|
|
17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإعادة بناء الوعي
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 01:38
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
بعد أن أسست الحلقتان السابقتان المهام العاجلة لوقف الحرب وإعادة بناء المجتمع، ثم انتقلتا إلى إعادة تنظيم قاعدة الإنتاج والتحرر من اقتصاد الحرب، تنتقل هذه الحلقة إلى المستوى الذي يربط الاقتصاد السوداني بالنظام الرأسمالي العالمي، ويربط إعادة إنتاج الثروة بإعادة إنتاج السلطة والوعي: النظام المالي، والعلاقات الخارجية، والثقافة والتكنولوجيا. فالتبعية لا تُنتج في الأسواق وحدها، ولا عبر الديون وحدها، كما لا تُنتج في أجهزة الدولة وحدها، بل عبر شبكة مترابطة من العلاقات الاقتصادية والمالية والسياسية والثقافية والتكنولوجية. ولذلك فإن بناء اقتصاد وطني لا يكتمل من دون انتزاع قدر متزايد من الاستقلال الاقتصادي والسياسي الفعلي داخل النظام الرأسمالي العالمي، ومن دون إخضاع المال العام والتمويل الخارجي والموارد الاستراتيجية للمصلحة الاجتماعية، ومن دون تفكيك أجهزة إنتاج الوعي التي تعيد إنتاج الهيمنة الطبقية والتبعية، وبناء قدرة اجتماعية متزايدة على تحديد أولويات الإنتاج والتوزيع والعلاقات الخارجية.
ولا تعني السيادة هنا سيادة الدولة على المجتمع، ولا سيادة النخبة الوطنية على الموارد، بل قدرة المنتجين والمجتمع المنظم على انتزاع القرار الاقتصادي والسياسي من شبكات رأس المال والريع والتبعية. ولا يتعامل هذا البرنامج مع النظام المالي أو العلاقات الخارجية أو الثقافة باعتبارها مجالات تقنية منفصلة عن الصراع الاجتماعي. فكل سياسة مالية تحدد من يدفع ومن يحصل، وكل اتفاق خارجي يعيد توزيع مواقع القوة، وكل نظام تعليمي وإعلامي يساهم في إنتاج وعي معين بالعالم والمجتمع. ولذلك فإن معيار البرنامج في كل هذه المجالات ليس الكفاءة التقنية وحدها، بل السؤال الطبقي: من يستفيد؟ من يدفع؟ من يملك القرار؟ ومن يملك القدرة على مراقبته وتغييره؟
وبينما تناولت الحلقة السابقة أدوات النظام المالي والائتمان والضرائب والإنفاق العام من زاوية تمويل إعادة البناء والإنتاج، تتناولها هذه الحلقة من زاوية السيطرة الاجتماعية على النظام المالي وعلاقته بالتبعية الخارجية، وإعادة تعريف موقع السودان في تقسيم العمل الدولي، وتفكيك أجهزة إنتاج الوعي التي تعيد إنتاج الهيمنة. ولا يعني ذلك فصل هذه القضايا عن الاقتصاد الداخلي، بل استكمالها من مستوى آخر، لأن السيطرة على الموارد داخل البلاد تظل محدودة إذا بقي القرار المالي والتجاري والتكنولوجي خاضعاً لشبكات خارجية وداخلية متشابكة.
أولاً: السيادة المالية وإعادة تنظيم النظام المالي
لا تعني السيادة المالية مجرد امتلاك عملة وطنية أو وجود بنك مركزي، بل امتلاك المجتمع القدرة الفعلية على تحديد اتجاه الموارد العامة والائتمان والاستثمار والدين، ومعرفة كيفية تحصيل المال العام وإنفاقه ومراقبة مساراته. ولذلك يتطلب البرنامج إعادة بناء النظام المالي بحيث يخدم الإنتاج والحاجات الاجتماعية، لا المضاربة والريع وتراكم الثروة لدى أقلية محدودة. ويشمل ذلك الضرائب التصاعدية على الثروة والريع والأرباح الاحتكارية، وتخفيف العبء عن صغار المنتجين والأجور والاستهلاك الضروري، وإخضاع النشاط الاقتصادي للمؤسسات والشركات التابعة للقوات النظامية للقواعد الضريبية والمالية العامة، تمهيداً لإخراجه من النشاط الاقتصادي العسكري، ومكافحة التهرب والتهريب المالي وتحويل الأرباح بصورة غير مشروعة، وإعادة توجيه الائتمان نحو الزراعة والصناعة والتعاونيات وصغار المنتجين، مع إخضاع المؤسسات المالية لشفافية تمنع استخدام الائتمان العام في خدمة المصالح الاحتكارية.
أما البنك المركزي، فتُضمن استقلاليته الفنية في أدواته النقدية اليومية، مع إخضاع أهداف السياسة النقدية والإطار العام للنظام المالي للمساءلة العامة والتشريعية والشعبية، حتى لا تتحول "استقلالية البنك المركزي" إلى حصانة أمام المجتمع. ويعني استقلاله الفني استقلال أدواته وإجراءاته عن التدخل السياسي المباشر، لا استقلاله عن الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي تحددها السلطة المنتخبة والمؤسسات العامة. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون قراراته الأساسية المتعلقة بالاستقرار النقدي والائتماني قابلة للتقييم العلني، حتى لا تتحول الخبرة الفنية إلى سلطة مغلقة منفصلة عن الآثار الاجتماعية لسياساتها.
وتتطلب هذه الإصلاحات تدقيقاً شاملاً للديون الخارجية لتحديد الديون غير المشروعة أو المرتبطة بالفساد أو القمع أو تمويل الحرب أو الإثراء الخاص، ودراسة مدى انطباق مفهوم الديون الكريهة على الحالات التي تستوفي شروطه القانونية والسياسية، ثم التفاوض على إلغائها أو إعادة هيكلتها وفق نتائج التدقيق، مع نشر نتائج التدقيق للرأي العام، وتحديد المسؤولية عن الديون التي استخدمت لتمويل الحرب أو الإثراء الخاص أو المشروعات غير المنتجة. ولا يجوز تحميل الجماهير ديوناً تراكمت نتيجة الفساد أو تمويل الحرب أو إثراء النخب من دون مساءلة من أنشأها واستفاد منها. واستعادة الأموال المنهوبة والمودعة في الخارج، مع إنشاء سجل وطني للأصول العامة والأموال المستردة، ونشر البيانات المتعلقة بها، وإخضاع عمليات الاسترداد والتصرف فيها للرقابة العامة. وتُوجه الأموال المستردة وفق أولويات معلنة إلى إعادة الإعمار والخدمات والإنتاج، ولا يجوز استخدامها خارج موازنة عامة خاضعة للرقابة الشعبية. وإصلاح الجمارك لمكافحة التهريب، وإعادة هيكلة الإنفاق العام بحيث تنتقل الأولوية من الأمن والحرب إلى التنمية والخدمات، مع نشر الموازنة وبيانات الإنفاق والعقود والامتيازات بما يسمح للمجتمع بمراقبة حركة المال العام.
ثانياً: العلاقات الخارجية وفك الارتباط بالتبعية
ليست المشكلة في انفتاح السودان على العالم، بل في موقعه داخل تقسيم العمل الدولي: تصدير المواد الخام، استيراد السلع المصنعة، الاعتماد على التمويل الخارجي، وربط السياسات الاقتصادية بشروط القوى والمؤسسات الأقوى. ولذلك فإن فك الارتباط لا يعني قطع العلاقات الدولية، بل إعادة تنظيمها بما يسمح بتوسيع هامش القرار الوطني، وتنويع الشركاء، ونقل التكنولوجيا، وزيادة القيمة المضافة محلياً. ولا يعني تنويع الشركاء استبدال مركز تبعية بمراكز متعددة، فالمعيار ليس عدد الشركاء، وإنما طبيعة العلاقة الاقتصادية: مقدار القيمة المضافة المحلية، وشروط نقل التكنولوجيا، وحقوق العمال، والسيطرة على الموارد، والآثار البيئية، وقدرة السودان على تحديد أولوياته الاقتصادية بنفسه.
ويتطلب ذلك تنويع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول إفريقيا والعالم العربي وآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، على أساس المصالح المتبادلة، مع إعطاء الأولوية للتكامل الإقليمي والتعاون جنوب–جنوب ونقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل إنتاج مشتركة، مع رفض أي شروط خارجية تقيد حق المجتمع السوداني في تحديد سياساته الاقتصادية والاجتماعية، وقبول التعاون والتمويل الخارجي الذي لا يفرض إعادة إنتاج التبعية أو يهدد السيادة الوطنية. ويُدعم التكامل الإقليمي حين يوسع القدرات الإنتاجية ويعزز المصالح المشتركة للشعوب، لا حين يتحول إلى قناة جديدة لهيمنة رأس المال أو القوى الإقليمية. ولا تُقاس العلاقات الخارجية بعدد الاتفاقيات أو حجم التدفقات المالية وحدهما، بل بقدرتها على توسيع قاعدة الإنتاج ونقل المعرفة وتقليل التبعية وإعادة توزيع مكاسب التجارة والاستثمار لصالح المجتمع.
ولا تقتصر التبعية على علاقة الدولة السودانية بالدول الأجنبية، بل تشمل أيضاً علاقة رأس المال المحلي برأس المال العالمي والشركات متعددة الجنسيات وشبكات التجارة والتمويل. ولذلك يجب أن تخضع الاستثمارات الأجنبية لقواعد واضحة تضمن القيمة المضافة المحلية، ونقل التكنولوجيا، وحقوق العمال، والضرائب، وحماية البيئة، ومنع تحويل الموارد إلى مجرد مصدر للريع الخارجي، مع مراجعة العقود والامتيازات التي تمنح حقوقاً طويلة الأجل على الموارد الاستراتيجية. وتُستبعد من الامتيازات الاستثمارية القطاعات والموارد التي يقرر المجتمع أنها ذات طبيعة استراتيجية، أو تُخضع ملكيتها وشروط استغلالها للملكية العامة والسيطرة الاجتماعية. ويجب تقييم العقوبات والإجراءات المالية الخارجية وفق أثرها الطبقي والاجتماعي، والتمييز بين استهداف شبكات الحرب والفساد وبين الإجراءات التي تنقل كلفتها إلى الجماهير. ولا يجوز استخدام شعار السيادة الوطنية لتبرير القمع الداخلي أو احتكار الدولة للمعلومات أو حماية الفساد أو اقتصاد الحرب. فالسيادة التي يدافع عنها البرنامج هي سيادة المجتمع السوداني على موارده وقراره السياسي والاقتصادي، وهي لا تعني إعفاء أي سلطة داخلية من المساءلة.
ثالثاً: الثقافة والإعلام والتعليم – إنتاج الوعي والصراع على الهيمنة
لا يمكن بناء دولة جديدة دون تفكيك أجهزة إنتاج الهيمنة الفكرية التي أعادت النخب من خلالها إنتاج قبول اجتماعي لعلاقات السلطة والثروة القائمة. فالصراع لا يجري في الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل يجري أيضاً حول من يملك وسائل إنتاج المعرفة والإعلام والثقافة، ومن يحدد الرواية التي تُقدَّم للجماهير عن تاريخ السودان وحاضره ومستقبله. ولا يعني تفكيك الهيمنة استبدال أيديولوجيا رسمية بأخرى، بل تفكيك احتكار الدولة ورأس المال لوسائل إنتاج المعرفة والوعي، وفتح المجال أمام الصراع الفكري والثقافي الحر داخل المجتمع. فالهيمنة لا تعمل بالقسر وحده، وإنما عبر إنتاج القبول الاجتماعي لعلاقات السلطة، ولذلك فإن الصراع على الإعلام والتعليم والثقافة هو جزء من الصراع على السلطة، لا هامش ثقافي منفصل عنها. ومن هنا فإن التحرر الثقافي لا يعني محو الصراعات الفكرية، بل ضمان ألا يحتكر طرف واحد وسائل إنتاج المعرفة والقدرة على فرض روايته على المجتمع.
ولذلك، يجب إعادة تنظيم ملكية وسائل الإعلام ومنع الاحتكار الإعلامي، وإنشاء إعلام عمومي مستقل عن الحكومة، وإتاحة وسائل إعلام مجتمعية ونقابية وتعاونية، وضمان شفافية تمويل المؤسسات الإعلامية وملكية وسائلها، ومنع استخدام المال العام أو النفوذ السياسي لشراء المجال الإعلامي. ودعم الثقافة الشعبية والتعدد الثقافي واللغوي والإنتاج الثقافي المستقل، بما يعكس تنوع المجتمع السوداني وتاريخه وصراعاته الاجتماعية، وفتح المجال أمام الثقافة العمالية والفلاحية والشعبية التي ظلت مهمشة أمام الثقافة الرسمية والتجارية، باعتبارها أصواتاً اجتماعية متساوية في المجال الثقافي، لا باعتبارها ثقافة رسمية بديلة. كما يجب حماية حرية التنظيم الثقافي والنشر والإبداع، ومنع الرقابة السياسية على الإنتاج الثقافي والفكري، مع ضمان حق المجتمع في معرفة مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية والثقافية الكبرى.
وفي التعليم، يجب تفكيك آثار الاستعمار والعلاقات الطبقية والمركزية السياسية في إنتاج المعرفة والمناهج والمؤسسات التعليمية، ونقد الروايات التي تجعل تاريخ السودان حكراً على الدولة والنخب والمركز، مع إعادة بناء المناهج على أساس علمي وتعددي يضم تاريخ الأقاليم والجماعات المختلفة وتاريخ الحركات الاجتماعية والعمالية والفلاحية، ويربط المعرفة بالحياة الاجتماعية والعمل والإنتاج لا بحفظ الروايات الرسمية. وضمان حق المجتمعات في استخدام لغاتها المحلية في التعليم الأساسي والإدارة والثقافة حيثما كان ذلك ممكناً عملياً، مع توفير الموارد اللازمة لتطوير المناهج والمواد التعليمية بهذه اللغات، مع ضمان تعلم اللغة العربية واللغات الأجنبية اللازمة للتعليم والعمل والتواصل الوطني والدولي. كما يجب حماية استقلال الجامعات ودعم البحث العلمي وربطه بحاجات المجتمع والإنتاج، بحيث لا تتحول إعادة بناء التعليم إلى إعادة إنتاج النخب القديمة في مؤسسات جديدة.
رابعاً: التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والسيادة المعرفية والرقمية
لا يمكن الحديث عن تنمية مستقلة دون السيطرة على التكنولوجيا. ولا تُعامل التكنولوجيا كقوة محايدة منفصلة عن علاقات الإنتاج؛ فملكية البنية التحتية الرقمية والبيانات والمنصات تحدد من يملك القدرة على استخدامها ومن يملك عوائدها. ولذلك يجب منع احتكار البيانات والبنية الرقمية من قبل الدولة أو الشركات الخاصة، وإخضاعها لقواعد شفافة تحمي الخصوصية وتضمن المصلحة الاجتماعية. ولا تعني الملكية العامة للبنية الرقمية احتكار الدولة للمعلومات، بل إخضاع البنية التحتية والبيانات لقواعد عامة تضمن الوصول والشفافية والخصوصية والرقابة المجتمعية، مع التمييز الواضح بين البيانات العامة التي ينبغي إتاحتها والبيانات الشخصية التي يجب حمايتها.
ويتطلب البرنامج بناء بنية رقمية وطنية، وسيادة البيانات، وتشجيع البرمجيات الحرة والمعايير المفتوحة، والتحول الرقمي للخدمات، وتوسيع الوصول العام إلى الإنترنت والبنية الرقمية باعتباره جزءاً من البنية التحتية الاجتماعية، وتقليل الفجوة الرقمية بين المركز والأقاليم وبين المدن والريف. واستخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة والصحة والتعليم والتخطيط والخدمات العامة، على أساس أن تكون قرارات استخدامه خاضعة للتقييم الاجتماعي والشفافية، وألا يحل محل القرار البشري أو يخلق أنظمة تصنيف وتمييز آلية غير قابلة للمساءلة، مع منع استخدامه في المراقبة الجماعية أو التمييز، وبناء قدرات محلية بدلاً من الاعتماد الكامل على المنصات والشركات الأجنبية. ويجب أن يرتبط توطين التكنولوجيا بقاعدة الإنتاج نفسها، بحيث لا يقتصر على استيراد المعدات والبرمجيات، بل يشمل تطوير المهارات والبحث العلمي والصيانة والتصنيع ونقل المعرفة.
وتُشرف على ذلك مؤسسة وطنية مستقلة للسيادة الرقمية، تخضع للقانون والرقابة البرلمانية والشعبية، مع استقلال فني، وتمنع احتكار البيانات أو استخدامها للمراقبة السياسية، مع ضمان حق المواطنين في معرفة كيفية جمع بياناتهم واستخدامها، ولا يجوز أن تتحول السيادة الرقمية إلى ذريعة لبناء جهاز رقابة جماعية على المجتمع. ويُعد الحق في الوصول إلى المعلومات العامة ونشر البيانات المالية والاقتصادية والعقود والامتيازات جزءاً أساسياً من الملكية الاجتماعية والرقابة الشعبية، وليس مجرد إجراء إداري للشفافية. كما يجب أن تكون البنية الرقمية العامة قابلة للتدقيق، وأن تخضع الخوارزميات المستخدمة في الخدمات العامة، حيثما كان ذلك ممكناً، لمعايير الشفافية والمساءلة حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى سلطة غير مرئية فوق المجتمع.
خامساً: التقييم والمراجعة وتغير ميزان القوى
أي برنامج انتقالي يواجه متغيرات لا يمكن التنبؤ بها، ولذلك يتطلب آليات للتقييم الدوري والمراجعة. يجب تقييم الإنجاز كل عام، ومراجعة الأولويات، وتعديل الخطة وفق تطور ميزان القوى والمستجدات، مع إشراك المجالس الشعبية في عملية التقييم، وضمان أن تظل مرونة البرنامج وقابليته للتكيف جزءاً من بنيته، دون أن تفقد أهدافه الإستراتيجية وضوحها. ويجري التقييم على ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى تنفيذ السياسات، ومستوى أثرها الاجتماعي والاقتصادي، ومستوى تغير ميزان القوى وقدرة التنظيمات الجماهيرية على حماية المكتسبات وتوسيعها. وتشمل آليات التقييم نشر تقارير الأداء السنوية، وعقد مؤتمرات شعبية لمناقشتها، وتشكيل لجان مراجعة تجمع الخبرة الفنية والتمثيل الشعبي، بحيث تقدم الخبرات المتخصصة التقييم الفني، بينما تبقى الأولويات والقرارات السياسية خاضعة للمؤسسات المنتخبة والرقابة الجماهيرية. ولا تعني الرقابة الشعبية الاستغناء عن الخبرة الفنية، كما لا تعني الخبرة الفنية امتلاك القرار السياسي؛ فالخبراء يقدمون المعرفة والبدائل، بينما تحدد المؤسسات المنتخبة الأولويات وتخضع القرارات للمساءلة الاجتماعية.
ولا ينبغي أن يتحول التقييم إلى مجرد مقارنة بين أرقام الخطة والنتائج، بل يجب أن يكشف أيضاً عن المستفيدين والخاسرين من كل سياسة، وعن التغير في توزيع الثروة والموارد والفرص، وعن قدرة رأس المال الكبير وشبكات الريع على الالتفاف على الإصلاحات. فنجاح سياسة مالية، مثلاً، لا يقاس فقط بزيادة الإيرادات، وإنما بمن يدفع الضرائب ومن يحصل على الإنفاق العام، ونجاح سياسة استثمارية لا يقاس بحجم الاستثمار وحده، بل بقدر القيمة المضافة التي تبقى داخل البلاد وبالآثار التي تتركها على العمال والمنتجين والبيئة. وبذلك يصبح التقييم أداة للصراع الاجتماعي الواعي، لا مجرد آلية إدارية لتصحيح الأخطاء.
سادساً: مؤشرات النجاح
تُقاس نتائج هذه الإصلاحات عبر خمسة محاور رئيسية:
السيادة المالية: نسبة التمويل المحلي للتنمية، وانخفاض الدين الخارجي غير المشروع، ونسبة الإنفاق العام الموجه للخدمات مقارنة بالإنفاق العسكري، ونسبة المؤسسات والشركات العامة والخاصة الكبرى الخاضعة للتدقيق المالي والنشر، وحجم الأموال والأصول المستردة التي أُعيد توجيهها إلى الموازنة العامة والإنتاج والخدمات.
التحرر الاقتصادي: القيمة المضافة المحلية، ونسبة الصادرات المصنعة مقارنة بالمواد الخام، ونمو الإنتاج الوطني في القطاعات الاستراتيجية، ونسبة المدخلات المحلية في الإنتاج، ونمو القدرة الوطنية على تصنيع المعدات والسلع الوسيطة، وانخفاض الاعتماد على الواردات في القطاعات التي يمكن إنتاجها محلياً.
التحرر الثقافي والمعرفي: تحسن مؤشرات التعليم والبحث العلمي، وتنوع الإعلام واستقلاله، وحماية التنوع اللغوي والثقافي، ونسبة وسائل الإعلام غير الخاضعة لاحتكار الدولة أو رأس المال، ونسبة الجامعات ومؤسسات البحث التي تتمتع باستقلال مؤسسي، واتساع إنتاج المعرفة المرتبط بحاجات المجتمع والإنتاج.
السيادة الرقمية: توسيع البنية الرقمية والوصول إلى الإنترنت، واستقلالية القرار التكنولوجي، وحماية البيانات، ونسبة البيانات الحكومية المفتوحة، وتقليل الاعتماد على المنصات الأجنبية، وتوسيع استخدام البرمجيات الحرة والمعايير المفتوحة، وزيادة القدرات المحلية في تطوير وصيانة وتشغيل البنية الرقمية والتكنولوجيات الجديدة.
ميزان القوى: مستوى المشاركة الشعبية في الرقابة، ونسبة المؤسسات العامة الخاضعة للتدقيق والنشر، ونسبة القرار الاقتصادي الخاضع للرقابة الوطنية، ومدى انتقال السيطرة الفعلية على الموارد والمؤسسات وقرارات الاستثمار والائتمان من شبكات رأس المال والريع والدولة العسكرية إلى المنتجين والمؤسسات المنتخبة. ولا يُقاس نجاح البرنامج بمجرد تحسن المؤشرات الاقتصادية، بل بمدى تغير علاقات القوة التي تحدد من يملك الموارد ومن يقرر كيفية استخدامها ومن يراقب القرار ويستطيع تغييره.
وهكذا لا يصبح إصلاح النظام المالي مجرد إصلاح تقني، ولا تصبح العلاقات الخارجية مجرد سياسة دبلوماسية، ولا تصبح الثقافة مجرد مسألة حرية تعبير، ولا تصبح التكنولوجيا مجرد تحديث للبنية التحتية؛ فالمجالات كلها تحدد من يملك الموارد، ومن يحدد موقع السودان في الاقتصاد العالمي، ومن يملك أدوات إنتاج المعرفة والوعي، ومن يملك القدرة على مراقبة القرار وتغييره. ولذلك فإن الصراع حول المال والسيادة والمعرفة هو في جوهره صراع حول السلطة الاجتماعية التي ستحدد اتجاه الدولة والاقتصاد والمجتمع. ففك الارتباط بالتبعية لا يكتمل بمجرد تغيير الشركاء أو توقيع اتفاقيات جديدة، كما أن التحرر الثقافي لا يكتمل بمجرد تغيير المناهج أو إنشاء مؤسسات إعلامية جديدة؛ المطلوب هو تغيير علاقات الملكية والسيطرة التي تحدد من يملك القدرة الفعلية على إنتاج القرار الاقتصادي والمعرفي والسياسي.
لكن هذا يقود إلى التناقض المركزي للبرنامج: السياسات التي يقترحها تستهدف مصالح القوى التي تسيطر على الدولة والاقتصاد، ولذلك لا يمكن تنفيذها بمجرد تغيير الأشخاص أو إصدار القوانين. فالسؤال لم يعد فقط: ماذا نريد أن نفعل؟ بل: من يملك السلطة القادرة على فعله؟ وكيف تُعاد صياغة الدولة بحيث تصبح خاضعة للمنتجين والمجالس الشعبية بدلاً من أن تكون أداة لإعادة إنتاج هيمنة النخب؟ فالإصلاحات المقترحة تفترض مسبقاً وجود قوة اجتماعية قادرة على فرضها وحمايتها، بينما القوى المستفيدة من الوضع القائم ستسعى إلى تعطيلها أو تفريغها من مضمونها أو إعادة احتوائها داخل مؤسسات الدولة القديمة.
هنا تنتقل السلسلة من سؤال الاقتصاد والعلاقات الخارجية والوعي إلى سؤال السلطة نفسها: ما شكل الدولة الانتقالية؟ كيف تعمل المجالس الشعبية؟ ما علاقتها بالمؤسسات التنفيذية والقضاء والقوات النظامية؟ وكيف يمكن منع الدولة الجديدة من إعادة إنتاج البيروقراطية والامتيازات القديمة؟ وكيف يمكن تحويل الرقابة الشعبية من شعار سياسي إلى مؤسسات فعلية تملك المعلومات والصلاحيات وآليات المحاسبة والعزل؟ فالمسألة ليست فقط بناء مؤسسات جديدة، بل تحديد القوى الاجتماعية التي تملكها وتراقبها وتمنع انفصالها عن القاعدة المنتجة.
هذه هي القضية التي ستتناولها الحلقة القادمة: السلطة الشعبية والدولة الجديدة.
يكشف تحليل فرانز فانون للاستقلال الشكلي أن خروج المستعمر لا يعني بالضرورة إنهاء علاقات التبعية، إذا بقيت البنية الاقتصادية والسياسية التي تعيد إنتاجها قائمة. ولذلك فإن الاستقلال السياسي لا يكتمل بتحرير الدولة من السيطرة الخارجية فقط، بل يتطلب تحولاً في علاقات القوة الداخلية التي تسمح بإعادة إنتاج التبعية بأشكال جديدة. وفي تحليل سمير أمين لفك الارتباط، لا يعني التحرر من المركز الرأسمالي الانعزال عن العالم، وإنما إعادة تنظيم العلاقة معه من موقع يخدم التنمية المستقلة ويوسع قدرة المجتمعات التابعة على تحديد أولوياتها الإنتاجية والاجتماعية.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص
...
-
15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م
...
-
التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
-
14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود
...
-
13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب
...
-
12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
-
11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
-
10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
-
ملف المفقودين وصراع السرديات
-
9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
-
8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
-
7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال
...
-
6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة ا
...
-
5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
-
4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
-
3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
-
2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
-
رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين
-
17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية
-
16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
المزيد.....
-
مظاهرات في موسكو بعد استبعاد حزب معارض من الانتخابات
-
أزمة الشواطئ في مصر: السيسي يوجه بـ-ضمان حرية نفاذ المواطنين
...
-
سفينة في مرمى النيران الأمريكية بسبب حصار إيران
-
روسيا وسوريا والاتفاق حول القواعد
-
لماذا تتخوف إسبانيا من -تهديد خطير- جراء كسوف الشمس الكلي غد
...
-
الحوثي: لم نغلق باب التفاوض مع السعودية
-
نتنياهو يتحدى ترامب في غزة ولبنان وإيران
-
ليبيا.. اغتيال وقصف مصفاة الزاوية بمسيرة
-
باحث مصري لـRT: إعلان كولومبيا بشأن الجولان -وصمة عار-.. ولا
...
-
كولومبيا.. ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال المدمر إلى 234
المزيد.....
-
كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل
...
/ حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
-
ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان
/ سيد صديق
-
تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ
...
/ عبد الله ميرغني محمد أحمد
-
المثقف العضوي و الثورة
/ عبد الله ميرغني محمد أحمد
-
الناصرية فى الثورة المضادة
/ عادل العمري
-
العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967
/ عادل العمري
-
المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال
...
/ منى أباظة
-
لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية
/ مزن النّيل
-
عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر
/ مجموعة النداء بالتغيير
-
قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال
...
/ إلهامي الميرغني
المزيد.....
|