أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة صالون الأفندي .














المزيد.....

مقامة صالون الأفندي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 11:11
المحور: الادب والفن
    


مقامة صالون الأفندي :

في مدينة بعقوبة حيث تهجع بقايا التاريخ على ضفاف ديالى وتتنفس الجمال ببطءٍ النخيل وهدوء السنين , وفي بيت يضم نخلةً (( أفندية )) راودَتْها الرّيحُ فانتَصَبَت شمّاءَ ما طَأطأَت رأساً ولَم تَهُنِ , يقع صالون الدكتور تحسين الذي أسميناه (( صالون الأفندي )) , حيث الكلمات نبراس , والقلم في عطاء مستمر , يفيض الصالون بروح الرواد وبصمة جيل مثقفي مدينة بعقوبة وتوثيق ذاكرة الزمن الجميل , وعصف افكار يجعلنا نستولد ظلال الخطوات , لِنَظُنَّ أننا تعرفنا على الطريق , وعموما وفي كل الحوارات , كنا نضع قبل الكلمة تأمّلاً , وفي وسطها فاصلة رحمة , وبعد انتهائها نقطة حكمة.

المجموعة المؤسسة للصالون , أناس بديهيون , مالا يدخل العقل لا يشتروه , وإن رأوا القمح والشعير, يفرحون , وإن رأوا الأشواك , يعلمون أن الحرث عبث , ومن لا يعرف قيمة القمح والشعيرلن يعرف معنى الحصاد , ولا يفهم لماذا لا تُثمر الأشواك خبزاً , ومن لا ينتمي إلا للصحراء , لا يعرف كيف يُدرّ الحنان من ضرع الناقة , قلوبهم , وأقلامهم , مُستنفرة , تلاحقُ ذرّاتَ الوجودِ , في شيء مثل ارتقاء النفس وروعة المشاعر , وبعلو روحي فوق كل ما هو صغائر الحياة , ويبحثون في كل مناحيها , عن اللغة حين تصبح مَخاضاً , وعن المعنى حين يصيرُ خلاصاً , وبين ظمأ المعنى وإعجاز الحرف , توُلدت الأفكار كما في طُقوسُ الارتِواءِ الأوَّل .

وفي كلَّ جمعةٍ , يُفتحُ البابُ لا لِيُدخلَ الأجسادَ فحسب , بل لِيشرعَ المدى أمامَ الأرواحِ العطشى , نلتفُّ حولَ الدكتور تحسين , تتوزعُ الأحاديثُ بينَ طرائفِ الأدبِ وعيونِ الشعرِ , وصولةِ الفكرِ ونقدِ التجربة , يتنقلُ الحوارُ بيننا ككأسِ مدامٍ لا تُسكرُ العقولَ بل تُجليها , فنخرجُ من كُنّةِ الأسبوعِ وهمومِ الحياةِ لنلتقي في رحابِ الأفندي , حيثُ يُقاسُ العمرُ لا بالسنين , بل بجرعةِ المعنى , وبما استطعنا أن نقتنصهُ من حكمةٍ قبلَ أن تغربَ شمسُ الجمعة .

ومن ديباجة التأسيس والوصف الفلسفي إلى الشروع في التفاصيل الإنسانية والطقوس التي تدور في هذا الجمع المبارك , الذي يُوثّق الذاكرة الثقافية للمدينة بلغة أدبية سامية , في صالون أدبي يحتفي بالفكر والإنسان , يجيء الأعضاء كل أتى من بيتٍ لم تكن الكتب فيه زينةً جانبية , بل كانت جوهر الحياة , حتى ليُخيَّل أن الأثاث قد وُضع لاحقاً ليكمل حضورها , هناك , حيث العقولُ مشبعةٌ برائحة الورق والحبر , يتشكّل الوعي على مهل , ومن يتأمل أغلفة الكتب طويلاً , تصير مراياه الأولى , يعبر عبرها إلى عوالم أخرى , ويتنقّل بين ألوانها وأشكالها كما يتنقّل طفل بين نوافذ الحلم , فلم تكن الأغلفة سطوحاً صامتة , بل بواباتٍ مفتوحةً على احتمالات لا نهائية.

هم قوم فتنتهم الكتب , فالتوى وقتهم حولها كما تلتف النار حول فتيلها , وراحت الرواية تقودهم إلى الشعر , والشعر يقودهم إلى الفكر , والفكر يفتح لهم دروب النقد , ومع مرور السنوات , لم تكن علاقتهم بالكتب مجرّد هواية , بل صارت قدراً معرفياً , وورطةً جميلةً في (( زيت الكتب وسراجها )) , كما يقول الأقدمون , ورطةً لا خلاص منها ولا رغبة في الخلاص , وها هم اليوم , على مشارف الثمانين , ما يزالون يرون في القراءة مشروع حياة , وفي الكتابة خلاصاً من العتمة , وفي المعرفة شكلاً من أشكال الطمأنينة.

عكوفٌ على رصينِ ما كتبت , وشغفٌ بما قرأت , وعطفٌ على ما اكتشفت , تُقدّم هذه الرؤى في محضر جلسات الصالون , وثيقةً أدبية وفاءً لجيل مثقفي بعقوبة , وتستحق أن تكون جزءاً من عملٍ أدبي أو توثيقي يُحتفى به , ففي زمنٍ تكدّس فيه الكلام واختلط فيه الغث بالسمين , يظل أمثال هكذا شخصيات بمثابة شرفاتٍ مطمئنة , تطل على الحرف من زاوية الانتماء الصادق لا الاستعراض , وعلى الثقافة من بوابة الخدمة لا التصدر.

أما في محتوى محاور النقاش والفكر , وفي السياسة والواقع الاجتماعي , نستعرض أحزاب الهبوط إلى الهاوية وأحزاب الصعود إلى الجحيم , ونرى : أن يسرق الجائعُ رغيفَ خبزٍ , فأمرٌ يبررهُ فقهُ أبي ذرٍّ الغفاري , وأن يسطو الفارسُ الشجاعُ على مالِ الأباطرة المتخمين ليُطعم الفقراءَ المُهمَّشين , فأمرٌ تُجيزه شريعةُ عروةَ بن الورد ومروءةُ الصعاليكِ الطيبين , أما أن ينتحلَ (( النكرةُ )) اسمَ (( المُعَرّفَ )) ليستجدي المُغفَّلين أو يحتال على الطيبين , فأمرٌ ليس له ما يبرره حتى بالمثل العربي السائر : (( إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت )) , وفي نقاشات التدين والعقل , إن الدين الذي يريد أن يستبدل التفكير الحر بأسرار صوفية , والحقيقة العلمية بعقائد جامدة , والفاعلية الاجتماعية بطقوس لابد أن يصطدم بالعلم , والدين الصحيح على عكس هذا فهو متسق مع العلم , وفوق هذا يستطيع العلم أن يساعد الدين في محاربة المعتقدات الخرافية , فإذا انفصلا , يرتكس الدين في التخلف , ويتجه العلم نحو الإلحاد.

وهكذا , يبقى (( صالون الأفندي )) أكثر من مجرد مساحةٍ جغرافية في بعقوبة , إنه ملاذٌ فكريٌّ وإنساني تُصان فيه أصول الكلمة , وتُحفظ بين جدرانه ذاكرة جيلٍ أدرك أن المعرفة موقف , وأن الثقافة مسؤولية , بين نخلته الصامدة وشغف رواده الذين أسرهم حب الكتاب , تتجدد كل جمعةٍ طقوس الارتواء الفكري , ليبقى الحرفُ لديهم سلاحاً في وجه الزيف , وضوءاً يضيء عتمة الزمان.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .


المزيد.....




- منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ يبحث تأثير الذكاء الاصطن ...
- من الهيمالايا إلى موسكو.. 700 قطعة تروي رحلة البوذية في روسي ...
- سجال الهوية واللغة في الجزائر: مواجهة مفتوحة بين مقري ومعزوز ...
- شهدت أفول إمبراطورية المطر.. -آيانيس- قلعة تكشف أسرار العرش ...
- مصر.. فيلم -محمود التاني- يصل إلى دور السينما في هذا الموعد ...
- على خطى -مايكل-.. فرقة -غرين داي- تروي سيرتها الذاتية في فيل ...
- هل ينقذك الماضي من الحاضر؟ فيلم -إذما- يبحث عن إجابة عمرها 1 ...
- رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا ...
- صدور رواية طوالع يومية في العراق
- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة صالون الأفندي .