أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟















المزيد.....

10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 02:51
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


بعد تفكيك حدود إصلاح الجيش، وما يتطلبه من مواجهة جذرية للامتدادات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، تنتقل وثيقة حمدوك إلى ركيزة تبدو، في ظاهرها، الأكثر تعبيراً عن قيم حقوق الإنسان والانتقال الديمقراطي: العدالة الانتقالية. يؤكد حمدوك في وثيقته أن "العدالة الانتقالية تمثل الركيزة الرابعة لإعادة بناء الدولة، وأن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق دون كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مع الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية الناجحة بما يخدم المصالح الوطنية". في الظاهر، تبدو هذه الدعوة تعبيراً عن مشروع أخلاقي وقانوني لتجاوز إرث الحرب والانتهاكات؛ فمن يستطيع أن يعترض على كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة الجناة؟ لكن السؤال الذي تتجنبه الوثيقة، ويشكل جوهر أي تحليل مادي جدلي لهذا المفهوم، ليس "هل العدالة الانتقالية قيمة نبيلة؟"، بل "أي عدالة انتقالية؟ ولمن تخدم؟ وفي أي سياق تاريخي؟"

فالعدالة الانتقالية، في الأدبيات الليبرالية، تعني مجموعة من الآليات القانونية والإجرائية التي تهدف إلى معالجة انتهاكات حقوق الإنسان في فترات التحول من الحرب إلى السلام، أو من الاستبداد إلى الديمقراطية. وتشمل هذه الآليات المحاكمات الجنائية، ولجان تقصي الحقائق، وبرامج التعويضات، والإصلاحات المؤسسية، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، والمصالحة الوطنية. وهي بهذا المعنى تُطرح كآلية لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وبناء دولة القانون، وتحقيق المصالحة بين أطراف النزاع. غير أن التحليل المادي الجدلي يضطرنا إلى التساؤل: هل هذه الآليات القانونية، بمفردها، كافية لتحقيق العدالة في مجتمع مزقته الحرب والنهب والاستغلال الطبقي؟ أم أنها، في سياق رأسمالي وفي دولة تعيد إنتاج علاقات الهيمنة القائمة، قد تتحول إلى أداة لإدارة الذاكرة الجماعية وإغلاق ملف الماضي سياسياً، بينما تبقى البنى الاقتصادية والسياسية التي أنتجت الانتهاكات على حالها؟

ومن منظور مادي جدلي، ينبغي التمييز بين العدالة الجنائية، التي تركز على مساءلة الأفراد عن الجرائم، والعدالة الاجتماعية، التي تستهدف تغيير البنى الاقتصادية والسياسية التي جعلت تلك الجرائم ممكنة. فمحاكمة المسؤولين قد تكون ضرورة أخلاقية وقانونية، لكنها لا تكفي ما لم تقترن بتغيير العلاقات التي أعادت إنتاج الحرب والنهب. فالعدالة التي لا تمس البنى الاقتصادية التي أنتجت الحرب، والتي لا تسترد الثروات المنهوبة، والتي لا تعيد توزيع السلطة على أساس العدالة، تظل عدالة شكلية، قد تمنح الضحايا شعوراً بالإنصاف، لكنها لا تمنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.

وهنا تبرز حقيقة أساسية تغفلها الأدبيات الليبرالية للعدالة الانتقالية: أن العدالة لا تقتصر على محاكمة الأفراد، بل تشمل تفكيك البنى الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت الانتهاكات في المقام الأول. فالحرب في السودان، كما في أي حرب أهلية، لم تنتج فقط قتلى ونازحين، بل أنتجت أيضاً ثروات هائلة راكمتها شبكات الحرب عبر الذهب والسلاح والتهريب والنهب المنظم للموارد. والعدالة التي لا تشمل استرداد هذه الثروات، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإعادة بناء علاقات الملكية والسيطرة على الموارد، تظل عدالة إجرائية، تُحاكم بعض الجناة بينما تترك البنية التي أنتجتهم قائمة. وينسجم ذلك مع نقد روزا لوكسمبورغ للإصلاحية القانونية، إذ رأت أن التغيير الاجتماعي لا يتحقق بمجرد تعديل القوانين، بل بتغيير علاقات القوة والملكية التي تقوم عليها.

وتأخذ هذه الإشكالية شكلاً أكثر تعقيداً في السياق السوداني. فالحرب في السودان ليست مجرد صراع بين قوى سياسية وعسكرية، بل هي أيضاً صراع حول السيطرة على الموارد ومسارات التراكم الرأسمالي، ونتاج لبنية اقتصادية وسياسية متراكمة تاريخياً، تشمل عقوداً من التهميش الجهوي، ونهب الموارد، وهيمنة النخب العسكرية والطائفية، وتحالفات الرأسمال الطفيلي مع أجهزة الدولة. والعدالة الانتقالية التي تطرحها وثيقة حمدوك، في غياب أي برنامج لتفكيك هذه البنى، وفي غياب أي مساءلة للشبكات الاقتصادية التي مولت الحرب واستفادت منها، تبقى عدالة قانونية مجردة، تحاكم بعض الرموز بينما تترك النظام الذي أنتج الانتهاكات قائماً.

تكشف تجارب دولية عديدة عن حدود هذا الطرح. ففي جنوب أفريقيا، كانت لجنة الحقيقة والمصالحة، التي ترأسها ديزموند توتو، نموذجاً رائداً للعدالة الانتقالية، حيث فضحت الانتهاكات ومنحت العفو مقابل الاعتراف. لكنها لم تُحدث تغييراً جذرياً في البنية الاقتصادية للفصل العنصري، فظل الجزء الأكبر من الثروة والأصول الإنتاجية في يد النخب الاقتصادية التي تشكلت خلال حقبة الفصل العنصري، بينما بقيت علاقات الملكية الرأسمالية الكبرى دون تغيير، رغم انتقال السلطة السياسية إلى الأغلبية السوداء. وفي رواندا، نجحت المحاكمات في محاكمة مرتكبي الإبادة، لكن لم يكن التحول الاقتصادي والاجتماعي جزءاً مركزياً من منظومة العدالة الانتقالية نفسها، مما جعل العدالة تبدو وكأنها تغلق ملفاً بدلاً من أن تفتح طريقاً لتغيير جذري. وفي كولومبيا، واجهت اتفاقية السلام والعدالة الانتقالية تحديات مماثلة، خاصة في ما يتعلق بملكية الأرض، حيث ظلت البنى الاقتصادية المرتبطة بالصراع قائمة إلى حد كبير. هذه التجارب تثبت أن العدالة الانتقالية، وحدها، ليست ضماناً للتحول، وأنها قد تتحول إلى أداة لإدارة الذاكرة بدلاً من أن تكون أداة لتغيير الواقع.

والأكثر إشكالية في وثيقة حمدوك أنها تطرح العدالة الانتقالية كركيزة مستقلة، وكأنها يمكن تطبيقها بمعزل عن تغيير جذري في موازين القوى. فهي تتحدث عن "كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين"، لكنها لا تقدم تصوراً لكيفية التعامل مع شبكات الحرب والنهب التي ما زالت مسيطرة على الذهب والسلاح، ولا لكيفية ضمان ألا تتحول المحاكمات إلى أداة سياسية بيد النخب الحاكمة. فالنخبة التي تتحكم في آليات العدالة قد تضم أطرافاً كانت جزءاً من النظام الذي أنتج الانتهاكات، أو على الأقل تواطأت معه، مما يجعل محاكمتها لنفسها أمراً مستبعداً دون تغيير جذري في موازين القوى.

وهنا تتكشف الحدود النظرية والسياسية للعدالة الانتقالية كما تطرحها الوثيقة. فالمشكلة لا تكمن في فكرة العدالة والمحاسبة، بل في فصلها عن مشروع تحرر اجتماعي واقتصادي أوسع. فالعدالة التي لا تمس البنى الاقتصادية التي أنتجت الحرب، والتي لا تسترد الثروات المنهوبة، والتي لا تعيد توزيع السلطة على أساس العدالة، تظل عدالة شكلية. وكما كتب غرامشي، فإن الهيمنة لا تمارس فقط بالقوة والقمع، بل عبر إعادة إنتاج وعي الطبقة المسيطرة كوعي عام. والعدالة الانتقالية، حين تُفصل عن مشروع تحرر جماهيري، يمكن أن تصبح أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، حيث تحول الصراع الطبقي إلى قضايا فردية، وتخرجه من مجاله الاجتماعي إلى المجال القضائي، بما يحوله إلى مسؤوليات جنائية فردية، والظلم البنيوي إلى انتهاكات قانونية، والثورة الاجتماعية إلى تسوية سياسية.

العدالة تقوم على عملية تحرر اجتماعي تبدأ بتفكيك بنية النهب والتبعية، واسترداد الثروات المنهوبة، وتجفيف مصادر اقتصاد الحرب، وإعادة توزيع السلطة والثروة على أساس العدالة، وبناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية تخضع قرارات الاقتصاد الكلي لرقابة شعبية، وتجعل المنتجين الحقيقيين هم أصحاب القرار في مستقبل بلادهم. وهذه المهمة لا يمكن أن تنجزها نخبة مدنية تتبنى خطاباً حقوقياً مجرداً منفصلاً عن شروط الواقع الاجتماعي، بل تتطلب حركة جماهيرية منظمة تناضل من أجل العدالة الشاملة، التي لا تقتصر على المحاكمات، بل تمتد إلى تفكيك البنى التي تنتج الظلم.

لا يقدم هذا المقال رفضاً لمبدأ العدالة والمحاسبة بوصفه قيمة ديمقراطية، بل يتوجه نقده إلى حدود هذا المبدأ حين يُقدَّم باعتباره حلاً مستقلاً، وكأنه قادر بمفرده على معالجة جذور الأزمة في مجتمع معقد مثل السودان. فالماركسية لا تعارض العدالة الانتقالية كآلية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، لكنها ترفض تحويلها إلى بديل عن الصراع حول علاقات الإنتاج، وإلى غطاء يستر استمرار الهيمنة الطبقية تحت لغة المصالحة والمحاسبة. فالعدالة التي لا تعيد توزيع الثروة، ولا تفكك اقتصاد الحرب، ولا تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، ولا تضع المنتجين المباشرين أنفسهم في موقع السيطرة الديمقراطية على وسائل الإنتاج والموارد، تظل عدالة جزئية، وقد تتحول إلى إدارة قانونية للماضي، مع الإبقاء على الشروط التي تعيد إنتاجه.

وإذا كانت العدالة الانتقالية، وحدها، لا تكفي لتحقيق العدالة الشاملة، فإن السؤال الذي يطرحه المقال التالي هو: كيف تتعامل وثيقة حمدوك مع مسألة الحوكمة ومكافحة الفساد؟ فالدعوة إلى بناء مؤسسات رقابية مستقلة وتعزيز الشفافية، التي تقدمها الوثيقة كركيزة سادسة، تبدو وكأنها خطوة نحو محاربة الفساد، لكنها في الحقيقة تتجاهل أن الفساد في السودان ليس مجرد انحراف أخلاقي أو إداري، بل هو أحد أشكال تراكم رأس المال الطفيلي وآلية لإعادة إنتاج السلطة الطبقية. هذا ما ستناقشه الحلقة الحادية عشرة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
- 7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال ...
- 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة ا ...
- 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
- 2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
- رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين
- 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية
- 16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
- 15. التنظيم الذاتي والمقاومة
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟


المزيد.....




- تأييد الأمريكيين لحرب إيران في أدنى مستوياته مقابل ارتفاع شع ...
- وزيرة خارجية اليمن: الحوثيون يسعون لاستنساخ نموذج إيران في ه ...
- ليبيا.. حراك تاجوراء يعلن العصيان المدني ويغلق مؤسسات حكومية ...
- تقرير أمريكي يكشف عن دور عربي محوري مؤثر في مفاوضات إيران
- إعلام عبري: الجيش اللبناني أبلغ عن العثور على مخزن أسلحة لحز ...
- البيت الأبيض: حان الوقت لإنهاء النزاع في أوكرانيا ولقاء ترام ...
- مفاجأة الميركاتو.. بشكتاش التركي ينسحب من صفقة صلاح
- الحكم أمين عمر يكشف كواليس حديثه مع حكم مباراة مصر والأرجنتي ...
- الخطيب: طلبت استبدال السلالم الخرسانية بسلالم متحركة في ستاد ...
- فودافون تعلن تسمية ملعب الأهلي الجديد بـ «ستاد فودافون»


المزيد.....

- كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل ... / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان / سيد صديق
- تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ ... / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- المثقف العضوي و الثورة / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمري
- العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967 / عادل العمري
- المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال ... / منى أباظة
- لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية / مزن النّيل
- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟