أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - قبل اغلاق الباب - قصة قصيرة














المزيد.....

قبل اغلاق الباب - قصة قصيرة


منذر ابو حلتم
قاص وشاعر ، عضو رابطة الكتاب الاردنيين

()


الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 22:17
المحور: الادب والفن
    


لم يكن الألم هو أول ما اختفى.
بل الوزن.
ذلك الثقل الخفي الذي كان يربطه بالأرض، بالأشياء، بالاسم الذي حمله طويلًا، تلاشى فجأة كزر انطفأت فيه الجاذبية.
وحين فتح عينيه، لم يجد سقف الغرفة ولا وجوه الواقفين حول السرير، بل وجد نفسه في مكان يشبه الفكرة أكثر مما يشبه مكانًا حقيقيًا.
كان هناك ضوء رماديّ شفيف، لا يأتي من جهة محددة، كأن الهواء نفسه يتذكّر الشمس.
حاول أن يرفع يده، فاكتشف أن الحركة لم تعد تحتاج إلى عضلات.
يكفي أن يفكر بها.
ارتبك.
نظر إلى جسده أولًا قبل أن يفهم أنه جسده.
كان ممددًا هناك بهدوء غريب، كبدلة قديمة نسيها أحدهم على كرسي بعد رحلة طويلة.
بدا الوجه مألوفًا وبعيدًا في آنٍ واحد، مثل صورة لطفولته عثر عليها مصادفة في درج مهمل.
اقترب أكثر.
لم يشعر بالشفقة على الجسد، ولا بالخوف منه، بل بشيء يشبه الحرج…
كأنهما شخصان افترقا بعد سوء تفاهم طويل.
في الغرفة كانت الأصوات تصل إليه متأخرة، مغطاة بطبقة كثيفة من الماء.
امرأة تبكي.
رجل يردد شيئًا عن الطبيب.
وصوت جهاز بعيد يطلق صفيرًا متقطعًا، كعصفور معدني يحتضر.
أراد أن يقول لهم إنه هنا.
أنه يسمعهم.
أنه لم يذهب بالكامل بعد.
لكن الكلمات لم تعد تخرج من الفم، بل من النية نفسها، والنيات — كما اكتشف — لا يسمعها الأحياء.
تراجع إلى الخلف دون أن يمشي.
كان يتحرك كما تتحرك الذكرى داخل الرأس.
ثم لاحظ أمرًا أكثر غرابة:
الوقت لم يعد مستقيمًا.
الثواني لم تعد تتبع بعضها، بل تتجمع وتتبعثر مثل زجاج مكسور.
فجأة رأى نفسه طفلًا يركض خلف دجاجة بيضاء في فناء قديم.
وفي اللحظة ذاتها رأى شيخوخته التي لم يعشها بعد.
ورأى امرأة لم يقابلها قط تبكي عليه بحرقة، كأن المستقبل نفسه كان ينعاه مسبقًا.
ارتجف، إن كان الارتجاف ممكنًا بلا جسد.
وسأل نفسه للمرة الأولى:
هل متُّ فعلًا؟
أم أن الموت مجرد ارتباك مؤقت في معنى الوجود؟
عندها ظهر الممر.
لم يأتِ من مكان محدد، بل نما ببطء داخل العتمة، كشقٍّ في قشرة العالم.
ممر طويل لا جدران له، تصطف على جانبيه ظلال شفافة تشبه بشرًا يتذكرون أنفسهم بصعوبة.
بعضهم كان يمشي مطمئنًا، كمن عاد أخيرًا إلى بيته.
وبعضهم كان يلتفت وراءه مذعورًا، يحاول الإمساك بأسماءٍ تتسرب من ذاكرته.
خطا نحوه.
أو ربما انجذب إليه.
وفي منتصف الطريق سمع شيئًا غريبًا:
صوت قلبه.
توقف.
كيف يمكن لقلب أن ينبض خارج الجسد؟
لكن الصوت لم يكن بيولوجيًا.
كان أشبه بآخر خيط يربطه بالعالم القديم؛
نبض الذكريات، لا الدم.
كل نبضة كانت تُسقط عنه شيئًا:
اسمه.
عمره.
ملامحه.
خوفه من الفشل.
حقده القديم على أخيه.
رائحة قهوته الصباحية.
حتى صوته الداخلي بدأ يتآكل ببطء، كرسالة ورقية في المطر.
شعر بالذعر.
لأول مرة تمنّى العودة إلى جسده، بكل ألمه وثقله ونقصه.
فالإنسان لا يدرك مقدار تعلقه بنفسه إلا عندما تبدأ نفسه بالاختفاء.
ركض.
لكن الركض هناك لم يكن حركة، بل رغبة عنيفة في النجاة.
وعندها حدث الشيء الأكثر غرابة:
رأى باب غرفته يُفتح من جديد.
رأى الأطباء يركضون.
رأى جسده ينتفض بعنف فوق السرير.
ثم…
شهيق.
شهيق واحد فقط، لكنه بدا كأن الكون كله دخل رئتيه دفعة واحدة.
استيقظ.
عاد الألم أولًا هذه المرة.
ثقل العظام.
ضيق الصدر.
رائحة المعقمات.
وضوء المصابيح القاسي.
فتح عينيه بصعوبة.
المرأة التي كانت تبكي أمسكت يده وهي ترتجف، بينما أخذ الطبيب يكرر شيئًا عن “المعجزة”.
لكنه لم يجب.
ظل ينظر إلى السقف طويلًا، بصمت شخص عاد من مكان لا يملك لغة لوصفه.
وفي تلك الليلة، قبل أن ينام، لمس صدره ببطء…
كمن يتحسس بابًا سريًا كاد يُغلق خلفه إلى الأبد.



#منذر_ابو_حلتم (هاشتاغ)       #          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هرمجدون
- مزامير السقوط والقيامة
- بنت جبيل.. الجرح الذي يرى
- المسلخ .. قصص قصيرة جدا
- الق صخرتك وامض .. سيزيف
- الشرق الأوسط 2026: حين يختبر العالم حدود قوته
- المقهى العالمي أم المصيدة الرقمية؟ تشريح لظاهرة وسائل التواص ...
- سؤال الأرض
- وأزرع ثورتي فيكم
- صافرات الموت في ليل المرافئ
- عندما ينام البرق في الجبال
- شيء اسمه الشمس
- وعد الشرق
- جغرافيا -الديكور-: حينما يرحل السيد ويبقى الصراع على الفتات
- مقبرة الضوء
- طبول الحرب في الشرق الأوسط استراتيجية -الضغط الأقصى العسكري- ...
- على حافة الانفجار: مغامرة ترامب أم رهان طهران على الزمن؟
- ليل طويل .. وقصص اخرى
- جرينلاند: جزيرة الجليد التي أشعلت صراع القوى الكبرى
- انت .... مرة أخرى


المزيد.....




- الأدب المقارن بين التأصيل النظري وتعدد القراءات الثقافية في ...
- أكاديميون ينتقدون -إلسيفير-ستانفورد-.. مؤشرات علمية أم أدوات ...
- المغنية والممثلة مايلي سايروس تحصل على نجمة المشاهير في ممشى ...
- هل تخشى أن تصبح مثلهم؟.. 5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في ...
- مهرجان كان : السعفة الذهبية لفيلم -فيورد- للمخرج الروماني كر ...
- الفنان المصري إدوارد يحتفل بزفاف نجله ماركو
- محمد سعيد أحجيوج: لهذا تسقط الرواية العربية في فخ الأيديولوج ...
- لماذا تتضارب الروايات الإيرانية والأمريكية حول الاتفاق الوشي ...
- فيلم -FJORD- يفوز بالسعفة الذهبية.. إليكم جوائز مهرجان كان ا ...
- بيت المدى يستذكر صاحب - المنعطف -..جعفر علي عراب السينما الع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - قبل اغلاق الباب - قصة قصيرة