أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - العراة - قصة قصيرة














المزيد.....

العراة - قصة قصيرة


منذر ابو حلتم
قاص وشاعر ، عضو رابطة الكتاب الاردنيين

()


الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 16:10
المحور: الادب والفن
    


حين خرج من بيته ذلك الصباح، كان يحمل يومه تحت إبطه كملفٍّ قديم، ويجرُّ خلفه ظلاً متعباً من الأمس. لم يكن يتوقع أكثر من شوارع مزدحمة، وإشارات مرور تتثاءب عند المفارق، ووجوه عابرة تذوب في ضباب الاعتياد.
لكن ما إن انعطف عند أول زاوية حتى تجمّد في مكانه.
كانت المدينة عارية.
الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، الموظفون الخارجون إلى أعمالهم، الباعة خلف عرباتهم، الطلاب عند محطات الحافلات... جميعهم يمشون عراة تماماً.
لا خجل. لا ارتباك. لا محاولة للتستر.
كانت الأجساد تتحرك في الشوارع كما تتحرك الأشجار في الغابات؛ طبيعية إلى حدٍّ يثير الرعب.
أغمض عينيه وفتحهما مرة أخرى.
لم يتغير شيء.
رأى امرأة تساوم بائع الخضار على ثمن الطماطم، ورجلين يتجادلان حول مباراة كرة قدم، وطفلاً يركض خلف حمامة في الساحة. كل شيء بدا عادياً بشكل مخيف، كأن العري ليس سوى تفصيل صغير لا يستحق الالتفات.
أما هو، فقد كان الوحيد الذي يرتدي ثيابه.
قميصه الأزرق بدا فجأة كراية حرب.
معطفه صار جداراً مرتفعاً وسط سهل مكشوف.
ربطة حذائه بدت كأنها خطيئة معقودة بإحكام.
بدأ الناس يلتفتون إليه.
في البداية كانت النظرات عابرة.
ثم صارت أطول.
ثم تحولت إلى سهام صامتة.
رأى الدهشة تتسع في العيون. رأى الشفاه تتمتم بشيء لا يسمعه. رأى الوجوه تتجهم كلما مرّ بقربها.
كان يشعر أن ملابسه تصدر ضجيجاً.
أن أزرار قميصه تقرع كأجراس إنذار.
أن القماش الذي يغطيه ليس قماشاً، بل اعتراف طويل ومحرج.
كل خطوة كان يخطوها تزيد من ثقله.
كان الناس يفسحون له الطريق كما يُفسَح الطريق لمريضٍ معدٍ.
امرأة ضمّت طفلها إلى صدرها عندما اقترب.
رجل هز رأسه بأسف.
شاب بصق على الأرض أمامه.
أما العيون فكانت أكثر قسوة من أي كلام.
عيون تقول: كيف يجرؤ؟
كيف يخفي نفسه؟
ما الذي يخشاه؟
ولأول مرة بدأ يشك في نفسه.
وضع يده على صدره.
شعر بالقماش.
فجأة بدا له كقشرة يابسة تغطي ثمرة متعفنة.
بدت الثياب كلها ثقيلة، قديمة، مثقلة بغبار أزمنة من الخوف.
واصل السير.
المدينة حوله كانت تمضي في إيقاعها المنتظم، بينما كان شيء ما يتصدع داخله.
عند إشارة المرور الأولى، فك الزر العلوي.
عند الساحة، خلع معطفه.
وعند النافورة الكبيرة، توقّف طويلاً.
كان الناس يمرون من حوله كتيار ماء لا ينتهي.
لم يعد يميز الوجوه.
كلها صارت وجهاً واحداً.
وجهاً هائلاً يمتد من أول الشارع إلى آخر الأفق.
شعر أنه متعب من المقاومة.
متعب من كونه الاستثناء.
متعب من حمل جلده فوق جلده.
فبدأ يخلع ما تبقى.
زرّاً بعد زرّ.
طبقة بعد طبقة.
ذكرى بعد ذكرى.
حتى سقطت آخر قطعة على الرصيف.
في تلك اللحظة فقط اختفت النظرات.
اختفى الاستنكار.
اختفت الدهشة.
وكأن المدينة أطلقت زفيراً عميقاً بعد انتظار طويل.
تابع سيره بينهم.
لا أحد يحدق به الآن.
لا أحد يراه.
ذاب في الزحام كما تذوب قطرة حبر في نهر أسود.
ومع كل خطوة كان يشعر بخفة غريبة، كأنه تخلّص من عبء هائل.
لكنه، في مكان بعيد داخل روحه، سمع صوتاً خافتاً يشبه تمزق ورقة قديمة.
التفت خلفه.
كانت ملابسه ملقاة على الرصيف.
وحيدة.
صغيرة.
فارغة.
تتلاعب بها الريح كأنها تلوّح له للمرة الأخيرة.
أراد أن يعود إليها.
أن يلتقطها.
أن يسألها إن كان قد خلع القماش فقط...
أم خلع شيئاً آخر لا يمكن ارتداؤه من جديد.
لكن الزحام كان قد ابتلعه.
ومضى.



#منذر_ابو_حلتم (هاشتاغ)       #          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجنوب ليس اتجاها
- قبل اغلاق الباب - قصة قصيرة
- هرمجدون
- مزامير السقوط والقيامة
- بنت جبيل.. الجرح الذي يرى
- المسلخ .. قصص قصيرة جدا
- الق صخرتك وامض .. سيزيف
- الشرق الأوسط 2026: حين يختبر العالم حدود قوته
- المقهى العالمي أم المصيدة الرقمية؟ تشريح لظاهرة وسائل التواص ...
- سؤال الأرض
- وأزرع ثورتي فيكم
- صافرات الموت في ليل المرافئ
- عندما ينام البرق في الجبال
- شيء اسمه الشمس
- وعد الشرق
- جغرافيا -الديكور-: حينما يرحل السيد ويبقى الصراع على الفتات
- مقبرة الضوء
- طبول الحرب في الشرق الأوسط استراتيجية -الضغط الأقصى العسكري- ...
- على حافة الانفجار: مغامرة ترامب أم رهان طهران على الزمن؟
- ليل طويل .. وقصص اخرى


المزيد.....




- جينيفر أنيستون وليزا كودرو: نجوم السينما كانوا متوترين خلال ...
- أحمد عثمان: الفنان الذي أنقذ معبد أبو سنبل
- قصف إسرائيلي يُلحق -أكبر أذى- بموقع للتراث العالمي في صور
- كيف تغيرت أفلام الرعب لتصبح قادرة على إثارة اهتمام الجيل -زد ...
- المثقف العربي وصناعة التاريخ: قراءة في أدوار النخبة وسط التح ...
- الإخفاق العربي.. تشريح لمأزق الدولة القُطرية وأوهام الإصلاح ...
- -تسنيم-: لا يمكن للأميركيين التملص من وزر جرائم الكيان الصهي ...
- القاهرة وبكين تحتفيان باليوم العالمي لحوار الحضارات في دار ا ...
- الإخفاق العربي.. تشريح لمأزق الدولة القُطرية وأوهام الإصلاح ...
- أطلال نظام مائي مملوكي قرب قلعة القاهرة تكشف كيف تسلّق الماء ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر ابو حلتم - العراة - قصة قصيرة