أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - يا زريف الطول / قصة قصيرة














المزيد.....

يا زريف الطول / قصة قصيرة


منذر ابو حلتم
قاص وشاعر ، عضو رابطة الكتاب الاردنيين

()


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 18:50
المحور: الادب والفن
    


في منتصف الأربعينات من عمرك، لا تكون الطريق مجرد مسافة تقطعها… بل تصبح شكلاً آخر من الحياة، يمتدّ داخلك كما يمتدّ أمامك.
أنت تقود شاحنةً ضخمة، تمشي في الصحراء كظلٍّ معدنيٍّ طويل نسيه النهار عند الحافة.
بين الكويت والأردن عبر السعودية، لا يبدو الطريق طريقاً، بل شريطاً من العزلة المشدودة بين ليلٍ بارد ورمالٍ لا تتعب من الامتداد.
تمرّ عليك حفر الباطن كاسمٍ عابر، كأنها لا تخصّ أحداً، ومع ذلك يمرّ عبرها كل شيء: الوقت، والتعب، وأشياء لا اسم لها في الذاكرة.
في الكابينة، الليل أهدأ من أن يُحتمل.
فتشغّل المسجّل.
“يا زريف الطول وين رايح تروح…”
لا تدخل الأغنية أذنك فقط…
بل تنزلق إلى مكانٍ أعمق منك، كأنها تفتح باباً كنت تظنّه أُغلق منذ زمن.
وفجأة…
لا تعود الشاحنة شاحنة.
أنت في عرس.
ساحة قرية صغيرة مضاءة بارتباك الفرح، وأقدام تضرب الأرض كأنها تستدعيها كي تتذكّر نفسها.
الأرغول يصرخ، وصوت “يا زريف الطول” يتحول إلى جسدٍ كامل من الدبكة.
أنت هناك… شابّاً بين إخوتك وأقاربك .. قريباً من الجميع حدّ الإندماج.
الأيدي تتشابك، الضحك يرتفع فوق الغبار، وامرأة تقف على الطرف الآخر من الفرح… كأنها بداية حياة كاملة لم تبدأ بعد.
لكن العرس لا يكتمل.
يخترقه فجأة صوتٌ آخر.
زامور شاحنة قادم من الاتجاه المقابل.
تعود إليك الدنيا دفعة واحدة.
تردّ التحية بزمورٍ قصير، تلقائي، كأن الطريق كلّه صار لغةً واحدة تتبادل الإشارات بدل البشر.
ويمرّ الصوت…
لكنّه لا يختفي.
شيء فيه يتحول.
الزمور نفسه يصبح صفيراً طويلاً، ثم جسرًا.
جسرٌ خشبيّ يهتز فوق نهر الأردن.
وأنت هناك.
على الضفة، تنتظر.
حقائب قليلة… وقلوب كثيرة لا تُرى.
تأتي العائلة خطوةً خطوة، كأنهم يعبرون من حياة إلى حياة.
كان الانتظار أطول من السفر، واللقاء لا يشبه الفرح الكامل… بل يشبه نجاته المتأخرة.
ثم تعود.
إلى المقعد.
"يا زريف الطول وقف تا قلك ...."
يداك على المقود، والصحراء أمامك كما كانت، كأنها لم تتحرك من مكانها يوماً.
الأغنية ما زالت تعمل، لكن صوتها أخفّ… كأنه يبتعد ليترك مساحة لشيء لا يُقال.
ضوء شاحنة خلفك يومض.
تجاوزٌ بطيء، إضاءة متقطعة كنبضٍ معدني.
ومع الوميض… يعود الجيش.
تدريب.
صراخ أوامر قصيرة.
أرض تهتز تحت أقدام لا تملك خيار التوقف.
ثم وجوه رفاق قدامى، ثابتين داخل صور لا تتغيّر، كأن الزمن نسيهم هناك.
ومرة أخرى… ضوء.
لكن هذه المرة ليس تدريباً.
بل صحراء أخرى… أكثر كثافة، فيها شيء يشبه النار والرماد.
معركة الكرامة.
لا تراها كحدث… بل كصدى.
كأنها وقعت داخل رأسك، وما زالت تحدث كلما سكت العالم.
ينخفض الضوء.
ويعود الطريق.
" يا زريف الطول يا عود الريحان ..."
تخفّف السرعة، وتلمح شاحنة متوقفة على جانب الطريق.
سائقها يرفع يده بتحية عابرة وهو يبدّل إطاراً مثقوباً.
تتوقف لحظة… أو كأنك تتوقف داخلك.
لا كلمات كثيرة.
تحية وضحكة صغيرة .. عرض للمساعدة ثم تلويحة يد ..
ونظرة تقول إن الطريق واحد، وإن التعب واحد، وإن الليل لا يفرّق بين أحد.
ثم تمضي.
الأغنية تواصل سيرها معك، لكن الزمن داخلها لم يعد كما كان.
" يا زريف الطول وين رايح تروح .. بقلب بلادنا تعمقت الجروح ... "
التقاعد يمرّ كظلٍّ هادئ لا صوت له.
مكاتب بعيدة، أوراق أقل، أوامر لا تأتي.
ثم حياة جديدة بلا رتبة ولا حدود…
شاحنة بدل البزة العسكرية، وطريق بدل المعسكر.
وأطفالك…
وجوه صغيرة تنتظر عند كل عودة، تكبر بسرعة لا تستطيع مواكبتها.
هدايا بسيطة تفرحهم أكثر مما تفهم أنت.
ونظراتهم عند الوداع… كانت دائماً أطول من الوداع نفسه.
وزوجتك…
صوتها أقرب شيء إلى طمأنينة حقيقية:
“كل شيء بخير… لا تفكر كثيراً.”
وفي لحظة ما، لا تعود تميّز بين الطريق والذاكرة.
كأنهما شيء واحد يتحرك في الاتجاه نفسه.
قبل الفجر بقليل، يخفّ الليل كأنه يتعب هو الآخر.
الصحراء تستيقظ على طريقتها:
لون رماديّ يتسلل إلى الرمل، وسماء تتراجع ببطء عن سوادها.
يظهر ضوء الشنس الأول.
ظلّ الشاحنة يمتد طويلاً خلفك… كأنه ذكرى لم تتأخر عنك أبداً.
والطريق أمامك لا ينتهي.
بل يبدو كأنه وُلد للتو… ليبدأ من جديد.
وفي لحظة صمتٍ كاملة…
تطلق زموراً طويلاً جداً.
ليس تحية.
ولا ردّاً.
ولا إنذاراً.
بل شيء يشبه كل ذلك معاً…
أو لا يشبه أي شيء.
شيء يشبه شوقاً لا يجد طريقه،
وحنيناً لا يعرف أين يعود،
واحتجاجاً هادئاً على أن كل هذا يمر… ولا يتوقف.



#منذر_ابو_حلتم (هاشتاغ)       #          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما لا تعرفه الخرائط
- نشيد الطين الأول
- الاسمُ الأوَّلُ للتلال
- وديعة البحر / قصة قصيرة
- في الستين
- شك
- دفتر سانشو - قصة قصيرة
- ظل غيم عابر
- زهرة ليمون في جيب قميصي
- طريق ترابي خلف المطار / قصة قصيرة
- أحيك الحنين بإبرة الغيم
- في المصح الكبير
- العراة - قصة قصيرة
- الجنوب ليس اتجاها
- قبل اغلاق الباب - قصة قصيرة
- هرمجدون
- مزامير السقوط والقيامة
- بنت جبيل.. الجرح الذي يرى
- المسلخ .. قصص قصيرة جدا
- الق صخرتك وامض .. سيزيف


المزيد.....




- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...
- الفنان توفيق عبد الحميد يحسم اعتزاله بلا رجعة.. وهذه أسبابه ...
- بوتمن: مشروع أول جامعة متخصصة في موسيقى الجاز في روسيا جاهز ...
- -الحرب لا تنتهي عند الرصاصة الأخيرة-.. مصور إسباني يوثق جراح ...
- عبد الرزاق حوراني.. رحيل رجل عاش في كواليس الدراما السورية


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - يا زريف الطول / قصة قصيرة