أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - ما روته الظلال














المزيد.....

ما روته الظلال


منذر ابو حلتم
قاص وشاعر ، عضو رابطة الكتاب الاردنيين

()


الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 09:07
المحور: الادب والفن
    


لم تكن السفن العتيقة تعرف متى بدأت حكايتها.
كل ما كانت تتذكره هو القمر، حين يعلّق ضوءه كجرحٍ أبيض في السماء، فتقترب الظلال من بعضها على استحياء، كما لو أنها تخشى أن توقظ الرمل من نومه الطويل.
في تلك الليالي، كانت السفن تتسامر دون أصوات.
تتبادل صرير الأخشاب، وتنقل الريح ما تبقى من همسٍ تكسّر في أفواه الأشرعة المثقوبة.
الريح، التي تعرف كل شيء، كانت تصغي وتضحك في سرّها، ثم تمضي لتبعثر الأسرار بين حبات الرمل.
من بعيد، كانت المنارة تنبض.
لا ترشد أحدًا، فقط تذكّر السفن بأنها كانت يومًا تعرف الطريق.
تئنّ الصواري كعجائز يحاولن الوقوف، تنفض المراسي خمولها، وتغني أشرعة منسية أغنية قديمة عن موجٍ لم يعد، وعن عاصفة لم تكتمل.
فتردّد الصواري، لا حنينًا، بل عادة…
عادة السفر.
وحين يفتح الصبح عينيه بكسل، تمسح السفن عن جنباتها دموع الليل، ثم تغفو.
تغفو بعمقٍ مخيف، كأنها لم تكن يومًا سوى لوحةٍ نسيها الزمن، رسمتها الريح حين كانت تحلم.
كان المطر يجيء ببطء.
ينساب على الأجساد الخشبية كما ينساب الندم على ذاكرةٍ هرمة.
يدخل شقوق العمر، ويوقظ في الأخشاب أنين سنواتٍ لم تُعش.
تهب الريح، تتسلل من ثقوب الأشرعة، فتعلو أصواتٌ لا تُرى.
أصوات تحاول أن تتذكر أسماءها، أن تتشبث بشيء قبل أن يبتلعها النسيان.
تمدّ الصواري ظلالها نحو البحر، تنادي خيول الموج.
لكن الريح—كعادتها—تضحك، وتعدو خلف صغار الموج في طرف المساء، تاركة النداء معلقًا في الهواء.
كانت السفن تراقب من بعيد.
ترى الموج يركض حرًا في سهول المغيب، وتسمع الأشرعة تئنّ كقلوبٍ لم تُشفَ.
تنقل الريح الحكايات، من شراعٍ إلى ظل، ومن ظلٍّ إلى آخر.
وفي ليلةٍ ماطرة، همس شراعٌ عتيق، بصوتٍ يشبه الفرح:
المطر ماء يا رفاق…
المطر ماء، والبحر ماء.
ضحكت السفن.
ضحكت لأنها فهمت أخيرًا أن القرب لا يعني العبور.
وحين علا البحر، وغزا الموج حدود الرمال، ارتعشت السفن.
لامس الماء يباس أخشابها، فصاح في أضلاعها حنينٌ قديم.
خفقَت بقايا الأشرعة، كأجنحةٍ كسيحة تحاول الطيران دون ذاكرة.
الريح ضحكت، هذه المرة بشفقة،
ونثرت على الأشرعة غبار الرمل،
كأنها تقول:
ليس كل ما يحنّ يعود.
في الصيف، حين ازدحم الأفق بأشرعة فتية،
توقفت الأشرعة العتيقة عن الخفقان.
ارتفع الحنين في الأخشاب، صامتًا، كثقلٍ لا يُحتمل.
امتدت الظلال.
تقاربت.
توحدت في ظلٍ واحد، طويل، عنيد،
يمدّ ذراعيه نحو الماء في شهقة الضوء الأخيرة.
ثم جاء الليل.
ثقيلاً كغيمة سوداء.
وحين لم يبقَ في الأفق سوى منارةٍ وقمر،
عادت الظلال تتسامر.
والريح—كما دائمًا—
نقلت ما ترويه الظلال،
ثم مضت.



#منذر_ابو_حلتم (هاشتاغ)       #          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غيم رمادي وشمس باردة
- زلزال 2026: هل يشهد الشرق الأوسط ولادة نظام عالمي جديد من رح ...
- وجوه الغيم
- ما رواه الصداع
- فراشة عمياء
- انشودة الهباء
- مرثية الرايات الأخيرة
- اناشيد لن يرتلها احد
- كؤوس الصور اللا مرئية
- اراهن على الغيم
- تصير الريح أما للحزن
- انشودة الأسئلة الأخيرة
- يوم في يافا
- براءة
- الموت ضحكا .. وقصص اخرى
- مما تنبأ به العراف العجوز
- هذا زمانك .. قد مضت ازمانهم
- كي تبصر .. وخفقات اخرى
- وجوه وأقنعة
- حيرة الشمع


المزيد.....




- معهد العالم العربي: أربعون عاما من الثقافة العربية في قلب با ...
- علي إدريس ينفي تنازل عمرو سعد عن أجره في فيلم قسمة العدل
- أسوان تحتضن الفنون النوبية والعالمية في انطلاق مهرجانها الدو ...
- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعر أحمد الشيخ علي
- لعلاقته مع إبستين.. القضاء الفرنسي يحقق مع وزير الثقافة السا ...
- مسرحية الدم والمال.. واشنطن تجمع تبرعات للإعمار.. ونتنياهو ي ...
- صديق لا يخون: أشهر 5 أفلام عن الكلاب في تاريخ السينما
- شاهد.. مهرجان فجر يُعيد اختراع السينما الإيرانية بدماء شبابي ...
- ثورات سينمائية.. 5 أفلام وثقت وحشية العبودية
- 4 دارسات وأمهاتهن.. يكشفن كيف تحول -الكحك وحلوى المولد- إلى ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - ما روته الظلال