أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة















المزيد.....


18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 02:01
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


بعد أن أسست الحلقات السابقة المهام العاجلة لوقف الحرب وإعادة بناء المجتمع، ثم إعادة تنظيم قاعدة الإنتاج والتحرر من اقتصاد الحرب، ثم إعادة تعريف موقع السودان في النظام العالمي وإعادة تنظيم السيادة المالية والثقافية والتكنولوجية، تصل هذه الحلقة إلى جوهر البرنامج الانتقالي: السلطة الشعبية. فكل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية تظل مجرد وعود على الورق ما لم تتغير طبيعة السلطة نفسها، وما لم تنتقل السيطرة على الدولة من النخب المسيطرة إلى المنتجين المباشرين. فالدولة القائمة ليست جهازاً محايداً يمكن إصلاحه بمراسيم، لأنها تحمل داخل مؤسساتها علاقات القوة المتراكمة في المجتمع؛ ولذلك فإن الانتقال لا يعني الاستيلاء على الجهاز القديم كما هو، ولا يعني هدم مؤسسات الدولة ووظائفها الاجتماعية، بل تفكيك مراكز القوة والامتياز والقمع والاقتصاد الطفيلي داخله، وإعادة تنظيم مؤسساته الضرورية تحت رقابة السلطة الشعبية، وهو ما يفضي إلى تحول الإدارة العامة من أداة لإعادة إنتاج الهيمنة إلى أداة لخدمة المجتمع والمنتجين.

السلطة القائمة على المجالس الشعبية تختلف جذرياً عن الديمقراطية الليبرالية التي تفصل، في مؤسساتها، بين المساواة السياسية الشكلية وبين علاقات الملكية والسيطرة الاقتصادية، مما يسمح للرأسمال بالاحتفاظ بقوة اجتماعية هائلة لا تخضع مباشرة للقرار الديمقراطي. أما السلطة القائمة على المجالس الشعبية فتسعى إلى إخضاع القرارات الاقتصادية الأساسية للرقابة الاجتماعية، وربط ممارسة السلطة السياسية بمواقع الإنتاج والتنظيم الجماهيري.

ولا تعني السلطة الشعبية في المرحلة الانتقالية أن جميع علاقات الملكية الرأسمالية قد أُزيلت، أو أن المجتمع انتقل دفعة واحدة إلى نظام اشتراكي مكتمل، وإنما تعني بدء تحول في ميزان القوى والسيطرة على الدولة والموارد والمؤسسات، مما يفتح الطريق أمام إعادة تنظيم علاقات الإنتاج بصورة تدريجية وفق تطور الصراع الاجتماعي وقدرة المنتجين على إدارة الاقتصاد والمجتمع. كما أن شرعية السلطة الشعبية لا تُبنى على افتراض أن نتائج الانتخابات ستبقى دائماً في صالح القوى التي أسستها، بل على وجود مؤسسات ديمقراطية تسمح بتغير الممثلين والسياسات، مع حماية الملكية الاجتماعية والحقوق الأساسية ومؤسسات الرقابة من التفكيك الفردي أو الانقلاب المؤسسي، إذ إن استقرار التحول لا يأتي من ضمان نتيجة سياسية ثابتة، بل من بناء مؤسسات تجعل تغيير الحكومات والسياسات ممكناً دون إعادة إنتاج الهيمنة القديمة.

أولاً: بناء السلطة الشعبية عبر المجالس المنتخبة

تقوم السلطة الانتقالية على نظام المجالس الشعبية المنتخبة، وتميز بين مستويين مترابطين: المجالس الإقليمية والمحلية ذات الأساس الجغرافي (القرى، الأحياء، المدن، المحليات، الولايات)، ومجالس المنتجين ومواقع العمل ذات الأساس الاجتماعي والإنتاجي (مجالس العمال، المزارعين، الرعاة، المهنيين، التعاونيات). ويضمن هذا التمييز أن لا يختزل وجود المنتجين في مكان سكنهم، بل في موقع إنتاجهم أيضاً، بحيث تصبح مواقع العمل نفسها فضاءً للتنظيم السياسي والرقابة على الإنتاج والقرار الاقتصادي، مما يربط السلطة مباشرة بقاعدة الإنتاج التي قام عليها البرنامج في الحلقات السابقة.

ويُقصد بالمنتجين في هذا البرنامج العمال المأجورون، وصغار المزارعين والرعاة والحرفيين والصيادين وصغار المنتجين والعاملين لحسابهم، وسائر الفئات التي تعتمد أساساً على عملها المباشر في إعادة إنتاج المجتمع، مع التمييز بينهم وبين شبكات رأس المال والريع والاحتكار التي تعتمد على ملكية وسائل الإنتاج واستخراج الدخل من عمل الآخرين.

وتُنتخب هذه المجالس بالاقتراع المباشر لفترات محددة، مع سلسلة متكاملة: انتخاب، ثم تفويض، ثم رقابة، ثم مساءلة، ثم عزل عند فقدان الثقة، ثم إعادة انتخاب. مع حق الناخبين في بدء إجراءات العزل قبل انتهاء مدة التفويض وفق شروط وإجراءات معلنة، تضمن عدم استخدام آلية العزل لتعطيل العمل المؤسسي أو تصفية الخلافات السياسية. وتُقيد الامتيازات المادية للممثلين المنتخبين، وتُراجع أجورهم ومخصصاتهم بما يمنع تحول العمل السياسي إلى مهنة منفصلة عن المجتمع، مع خضوعها للشفافية والرقابة. ولا تغيب النقابات والتنظيمات الجماهيرية عن هذه الصورة، فالمجالس لا تلغي التنظيمات المستقلة للمنتجين والعمال والمزارعين والنساء والشباب والمهنيين، بل تستند إلى تعدد هذه التنظيمات وتضمن حقها في التنظيم والمساءلة والتأثير، وذلك لكي لا تتحول "السلطة الشعبية" إلى بيروقراطية جديدة باسم الشعب.

ولا يعني وجود المجالس الجغرافية ومجالس المنتجين إنشاء سلطتين متنافستين، بل بناء نظام تمثيل مزدوج يربط المواطن بمكان إقامته وبموقعه الاجتماعي والإنتاجي. وتُحدد القوانين الانتقالية اختصاصات كل مستوى، وآليات التنسيق والتحكيم عند تعارض القرارات، بحيث لا ينفرد أي مجلس بقرارات تمس مصالح المجتمع كله، ولا تُلغى في الوقت نفسه استقلالية التنظيمات الإنتاجية والجماهيرية.

والمجالس ليست مجرد هيئات استشارية، بل تشكل الأساس المباشر للشرعية السياسية خلال المرحلة الانتقالية، وتمارس الرقابة على الهيئات التنفيذية وتنتخب ممثليها للمستويات الأعلى. ولا تقوم على الفصل الجامد بين السلطات بما يعزلها عن الرقابة الشعبية، مع الحفاظ على استقلال الوظائف القضائية والرقابية، ومنع تركيز السلطة التنفيذية والتشريعية والمالية في جهاز واحد.

وتضمن المجالس حقوقاً وحريات أساسية: حرية التنظيم وتكوين الأحزاب والنقابات، حرية التعبير والصحافة، حرية الاعتقاد، الحق في التظاهر والإضراب، المساواة أمام القانون، حماية الأقليات، وعدم التعرض للتعذيب والاعتقال التعسفي. فالسلطة الشعبية لا تكتسب شرعيتها فقط من كونها "شعبية"، بل أيضاً من ضمان هذه الحقوق، وهو ما يمنع تحول سلطة الأغلبية إلى استبداد الأغلبية.

ثانياً: إعادة هيكلة القوات النظامية والمؤسسة العسكرية

لا يمكن بناء سلطة شعبية مع بقاء جيش دولة داخل دولة يسيطر على مفاتيح الاقتصاد والسلاح. ولذلك، يجب إنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، على أساس مهني وقانوني، بعد عملية قانونية ومؤسسية لتحديد شروط الدمج والتسريح وإعادة التأهيل والمساءلة. ولا يكون الدمج في المؤسسة العسكرية هدفاً بذاته، بل جزءاً من عملية أوسع لإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، وإعادة بناء مؤسسة دفاع وطنية موحدة على أساس مهني وقانوني، وذلك بعد التحقق من الأهلية الفردية، واستبعاد المتورطين في الجرائم الجسيمة وفق القانون، وإعادة تأهيل وتسريح من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة. وتُربط إعادة الهيكلة بالعدالة الانتقالية، والتحقيق في الجرائم، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، مع التمييز بين المسؤولية القيادية والمسؤولية الفردية، وهو ما يمنع أن تتحول "إعادة الهيكلة" إلى إعادة توزيع للمواقع بين القيادات القديمة.

ويكون احتكار استخدام القوة المسلحة للدولة الموحدة الخاضعة للسلطة المدنية المنتخبة، مع حظر إنشاء التشكيلات المسلحة الحزبية أو القبلية أو الخاصة، وتجريم تحويل التنظيمات السياسية أو الاجتماعية إلى أجهزة عسكرية مستقلة عن الدولة والقانون.

ويُحظر النشاط الاقتصادي للقوات النظامية، وتُخرج تدريجياً من النشاط التجاري والاستثماري، وتُنقل الأصول الاقتصادية التابعة لها إلى الملكية العامة وفق إجراءات قانونية وشفافة، مع منع تحويل عملية النقل إلى خصخصة لصالح رأس المال الخاص. وتُخضع المؤسسة العسكرية بالكامل للسلطة المدنية المنتخبة ولمراجعة مالية علنية. كما يجب إعادة هيكلة الشرطة والسجون والاستخبارات وحرس الحدود على أسس مهنية وديمقراطية، مما يحول هذه الأجهزة إلى مؤسسات خادمة للمجتمع، لا أدوات لقمع المعارضة وحماية امتيازات النخب. وتخضع عملية إعادة الهيكلة لرقابة المجالس الشعبية والمجالس القاعدية، مع ضمان حق المجتمع في معرفة ميزانيات هذه الأجهزة وعقودها وهياكلها.

ثالثاً: إصلاح الجهاز الإداري والخدمة المدنية وإدارة المحليات

الإدارة العامة في السودان ظلت لعقود أداة للتمكين السياسي والمحاصصة، لا أداة للخدمة العامة. ولذلك، يجب إصلاح الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والاستقلال المهني عن التسييس والمحاصصة، مع خضوعها للقانون والسياسات العامة التي تقرها المؤسسات المنتخبة، وإنهاء المحاصصة والتمكين، وضمان استقلال المؤسسات الرقابية عن السلطة التنفيذية والمصالح الخاصة، مع خضوعها للقانون والرقابة العامة والمؤسسات المنتخبة، وهو ما يمنع تحول الاستقلال المطلق إلى بيروقراطية غير خاضعة للمساءلة. وإعادة بناء الإدارة المحلية على أساس ديمقراطي، مع مستويات إدارية واضحة: القرية، المدينة، المحلية، الولاية، المركز، مع انتخابات مباشرة لكل مستوى، وتمثيل عادل للمرأة والشباب والفئات المهمشة، وهو ما يضمن ألا تعيد الدولة الجديدة إنتاج تمركز السلطة والثروة في المركز على حساب الأطراف. وتعكس هذه المستويات الإدارية هيكل المجالس الشعبية، بحيث تكون الإدارة امتداداً للسلطة المنتخبة، وليس جهازاً فوقياً منفصلاً عنها.

رابعاً: استقلال القضاء والعدالة الانتقالية

لا يمكن بناء دولة قانون عادلة دون قضاء مستقل. ولذلك، يجب ضمان استقلال القضاء وظيفياً عن السلطة التنفيذية، مع انتخاب أو تعيين القضاة وفق معايير مهنية وقانونية، وضمان حق الدفاع، وإصلاح النيابة، ومراجعة القوانين القمعية التي أقرتها الأنظمة السابقة. وتُشكل العدالة الانتقالية مؤسسة من مؤسسات إعادة بناء الدولة، تشمل محاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى (جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، الفساد)، وتعويض الضحايا ورد الحقوق، وكشف الحقيقة حول انتهاكات الماضي، وإصلاح المؤسسات القضائية والأمنية بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات. وتخضع مؤسسات العدالة الانتقالية للرقابة القانونية والمؤسسية والمساءلة العامة، مع ضمان استقلال التحقيق والقضاء، وإتاحة المعلومات العامة التي لا تضر بحقوق الضحايا أو المتهمين أو سلامة الإجراءات.

خامساً: المسألة القومية والإثنية والمركز والهامش

السودان ليس مجرد دولة متنوعة، بل هو دولة شهدت تهميشاً تاريخياً للأطراف على حساب المركز، وصراعات حول الأرض والموارد، وتنوعاً لغوياً وثقافياً هائلاً. ولذلك، فإن أي مشروع لبناء دولة جديدة يجب أن يضع المسألة القومية والإثنية في صلب برنامجه. ولا تُعالج مسألة المركز والهامش بمجرد نقل السلطات الإدارية، بل بإعادة توزيع الموارد والاستثمار والبنية التحتية وفرص العمل والتعليم والخدمات، وتغيير نمط التراكم الذي جعل المركز يستحوذ على القيمة والموارد. كما تشمل إعادة النظر في أنظمة ملكية الأرض واستغلال الموارد الطبيعية، بما يضمن حقوق المجتمعات المحلية ويمنع تحويل الموارد الواقعة في الأقاليم إلى مصدر لتراكم الثروة في المركز أو لدى الشركات والنخب المحلية والخارجية.

ويقتضي ذلك المساواة القومية الكاملة، والحقوق اللغوية والثقافية لجميع المكونات، واللامركزية الديمقراطية كأساس لتوزيع السلطة والموارد بين الأقاليم، مع الاعتراف بحق المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها الثقافية والتعليمية والإدارية. ويُعترف بالأدوار الاجتماعية والثقافية للإدارة الأهلية، مع إخضاع أي وظيفة عامة أو قضائية أو إدارية تمارسها للقانون وحقوق المواطنين، وضمان عدم تحولها إلى سلطة وراثية أو أداة لإعادة إنتاج الامتيازات أو التمييز، ولا تُمنح المناصب العامة أو الحقوق السياسية على أساس الانتماء الوراثي أو القبلي. وتُخضع علاقات المركز والأطراف لمراجعة دورية في ضوء توزيع الاستثمارات والخدمات والموارد، وألا تتحول اللامركزية إلى مجرد نقل للمسؤوليات دون نقل السلطة والموارد الفعلية.

سادساً: التخطيط الديمقراطي وتنسيق الاقتصاد

لا تقتصر وظيفة المجالس على الرقابة السياسية، بل تشارك في تحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية على مستوياتها المختلفة، من خلال خطط محلية وإقليمية ووطنية مترابطة. وتقدم المجالس والتنظيمات الإنتاجية احتياجاتها وخططها، بينما توفر المؤسسات الفنية البيانات والدراسات والبدائل، ويجري تنسيقها في خطة وطنية معلنة تخضع للمناقشة والمراجعة الشعبية، مما يحول دون أن يحل التخطيط المركزي البيروقراطي محل السوق بصورة آلية، ودون أن تُترك القرارات الأساسية للسوق ورأس المال، بل يجري توجيه الموارد الاستراتيجية وفق أولويات اجتماعية معلنة.

ولا يعني انتقال السيطرة إلى المنتجين إلغاء جميع أشكال السوق أو الملكية الخاصة بصورة فورية، بل إخضاع أشكال الملكية والنشاط الاقتصادي التي تستمر خلال المرحلة الانتقالية للقانون والضرائب وقواعد العمل والبيئة والمصلحة الاجتماعية، مع توسيع الملكية العامة والتعاونية في القطاعات الاستراتيجية، ومنع عودة الاحتكارات والرأسمال الطفيلي إلى السيطرة على الموارد والائتمان.

سابعاً: الجمعية التأسيسية والدستور الجديد

يُفرق بين مرحلتين: مرحلة تأسيس السلطة الانتقالية (عبر المجالس الشعبية والمؤسسات المؤقتة)، ومرحلة الانتقال إلى النظام الدستوري المستقر. ولا تكون الجمعية التأسيسية نقطة البداية التي تُعاد من خلالها شرعنة البنية القديمة، بل تأتي بعد مرحلة تأسيسية تُبنى خلالها المؤسسات الشعبية وتُفكك مراكز القوة القديمة وتتوفر شروط المشاركة السياسية الحرة. ويبدأ التحضير للجمعية التأسيسية خلال المرحلة الانتقالية، على أساس انتخاب حر بالاقتراع المباشر وتمثيل عادل لكل الأقاليم والفئات الاجتماعية، مع ضمان تمثيل النساء والشباب والمنتجين. ويُقر الدستور النهائي بعد بناء المؤسسات الشعبية وتوافر شروط سياسية تسمح بانتخابات حرة وتمثيل حقيقي، وبعد إخضاع مشروع الدستور لنقاش وموافقة شعبية واسعة. وتُشكل الجمعية التأسيسية على أساس نسبي يعكس التنوع الاجتماعي والجغرافي للسودان، وتخضع أعمالها للنقاش العام والرقابة الشعبية، ولا تُقر أي مادة دستورية دون مناقشة علنية وحق الاعتراض الشعبي. ويكون دستور الدولة الجديدة معبراً عن إرادة الشعب السوداني، مع ضمان أن تعكس الجمعية التأسيسية الوزن الاجتماعي الحقيقي للمنتجين والقوى الشعبية، دون إلغاء الحقوق السياسية والمدنية لبقية المواطنين أو تحويل التمثيل الاجتماعي إلى امتياز قانوني مغلق.

ثامناً: تمويل البرنامج الانتقالي

يعتمد تمويل السلطة الانتقالية على الموارد التي حددها البرنامج المالي في الحلقة السابقة، مع تحويلها من موارد تخدم شبكات الحرب والريع إلى موارد عامة خاضعة للموازنة والرقابة الشعبية. ويشمل ذلك عوائد الذهب والموارد الاستراتيجية، والضرائب التصاعدية، واسترداد الأموال والأصول والشركات العامة التي جرى خصخصتها أو الاستيلاء عليها بصورة غير مشروعة، وتقليص الإنفاق العسكري والأمني، وإعادة توجيه الإنفاق العام من الحرب إلى التنمية والخدمات، مع وقف الإعفاءات الضريبية غير المبررة، وإصلاح الجمارك لمكافحة التهريب، وتوسيع قاعدة الإيرادات المحلية من النشاط الإنتاجي الحقيقي، بدلاً من الاعتماد المفرط على الموارد الاستخراجية، مما يربط قدرة الدولة المالية بتوسع الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي وبزيادة القيمة المضافة المحلية. وتخضع جميع مصادر التمويل لقواعد الشفافية والنشر والرقابة الشعبية، مع نشر الموازنة العامة والموازنات المحلية والإقليمية وإخضاعها للمناقشة العلنية.

تاسعاً: الإحصاء الوطني وقاعدة البيانات والرقابة الرقمية

أي برنامج تنموي يحتاج إلى بيانات دقيقة. ولذلك، يجب إجراء تعداد سكاني ومسح زراعي وصناعي شامل، وإنشاء سجل للأراضي والموارد كقاعدة للتخطيط الاقتصادي العادل، وضمان شفافية هذه البيانات وإتاحتها للمجالس الشعبية والمجتمع، مع حماية الخصوصية الشخصية ومنع استخدام البيانات في المراقبة السياسية أو التمييز الاجتماعي. ولا يجوز أن تتحول قاعدة البيانات الوطنية إلى أداة أمنية، بل تكون أداة للشفافية والتخطيط والرقابة الشعبية، مع التمييز بين البيانات الفردية المحمية والبيانات الإحصائية العامة التي يجب إتاحتها للباحثين والمجالس والتنظيمات الجماهيرية، بما يسمح بمراقبة السياسات العامة وتقييم نتائجها.

عاشراً: آليات منع البيروقراطية والامتيازات

تُعد آلية منع إعادة إنتاج البيروقراطية جزءاً مركزياً من تصميم السلطة الشعبية. وتشمل قياس: مستوى دوران المسؤولين، حق العزل، شفافية المخصصات، نشر القرارات، علنية الاجتماعات، استقلال التنظيمات الجماهيرية، وعدم احتكار المواقع السياسية. وتُقيد فترات التمثيل، وتُمنع التمديد غير الدستوري، مع ضمان حق المجتمع في مراقبة المخصصات المالية للمؤسسات المنتخبة والتنفيذية، ومنع تحول العمل السياسي إلى مصدر للثراء أو الامتيازات. وتقريب شروط العمل والمخصصات المادية للمسؤولين المنتخبين من شروط المجتمع الذي يمثلونه، ومنع الامتيازات الخاصة في السكن والعلاج والنقل والحماية وغيرها إلا بالقدر الضروري لأداء الوظيفة، ونشر هذه المخصصات بصورة دورية.

الحادي عشر: مؤشرات النجاح

تُقاس نجاحات هذه الإصلاحات بمؤشرات مزدوجة: مؤشرات النتائج الاجتماعية (عودة النازحين، تحسن الخدمات، استقرار العملة، انخفاض الفقر والبطالة، تحسن التوزيع الإقليمي للثروة والخدمات)، ومؤشرات انتقال السلطة التي تقيس جوهر التحول: نسبة المسؤولين المنتخبين القابلين للعزل، نسبة المؤسسات التنفيذية الخاضعة للرقابة الشعبية، نسبة الموازنات المنشورة والمناقشة علناً، نسبة الأصول الاقتصادية العسكرية التي أُخرجت من النشاط التجاري وأُعيد إدماجها في الملكية العامة، نسبة المشاركة الشعبية الفعلية في المجالس، نسبة القرارات المحلية التي تتخذ عبر المؤسسات المنتخبة، مستوى تمثيل الأقاليم والنساء والشباب والمنتجين، عدد حالات العزل والمساءلة التي جرى تنفيذها فعلياً، ومستوى منع البيروقراطية عبر مؤشرات دوران المسؤولين وشفافية المخصصات وعلنية الاجتماعات، ونسبة القرارات العامة التي تخضع للنقاش الشعبي، ونسبة العقود الحكومية المنشورة، ونسبة الموازنات التي جرى تعديلها بناءً على مقترحات المجالس، ونسبة المؤسسات التي تغيرت قياداتها عبر آليات انتخابية أو مساءلة، ونسبة المواطنين المشاركين فعلياً في المجالس، وعدد حالات العزل التي تمت وفق القانون، ونسبة الأصول العسكرية التي أصبحت تحت إدارة مدنية عامة، ونسبة الأحزاب والنقابات والتنظيمات الجماهيرية القادرة على العمل دون تدخل الدولة.

فالسلطة الشعبية ليست مجرد شكل جديد للحكم، بل هي جوهر التحول الذي يحتاجه السودان. فهي وحدها القادرة على ضمان ألا تعيد الدولة الجديدة إنتاج الهيمنة القديمة، وألا تتحول الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية إلى وعود نخبوية تتبخر مع أول اختبار حقيقي. في تحليل غرامشي، لا تُحسم أزمة الهيمنة بمجرد الاستيلاء على مؤسسات الدولة، بل بالصراع على بناء قيادة اجتماعية وفكرية قادرة على تحويل مصالح الطبقات التابعة إلى مشروع تاريخي بديل. وهذا التنظيم المستقل هو الشرط، لكن المسألة الحاسمة هي تحويل هذا التنظيم إلى قوة سياسية ومؤسسية قادرة على إعادة بناء الدولة دون أن تفقد استقلالها عنها.

فالسلطة الشعبية لا تنشأ تلقائياً لمجرد وجود الجماهير أو المجالس، كما لا يكفي وجود تنظيمات جماهيرية متفرقة لضمان استمرارها. فبين القوة الاجتماعية الكامنة للعمال والمزارعين وصغار المنتجين والمهمشين، وبين تحول هذه القوة إلى سلطة سياسية قادرة على إعادة بناء الدولة، توجد مسألة التنظيم والوعي والبرنامج والقيادة السياسية. ومن دون حل هذه المسألة يمكن أن تستعيد البيروقراطية أو الرأسمال أو القوى العسكرية مواقعها داخل المؤسسات الجديدة، حتى لو حملت هذه المؤسسات أسماء ديمقراطية وشعبية.

ولذلك فإن الحلقة القادمة ستختم السلسلة بمعالجة السؤال الأكثر حسماً: ما القوة الاجتماعية القادرة فعلياً على بناء هذه السلطة وحمايتها؟ وكيف تتحول المصالح المتفرقة للعمال والفلاحين وصغار المنتجين والمهمشين إلى مشروع سياسي موحد؟ وما نوع التنظيم السياسي الذي يستطيع أن يربط النضال اليومي بالمشروع الانتقالي، وأن يمنع تحول السلطة الشعبية إلى جهاز بيروقراطي جديد أو إلى واجهة لإعادة إنتاج الرأسمال القديم؟

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإ ...
- 16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص ...
- 15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م ...
- التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
- 14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود ...
- 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب ...
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
- 11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
- 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
- 7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال ...
- 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة ا ...
- 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
- 2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
- رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين
- 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية


المزيد.....




- أذربيجان تراهن على الرمان ليصبح صادرها الكبير المقبل
- تقرير: السعودية تدرس دعم حملة برية يمنية لاستعادة ساحل البحر ...
- -حماس- تُعلن مشاركتها في الانتخابات الفلسطينية المقبلة ضمن ا ...
- أنقرة تدعم التحالف البحري الإقليمي بقيادة الرياض في البحر ال ...
- قاضٍ أميركي يردّ دعوى ترامب ضد جامعة هارفارد بشأن الاحتجاجات ...
- -فالكون سترايك-.. الجيش الأمريكي يشكل قوة متعددة الجنسيات لل ...
- غارة إسرائيلية تقتل مدير شرطة غزة.. وتل أبيب تتهمه بالمشاركة ...
- جريمة العميل الفخ ( ممو ) في وثائق حزب البعث السرّية
- وسط ضغوط كثيرة عليه.. اتحادات عربية تعلن دعمها -الكامل- لـ إ ...
- الدفاع السعودية تعلن انعقاد اجتماع التحالف البحري الدفاعي في ...


المزيد.....

- كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل ... / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان / سيد صديق
- تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ ... / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- المثقف العضوي و الثورة / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمري
- العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967 / عادل العمري
- المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال ... / منى أباظة
- لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية / مزن النّيل
- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة