|
|
المغرب وإسبانيا وسبتة: من فتح الباب؟
فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 18:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
لم تعد سبتة مجرد مدينة إسبانية على الضفة الجنوبية للمتوسط، ولا مجرد نقطة خلاف جغرافي بين الرباط ومدريد. ما حدث خلال موجة العبور الجماعي الأخيرة جعل من المدينة مرآة تكشف شيئاً أعمق بكثير: كيف يمكن للهجرة أن تتحول من مأساة اجتماعية وإنسانية إلى أداة ضغط سياسي، وكيف يمكن لرواية أمنية واحدة أن تُستخدم لتفسير حدث بشري يفوق بكثير قدرة تلك الرواية على استيعابه.
وقبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد من التدقيق في الأرقام المتداولة. فقد دخل سبتة، وفق أحدث المعطيات التي نقلتها رويترز، نحو 72 ألف شخص خلال موجة العبور الأخيرة، بينما ارتفعت حصيلة الوفيات إلى 94 شخصاً على الأقل، مع اختلاف الأرقام بحسب طريقة الإحصاء واستمرار عمليات البحث والتوثيق. هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها مأساة إنسانية هائلة، وفي الوقت نفسه واقعة أمنية وسياسية لا يمكن اختزالها في بضعة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
رواية «شبكات الاتجار بالبشر»... هل تفسر كل شيء؟
بعد موجة العبور الجماعي، برزت الرواية المغربية الرسمية التي حمّلت شبكات الاتجار بالبشر مسؤولية التحريض على الهجرة، مستغلة وسائل التواصل الاجتماعي، ومروّجة لتفسيرات مضللة لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية بشأن إعادة القاصرين. ولا يمكن إنكار وجود شبكات للاتجار بالبشر والتهريب، كما لا يمكن إنكار قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على صناعة الشائعات وتحويلها، في وقت قصير، إلى تحركات جماعية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الجزء من الحقيقة إلى التفسير الكامل للحقيقة. هل يمكن فعلاً اختزال حركة عشرات الآلاف من الأشخاص في مجموعة من المنشورات؟ وهل كانت هذه الأعداد الهائلة تنتظر منشوراً على تيك توك أو فيسبوك كي تقرر المخاطرة بحياتها؟ وهل كان آلاف الشباب، الذين يعيش كثير منهم أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة، لا يفكرون في الهجرة قبل ظهور تلك المنشورات؟ الأرجح أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تصنع الرغبة في الهجرة من العدم، وإنما قامت بتسريعها وتنظيمها وتوفير المعلومات حول طرق التحرك. فوراء كل هاتف هناك إنسان: شاب عاطل، أو عامل محدود الدخل، أو مواطن فقد الأمل في تحسين وضعه الاجتماعي، أو شخص يرى أن المستقبل على الضفة الأخرى من المتوسط أفضل من المستقبل الذي ينتظره في بلده. وهذه هي الحقيقة التي يصعب على الخطاب الأمني أن يعترف بها: المهاجر لا يحتاج دائماً إلى عصابة حتى يرغب في الرحيل.
المحكمة الإسبانية لم تقل إن الحدود مفتوحة
من المهم كذلك الفصل بين الحكم القضائي الإسباني وبين التأويلات التي انتشرت حوله. فالمحكمة العليا الإسبانية اعتبرت أن إعادة قاصرين مغاربة من سبتة سنة 2021 تمت بصورة غير قانونية لعدم احترام الإجراءات والضمانات التي يفرضها القانون الإسباني، لكنها لم تصدر حكماً يقول إن الحدود أصبحت مفتوحة أمام كل من يريد دخول سبتة. وهنا تكمن أهمية التمييز بين المعلومة القانونية وبين التأويل السياسي أو الدعائي لها. إذا كانت هناك جهات استغلت الحكم ونشرت تفسيراً مضللاً له، فهذا أمر ينبغي التحقيق فيه، لكن تحويل هذا الأمر إلى تفسير شامل لدخول أكثر من 70 ألف شخص يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من مجرد وجود منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
السؤال الذي يحرج الرواية الرسمية: أين كانت الأجهزة؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل. قبل أيام، وبعد عودة الدعوات إلى العبور نحو سبتة، خرج الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية ليعلن توقيف عدد من الأشخاص الذين اتُّهموا بالترويج لهذه الدعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي. مرة أخرى، السؤال ليس في توقيف هؤلاء الأشخاص، بل في كيفية رصدهم بهذه السرعة رغم محدودية عددهم، في حين لم يتم رصد أو إيقاف النشاط الإلكتروني الواسع الذي سبق موجة يوليو. إذا كانت الأجهزة المغربية قادرة على تتبع الحسابات والمنشورات وتحديد أصحابها، فلماذا لم تمنع التحريض الإلكتروني عندما كان ينتشر على نطاق واسع قبل الموجة الأولى؟ وإذا كانت الإجابة أن حجم النشاط كان أكبر من قدرة الأجهزة على الرصد، فلماذا تُقدَّم الآن قصة «المحرضين» باعتبارها المفتاح الأساسي لتفسير ما حدث؟ المغرب يمتلك أجهزة أمنية واستخباراتية متطورة، ومنظومات للمراقبة الرقمية والأمن السيبراني، وقدرة واسعة على تتبع النشاط الإلكتروني؛ ولهذا فإن المسألة لا تتعلق فقط بقدرة الأجهزة على الرصد، بل تتعلق بـ توقيت استخدام هذه القدرة والقرار السياسي الذي يقف خلفها.
15 أغسطس... عندما تغير المشهد بالكامل
لكن ما حدث اليوم، السبت 15 أغسطس/آب 2026، أعاد طرح القضية بصورة أكثر إحراجاً. فبعد أيام من التحذيرات بشأن دعوات جديدة للعبور نحو سبتة، لم تنتظر السلطات المغربية وصول الحشود إلى السياج، بل فرضت انتشاراً أمنياً كثيفاً وتعزيزات في محيط الفنيدق، وراقبت المسارات المؤدية إلى الحدود، واعترضت المجموعات المتحركة، وتدخلت مبكراً لمنع تكرار سيناريو يوليو. أي أن الدولة التي بدت عاجزة عن منع موجة ضخمة قبل أسابيع أثبتت اليوم أنها قادرة على بناء طوق أمني فعال عندما تتخذ قراراً واضحاً بذلك. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت الدولة تستطيع منع محاولة جديدة وهي في بدايتها، فلماذا لم تفعل الشيء نفسه قبل موجة يوليو؟ هل كانت المعلومات غير متوفرة، أم فوجئت الأجهزة بحجم التحرك، أم أخطأت في تقدير الموقف، أم أن القرار الأمني والسياسي كان مختلفاً؟ لا توجد، حتى الآن، أدلة علنية تسمح بالجزم بالإجابة، لكن المقارنة بين اليوم وبين ما حدث في يوليو تجعل السؤال مشروعاً ولا يمكن تجاهله.
من «الانهيار» في يوليو إلى «الطوق» في أغسطس ( غشت )
في يوليو، تمكن عشرات الآلاف من الوصول إلى سبتة، في مشهد وصفته تقارير بأنه انهيار أو فقدان للسيطرة على الحدود. أما اليوم، وبعد فترة قصيرة فقط، فقد ظهرت صورة مختلفة تماماً: الحدود المغربية تحولت إلى منطقة أمنية مغلقة تقريباً أمام أي محاولة جديدة. وهذا الاختلاف ليس تفصيلاً صغيراً، فهو يثبت أن المغرب، عندما يريد، يستطيع أن يجعل الوصول إلى سبتة بالغ الصعوبة. وهنا ينبغي إعادة صياغة السؤال: هل كانت أزمة يوليو نتيجة فشل أمني حقيقي، أم نتيجة تساهل متعمد، أم نتيجة قرار سياسي بعدم استخدام القوة والانتشار الأمني الكامل في تلك اللحظة؟ ليس من الممكن الجزم بأن الخيار الثالث هو الصحيح، لكن من غير المنطقي أيضاً تجاهل الفارق الهائل بين مستوى التعامل مع المحاولتين.
ماذا عن فتح الأبواب؟
خلال موجة يوليو، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع وصور قيل إنها توثق قيام عناصر من حرس الحدود المغربي بفتح أبواب أو ممرات أمام المواطنين المتجهين إلى سبتة. وهذه نقطة شديدة الحساسية، لكن التدقيق الصحفي يفرض التمييز بين ما هو موثق وما هو متداول. فقد تبين أن أحد أبرز المقاطع التي استُخدمت باعتبارها دليلاً على فتح بوابة سبتة خلال أحداث يوليو 2026 يعود في الحقيقة إلى أحداث مايو 2021، وبالتالي لا يمكن استخدام هذا الفيديو تحديداً لإثبات أن حرس الحدود المغربي فتح الأبواب في موجة يوليو الأخيرة. لكن هذا لا يلغي السؤال الأساسي: إذا كانت هناك تسجيلات أخرى موثقة زمنياً ومكانياً تظهر قيام عناصر أمنية بفتح ممرات أو التساهل مع العبور، فيجب نشرها والتحقق منها. أما إطلاق حكم قطعي بأن «الحرس فتح الأبواب» دون دليل مستقل، فهو خطأ صحفي يمنح الرواية الرسمية فرصة للهروب من السؤال الحقيقي. والسؤال الحقيقي ليس فقط: من فتح الباب؟ بل لماذا كان مستوى التدخل الأمني في يوليو مختلفاً بهذا الشكل عن مستوى التدخل في أغسطس ( غشت )؟
هل كانت الدولة عاجزة... أم أن القرار كان مختلفاً؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ عندها التحقيق الحقيقي. ليس المطلوب اتهام المغرب بأنه سمح عمداً بدخول عشرات الآلاف، فلا توجد، حتى الآن، أدلة علنية كافية تسمح بهذا الاستنتاج، لكن من المشروع أن نسأل: هل كانت الأجهزة المغربية تملك معلومات مسبقة عن حجم التحرك؟ هل كانت تراقب تدفق المواطنين نحو الشمال؟ هل كانت تعرف أن آلاف الأشخاص يتوجهون إلى الفنيدق؟ هل كانت لديها القدرة على منعهم؟ وإذا كانت تملك هذه القدرة، فلماذا لم تستخدمها بالمستوى الذي رأيناه اليوم؟ إن الفرق بين يوليو وأغسطس لا يتعلق فقط بعدد الأشخاص، وإنما يتعلق بقرار الدولة تجاه الحركة البشرية نفسها.
المفارقة الكبرى: سبتة «محتلة»... لكن لها حدود مغربية محصنة
هناك مفارقة سياسية أخرى لا تقل أهمية. المغرب يعتبر سبتة ومليلية مدينتين «محتلتين»، ويؤكد باستمرار أن السيادة الإسبانية عليهما غير معترف بها. لكن على الأرض، تتعامل الرباط مع الحدود المؤدية إلى سبتة باعتبارها حدوداً ينبغي حمايتها وتأمينها ومنع المواطنين من تجاوزها: أسلاك شائكة، حواجز، قوات أمن، دوريات، مراقبة إلكترونية، وطوق أمني كامل عند الحاجة. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت سبتة أرضاً مغربية محتلة، فلماذا تحتاج الدولة المغربية إلى إقامة حدود محصنة تمنع مواطنيها من الوصول إليها؟ قد تكون الإجابة القانونية أن المغرب لا يعترف بالسيادة الإسبانية على المدينة، لكنه يتعاون عملياً مع إسبانيا في إدارة الهجرة ومنع الدخول غير النظامي، وهذا صحيح من الناحية الواقعية، لكن المفارقة السياسية تبقى قائمة. فالدولة التي ترفض الاعتراف بالحدود السياسية للمدينة تتعامل معها عملياً كحد يجب منع مواطنيها من اجتيازه.
المواطن العاطل... من ضحية اجتماعية إلى ورقة ضغط سياسية
هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في القضية. لا ينبغي النظر إلى الشباب المغربي الراغب في الهجرة باعتباره مجرد «أداة»؛ إنه في النهاية إنسان يبحث عن حياة أفضل. لكن الدول يمكن أن تستفيد سياسياً من ظروف هؤلاء الأشخاص. وعندما تكون هناك كتلة ضخمة من الشباب العاطل والمهمش وفاقد الأمل، يصبح وجودها على الحدود مع أوروبا ورقة ضغط محتملة. وهذا لا يعني أن الرباط تعطي أوامر مباشرة للناس بالذهاب إلى سبتة، بل إن اللعبة السياسية قد تكون أكثر تعقيداً؛ فالدولة التي تستطيع تشديد الرقابة أو تخفيفها، تفريق التجمعات أو السماح لها بالوصول إلى المنطقة الحدودية، تستطيع التأثير في مستوى الضغط الذي تواجهه إسبانيا. وبالتالي فإن المواطن العاطل قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من ورقة تفاوض سياسية؛ ليس لأنه اختار ذلك، بل لأن ظروفه الاجتماعية والاقتصادية جعلته قابلاً لأن يكون جزءاً من هذه المعادلة.
الهجرة «عند الطلب»؟
هنا يمكن طرح الفرضية الأكثر جرأة: هل تستغل الرباط، عند الحاجة، تدفقات الهجرة كوسيلة ضغط على مدريد؟ ليس المقصود أن كل أزمة هجرة يتم تصنيعها في مكاتب الدولة، وليس المقصود أن كل مهاجر يتحرك بأوامر من جهة رسمية، بل المقصود هو احتمال وجود قدرة سياسية على التحكم في مستوى الضغط الحدودي واستخدام هذه القدرة عندما تصبح مفيدة في التفاوض. عندما تكون العلاقات ممتازة، يمكن أن تكون الحدود محكمة، وعندما تكون هناك حاجة إلى التعاون يمكن تشديد الرقابة، وعندما تظهر أزمة سياسية تصبح الهجرة فجأة ملفاً أكثر حساسية. وحين تحتاج الرباط إلى إرسال رسالة إلى مدريد أو بروكسل، فإن مجرد معرفة الأوروبيين بأن المغرب قادر على التأثير في تدفق الهجرة يمنحها قوة تفاوضية. وهنا يصبح السؤال: هل المواطن العاطل هو في بعض الأحيان ورقة ضغط سياسية تُستخدم «عند الطلب»؟ إنها فرضية خطيرة، لكنها تستحق التحقيق بدلاً من استبعادها مسبقاً.
ماذا تقول أحداث اليوم؟
أحداث اليوم لا تثبت أن المغرب صنع أزمة يوليو، ولا تثبت أن الدولة سمحت عمداً بدخول عشرات الآلاف، ولا تثبت أن أجهزة الأمن فتحت الأبواب. لكنها تثبت شيئاً مهماً: عندما قررت السلطات المغربية منع العبور، استطاعت أن تمنعه بدرجة كبيرة. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإعادة طرح كل الأسئلة المتعلقة بموجة يوليو، لأن المسألة لم تعد فقط: «هل تستطيع الدولة مراقبة الحدود؟»، بل أصبحت: «متى تختار الدولة أن تستخدم قدرتها على مراقبة الحدود؟» وهذا سؤال سياسي، وليس أمنياً فقط.
لماذا نُجحت الرواية الأمنية في إسبانيا؟
من الطبيعي أن تتعاون مدريد والرباط في تفسير الأزمات. إسبانيا تحتاج إلى المغرب لمنع الهجرة غير النظامية، والمغرب يحتاج إلى إسبانيا في ملفات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة، ولذلك يمكن أن يكون هناك تقارب في الخطاب الرسمي بين البلدين. لكن القبول السياسي برواية معينة لا يعني بالضرورة أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية مقتنعة بكل تفاصيلها. الأجهزة لا تبحث فقط عن «من نشر المنشور»، بل تبحث عن: من بدأ؟ من نظم؟ من مول؟ من حرك؟ من سهّل؟ من غض الطرف؟ ومن استفاد؟ ولهذا فإن رواية «شبكات الاتجار بالبشر» قد تكون صحيحة في جزء منها، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير ظاهرة بهذا الحجم.
السؤال الذي يجب ألا يموت مع انتهاء الأزمة
المشكلة أن الأزمات الحدودية غالباً ما تنتهي بمجرد إغلاق البوابات، لكن الأسئلة الحقيقية تبقى: من نظم الحركة؟ كيف تحرك أكثر من 70 ألف شخص؟ كيف وصلت الحشود إلى الفنيدق؟ متى علمت الأجهزة المغربية بحجم التحرك؟ لماذا لم تتدخل في وقت أبكر؟ هل كانت هناك شبكات تهريب؟ هل كانت هناك حسابات إلكترونية منظمة؟ من يقف خلفها؟ هل كان هناك تمويل؟ هل كان هناك تساهل أمني؟ هل كان هناك قرار سياسي؟ وهل كانت هناك جهة استفادت من النتيجة؟ وهل تحولت الهجرة من مشكلة اجتماعية إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية المغربية؟
سبتة ليست القصة كلها
في النهاية، ربما يكون الخطأ الأكبر هو البحث عن «مجرم واحد» وراء هذه الأزمة. القصة أكثر تعقيداً: هناك البطالة، والفقر، والشعور بالانسداد، وشبكات الاتجار بالبشر، والتضليل الإلكتروني، والرغبة الطبيعية في الهجرة، والحدود، والمصالح الأمنية المغربية والإسبانية، وملف سبتة ومليلية، وعلاقة سياسية متشابكة بين الرباط ومدريد والاتحاد الأوروبي. كل هذه العناصر يمكن أن تلتقي في لحظة واحدة. لكن الشيء الذي يجب ألا نفعله هو استخدام وجود عنصر حقيقي، مثل شبكات الاتجار بالبشر، لإلغاء بقية الأسئلة. فحتى لو ثبت أن بعض الشبكات حرضت على العبور، يبقى السؤال: لماذا نجحت في يوليو وفشلت في أغسطس؟ وإذا كانت الأجهزة المغربية قادرة اليوم على اكتشاف الدعوات والتحرك قبل وصول الحشود إلى السياج، فلماذا لم تتمكن من ذلك قبل الكارثة السابقة؟ وإذا كانت الحدود يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى منطقة أمنية مغلقة، فكيف أصبحت في يوليو ممراً لعشرات الآلاف؟
الباب الذي لا نعرف من فتحه
ربما لا يكون السؤال الأهم هو: من فتح الباب؟ فقد لا نجد دليلاً قاطعاً على أن أحداً فتحه عمداً. السؤال الأخطر هو: من كان يملك مفتاح إغلاقه؟
أحداث 15 أغسطس أظهرت أن الدولة المغربية تملك، عندما تريد، قدرة كبيرة على إحكام السيطرة على المسارات المؤدية إلى سبتة. أما أحداث يوليو فأظهرت أن هذه السيطرة يمكن أن تنهار ــ أو أن تتراجع ــ في لحظة سياسية وأمنية معينة.
وبين المشهدين يقف أكثر من 70 ألف إنسان، وعشرات القتلى، وآلاف القصص الفردية عن اليأس والمغامرة والموت.
هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، وليسوا جميعاً ضحايا «عصابات الاتجار بالبشر»، وليسوا جميعاً أدوات في يد الدولة، لكنهم أيضاً ليسوا خارج السياسة. إنهم جزء من معادلة جيوسياسية أكبر منهم.
وإذا كانت الرباط تملك القدرة على فتح المجال أمام الضغط الحدودي ثم إغلاقه، وإذا كانت مدريد تعرف أن ضبط الهجرة يعتمد بدرجة كبيرة على التعاون المغربي، فإن الهجرة تصبح تلقائياً ورقة قوة في العلاقات بين البلدين.
وهنا يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً: هل كان اندفاع عشرات الآلاف نحو سبتة في يوليو مجرد انفجار اجتماعي خرج عن السيطرة، أم أن المغرب، الذي أثبت اليوم قدرته على إحكام الحدود، اختار في تلك اللحظة أن يترك ضغطاً بشرياً هائلاً يتجه نحو إسبانيا، قبل أن يعيد إغلاق الباب عندما تغيرت الحسابات؟
لا توجد حتى الآن أدلة علنية تكفي لإدانة أحد، لكن غياب الدليل ليس سبباً لإغلاق الملف، بل سبب لفتح تحقيق أكثر عمقاً؛ لأن الحقيقة لا توجد فقط في عدد الأشخاص الذين اعتُقلوا بعد نشر الدعوات، وإنما توجد في من كان يعرف، ومتى عرف، وماذا فعل، ولماذا فعل ذلك.
وفي سبتة، قد يكون السؤال الحقيقي ليس من حاول عبور الحدود... بل من كان يملك القدرة على التحكم في الحدود، ومتى قرر أن يستخدمها.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
القاصر بين القانون والسياسة: من يتحمل مسؤولية حماية الأطفال
...
-
الهجرة الجماعية من المغرب إلى سبتة... عندما تبدأ الأسئلة وتن
...
-
المغرب : بعد خطاب عيد العرش ... أي استقرار نتحدث عنه؟
-
المغرب : خطاب العرش... إنجازات على الورق وواقع يطرح الأسئلة
-
على هامشِ الذِّكرياتِ
-
عيد العرش في المغرب... بين طقوس الولاء وأسئلة الشرعية والعدا
...
-
أزمة الحكم في المغرب: سلطة بلا محاسبة وأحزاب بلا سياسة
-
الصحفي المغربي علي المرابط.. اعتقال عبثي وإفراج تحت الضغط؟
-
علي المرابط… الصحافي المغربي الذي رفض الترويض فعاد إلى قبضة
...
-
المغرب بين نشوة الانتصارات ومرارة الأزمات
-
الطفل وسيم وكأس العالم... كيف سقط الإعلام الجزائري في مستنقع
...
-
بين انتخابات المغرب ورئاسة الجزائر... هل أصبحت كرة القدم ستا
...
-
المغرب: كرة القدم كأفيون جماهيري… وسياسة تُدير ظهرها لمطالب
...
-
المخزن في المغرب: الدولة التي تحكم ولا تُحاسَب
-
المغرب بين مطرقة الفقر وسندان الاستبداد
-
السابع عالميًا في كرة القدم... وال120 في التنمية: من يبتلع ث
...
-
التدجين الكبير: كيف حوّل النظام المغربي الخوف إلى أسلوب حياة
...
-
مغرب الملاعب والمهرجانات... وأسئلة الفقر والاعتقالات
-
المغرب بين الثروة المهدورة والسلطة المطلقة… أسئلة شعب مؤجلة
-
حين يُختزل المغرب في 12 قرنًا: قراءة في التاريخ المنسي والشر
...
المزيد.....
-
خبير طاقة يحذر الأوكرانيين من احتمالية تطبيق جداول لتوزيع ال
...
-
إسرائيل تحاول التأثير على ما يقوله الذكاء الاصطناعي بشأن غزة
...
-
السلطات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في -داعش-
-
ترامب يتفاخر بعلاقته -الممتازة- مع كيم جونغ أون في ذكرى تحري
...
-
زلزال بقوة 5 درجات يهز غرناطة الإسبانية ويتسبب بأضرار مادية
...
-
تدشين أطول تمثال لمريم العذراء في أوروبا في قرية بولندية صغي
...
-
وزارة الصحة الروسية تحذر من عادات وتوصي بأخرى لحماية الصحة
-
استقلال الهند وباكستان: لماذا تحتفل الدولتان بالاستقلال في ي
...
-
الرئيس الكوري الجنوبي يدعو بيونغ يانغ لمحادثات سلام رسمية لإ
...
-
-نتفاهم بشكل رائع-.. ترمب ينشر صورة تجمعه بكيم جونغ أون
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|