أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - شيء اسمه الشمس














المزيد.....

شيء اسمه الشمس


منذر ابو حلتم
قاص وشاعر ، عضو رابطة الكتاب الاردنيين

()


الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 20:48
المحور: الادب والفن
    


لم يكن أحد في المدينة يتذكر متى بدأت الحكاية.
فمنذ وُلد الناس هناك، وُلدوا بلا عيون. لم يكن الأمر يُعدُّ عيبًا، بل كان فضيلة؛ فالظلام، كما كانوا يقولون، أكثر عدلًا من النور، لأنه لا يميّز بين غني وفقير.
في صباحٍ لا يختلف عن غيره من الصباحات — وإن كانوا لا يعرفون معنى الصباح — صدر مرسوم سلطاني من قصر الحاكم بأمر الله ضرير بن الأعمش.
نُودي في الأسواق، وعلى أبواب المعابد، وفي الأزقة الضيقة:
“يُعدم كلُّ من يدّعي بوجود شيء يُسمّى الشمس.”
ارتجّت المدينة همسًا.
ما هي الشمس؟
لم يكن أحد يعرف، لكن الجميع خاف.
لم تمضِ ساعات حتى أصدر مفتي المدينة فتواه:
“كل من يزعم بوجود الشمس زنديق، حلال الدم. إذ لم يرها أحد من السلف الصالح، ولم ترد في كتب الأقدمين، ولم تُلمَس باليد، ولم تُشمّ بالرائحة، ولم تُسمَع لها خُطى.”
تنفّس الناس الصعداء.
حين تُحرَّم الفكرة، يرتاح العقل.
لكن في طرف المدينة، في بيتٍ صغيرٍ متصدّع الجدران، كان يعيش شاب يُدعى سليم.
لم يكن يملك عيونًا كسائر الناس، لكنه كان يشعر بحرارةٍ على وجهه كلما خرج إلى السطح وقت الظهيرة.
حرارة لا تشبه نار المواقد، ولا دفء الأجساد.
كان يقف هناك طويلًا، رافعًا رأسه، كأنه يستقبل شيئًا لا يراه.
وفي إحدى المرات، همس لجارته العجوز:
— هل تشعرين بها؟
— بماذا؟
— بهذا الدفء الذي ينزل من أعلى…
ارتجفت العجوز.
وضعت يدها على فمه.
وقالت بصوتٍ مرتعش:
— لا تُسمِّها… الجدران تسمع.
لم يكن سليم خطيبًا، ولا ثائرًا.
كان فقط يسأل.
لكن السؤال في مدينة العميان أخطر من السيف.
وفي يومٍ ما، تجرأ وقال في السوق:
“لو لم تكن هناك شمس، فمن أين يأتي هذا الدفء؟”
ساد الصمت.
ثم ارتفعت أصوات غاضبة:
— زنديق!
— يريد إضلال الناس!
— الشمس خرافة!
اقتيد إلى الساحة الكبرى.
وقف أمام الحاكم، الذي كان يرتدي تاجًا ثقيلًا لا يرى به شيئًا، لكنه يشعر بوزنه جيدًا.
سأله الحاكم:
— هل رأيت الشمس؟
أجاب سليم بهدوء:
— لا أراها… لكنني أشعر بها.
ضحك المفتي:
— الشعور لا يُعتدُّ به في العقيدة.
قال سليم:
— إذن، هل رأيتم الظلام؟
ساد صمت ثقيل.
في تلك الليلة، أُعدم سليم.
وقبل أن يسقط جسده، لفحت وجوه الواقفين نسمة دافئة لم يعتادوها.
تراجع بعضهم خطوة.
وتساءل طفل صغير بين الجموع:
— لماذا أشعر بشيء فوق رأسي؟
صاح أبوه مذعورًا:
— اسكت!
وفي اليوم التالي، أُزيلت من المعجم كلمة “شمس”.
وقيل للناس:
“الدفء ظاهرة عابرة لا تفسير لها.”
لكن، ومنذ ذلك اليوم، صار بعضهم يقف سرًّا فوق أسطح بيوتهم، رافعين وجوههم نحو الأعلى…
لا يرون شيئًا.
لكنهم يشعرون.
وفي مدينة العميان، بقيت الشمس
ديكورًا هامشيًا…
مشكوكًا بوجوده…
لكنها، رغم ذلك، تشرق كل يوم.



#منذر_ابو_حلتم (هاشتاغ)       #          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وعد الشرق
- جغرافيا -الديكور-: حينما يرحل السيد ويبقى الصراع على الفتات
- مقبرة الضوء
- طبول الحرب في الشرق الأوسط استراتيجية -الضغط الأقصى العسكري- ...
- على حافة الانفجار: مغامرة ترامب أم رهان طهران على الزمن؟
- ليل طويل .. وقصص اخرى
- جرينلاند: جزيرة الجليد التي أشعلت صراع القوى الكبرى
- انت .... مرة أخرى
- افول عصر الورق : من الكيان العضوي الى المكتبة الكونية
- مدن الماء
- ما روته الظلال
- غيم رمادي وشمس باردة
- زلزال 2026: هل يشهد الشرق الأوسط ولادة نظام عالمي جديد من رح ...
- وجوه الغيم
- ما رواه الصداع
- فراشة عمياء
- انشودة الهباء
- مرثية الرايات الأخيرة
- اناشيد لن يرتلها احد
- كؤوس الصور اللا مرئية


المزيد.....




- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - شيء اسمه الشمس