعنى لا يكفي وحده لضمان انتقال السلطة إلى المدنيين، فإن السؤال الذي يطرحه المقال التالي هو: كيف تتعامل وثيقة حمدوك مع ملف العدالة الانتقالية؟ فالدعوة إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، التي تقدمها الوثيقة كركيزة خامسة، تبدو وكأنها خطوة نحو إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. ولكن، إذا كانت الإصلاحات الدستورية وحدها لا تكفي لتغيير طبيعة الدولة، فهل يكفي تحقيق العدالة لتحقيق ذلك، أم أن العدالة، في غياب تغيير جذري في موازين القوى، قد تتحول إلى أداة لإدارة الذاكرة بدلاً من أن تكون أداة للتحول؟ هذا ما ستناقشه الحلقة العاشرة.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟