أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - وديعة البحر / قصة قصيرة














المزيد.....

وديعة البحر / قصة قصيرة


منذر ابو حلتم
قاص وشاعر ، عضو رابطة الكتاب الاردنيين

()


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 20:15
المحور: الادب والفن
    


كل صباح...
كانت الشاحنات تغادر قرى الجنوب مثقلةً بالمنازل.
لم يكن أحد يسميها ركامًا.
كان الركام كلمةً صغيرة لا تتسع لكل هذا العمر.
في الصندوق الخلفي كانت تتجاور حجارةٌ حفظت دفء المواقد، وأبوابٌ لم تفرغ بعد من أصوات أصحابها، وشبابيك ما زالت عالقةً بها قطعةٌ من زرقة السماء، وأسِرّةٌ استيقظت مذعورةً قبل أن تكمل أحلامها.
كانت هناك خزائن تفوح منها رائحة الصابون والزعتر.
كتبٌ مدرسية توقفت عند منتصف الدرس.
دفاترٌ بقيت فيها واجباتٌ لم تُنجز.
فستانُ عرسٍ التصق به غبار السقف.
ودميةٌ قطنية خرج قلبها الأبيض من خاصرتها، كأنها أصيبت هي الأخرى بالشظايا.
حتى الصور العائلية...
لم تكن صورًا.
كانت نوافذ صغيرة تُطل على زمنٍ لم يقتنع بعد بأنه صار ماضيًا.

───

كانت الشاحنات تمضي نحو البحر.
في طريق الذهاب...
تمرّ بجرافاتٍ تشق طرقًا جديدة، وبعمّالٍ يقيسون أساسات بيوتٍ لم تُبنَ بعد.
وفي السماء...
كانت الطائرات ما تزال تبحث عن أسقفٍ أخرى لتسقطها.
كان الهدم والبناء يسيران في الطريق نفسه...
كلٌ منهما يحدّق في الآخر.

───

عند الشاطئ...
ترتفع الصناديق الحديدية ببطء.
ثم يبدأ الجنوب بالسقوط.
ليس حجرًا فوق حجر.
بل أمًّا فوق ضحكتها.
وطفلًا فوق حقيبته.
وعريسًا فوق أغنيته الأولى.
وشجرةَ تينٍ فوق ظلها.
كان البحر يتلقى كل ذلك بصمت.
لكن صمته لم يكن استسلامًا.
كان يشبه صمت شيخٍ يعرف أن الكلام لن يغيّر شيئًا...
وأن الذاكرة وحدها ستفعل.

───

في الليل...
حين تنام القرى على ما بقي منها...
كان البحر يظل مستيقظًا.
في الأعماق...
لم تكن الحجارة متفرقة.
كانت تتقارب.
كل حجر يبحث عن الجدار الذي جاء منه.
كل باب يستند إلى نافذته.
كل درجة سلم تفتش عن الدرجة التالية.
الألعاب تتجمع حول كتب المدرسة.
وأكواب القهوة تجاور الملاعق التي ألفتها.
أما الصور...
فكانت وجوهها، رغم الملح، ترفض أن تتلاشى.
كأن البحر...
لم يغرق قريةً واحدة.
بل أخفاها مؤقتًا.

───

وفي الصباح التالي...
تعود الشاحنات من البحر فارغة.
لكنها لا تلبث أن تمتلئ من جديد.
فالبيوت ما زالت تُهدم.
والقرى ما زالت تنفض غبارها.
والبنّاء الذي كان يرفع حجرًا لبناء غرفة...
كان يسمع في اللحظة نفسها صوت انفجارٍ يهدم غرفةً أخرى.
لم يكن أحد يسأل:
متى تنتهي الحرب؟
كان السؤال الوحيد:
كم بيتًا نستطيع أن نعيد إليه بابه...
قبل أن يأتي الدور على بابٍ آخر؟

───

وذات مساء...
وقف طفل على الشاطئ.
ظل يحدق طويلًا في الماء.
ثم سأل أباه:
ــ إذا كانت بيوتنا كلها هنا...
فهل سيصبح البحر قرية؟
ابتسم الأب.
لم يجب.
كان يخشى أن يبكي.
لكن البحر...
أجاب بموجةٍ صغيرة دفعت إلى الرمل مفتاحًا صدئًا.
أسرع الطفل إليه.
رفعه بكلتا يديه، كما لو أنه عثر على كنز.
قال:
ــ هذا مفتاح بيت.
هز الأب رأسه.
ثم همس:
ــ لا...
هذا دليلٌ على أن البيت ما زال ينتظر.

───

ومنذ ذلك اليوم...
كلما جاءت شاحنةٌ تحمل ما تهدّم...
كان البحر يفسح لها مكانًا في ذاكرته.
وكلما ارتفع جدارٌ جديد في قريةٍ تقاوم...
كانت موجةٌ بعيدة ترتطم بالصخور، كأنها تصفق للبنّائين.
لم يكن البحر يعيد الحجارة.
ولم يكن يحتفظ بها.
كان يحرسها.
لأنه يعرف...
أن الحرب قد تؤجل عودة البيوت...
لكنها لا تستطيع أن تغيّر عناوينها.
فالقرى لم تمت.
لقد انقسمت فقط.
نصفها...
يقاوم فوق اليابسة.
ونصفها الآخر...
ينتظر في البحر.
وحين يعود السلام...
لن يبدأ البنّاؤون من الصفر.
سيطرقون باب البحر أولًا...
ليعيد إليهم ما ائتمنوه عليه:
حجارة البيوت...
وذاكرة الجنوب.



#منذر_ابو_حلتم (هاشتاغ)       #          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الستين
- شك
- دفتر سانشو - قصة قصيرة
- ظل غيم عابر
- زهرة ليمون في جيب قميصي
- طريق ترابي خلف المطار / قصة قصيرة
- أحيك الحنين بإبرة الغيم
- في المصح الكبير
- العراة - قصة قصيرة
- الجنوب ليس اتجاها
- قبل اغلاق الباب - قصة قصيرة
- هرمجدون
- مزامير السقوط والقيامة
- بنت جبيل.. الجرح الذي يرى
- المسلخ .. قصص قصيرة جدا
- الق صخرتك وامض .. سيزيف
- الشرق الأوسط 2026: حين يختبر العالم حدود قوته
- المقهى العالمي أم المصيدة الرقمية؟ تشريح لظاهرة وسائل التواص ...
- سؤال الأرض
- وأزرع ثورتي فيكم


المزيد.....




- توم كروز يتلقى جائزة إنجاز العمر من معهد الفيلم الأمريكي
- علي البتيري يشرع قلمه لغزة.. القلم والبندقية وجهان لهدف واحد ...
- حكاية الأرض والنساء.. تتويج الفيلم السوداني -ملكة القطن- في ...
- فرنسا: فنانون ومقتنون يتوافدون إلى -آرت بازل باريس- رغم الاض ...
- تفاقم الجريمة في لندن.. كوميدي بريطاني مشهور يتعرض لاعتداء ف ...
- هوليوود بين العروض السينمائية والمحتوى الإلكتروني؟ لا، العنو ...
- رواية مارغريتا سيمونيان -ليس الحب الأول- تتصدر مبيعات دار -أ ...
- مسؤولة أمريكية توثق اعتداءات المستوطنين في الضفة وتكشف زيف ا ...
- سينما الحرب في مهرجان الجونة: توثيق لآثار العدوان على الإنسا ...
- ساشا بارون كوهين يدافع عن عودة -علي جي- وسط اتهامات بالعنصري ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - وديعة البحر / قصة قصيرة