حسن صالح الشنكالي
كاتب وباحث تربوي واجتماعي
(Hassan Saleh Murad)
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 18:13
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين يقترب الباحث الاجنبي من الديانة الإيزيدية يجد نفسه أمام مفارقة لافتة: دين عانى أتباعه قروناً بسبب معتقدات نُسبت إليهم، في الوقت الذي تتحدث فيه أقوالهم الدينية عن الله الواحد، وعن رحمته التي تشمل المخلوقات، وعن خضوع الكون كله لإرادته. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق البحث في أصل الاسم أو اختلاف المؤرخين حوله هو: كيف يعرّف الإيزيدي الله الذي يعبده؟
هذا السؤال يقودنا إلى جوهر العقيدة، بعيداً عن الصور التي رسمها الآخرون عنها.
أولاً: إيزيدي أم يزيدي... هل يغير الاسم حقيقة الدين؟
كثرت الآراء حول التسمية الحقيقية للديانة الإيزيدية، واختلف الباحثون في أصل كلمة «إيزيدي» أو «يزيدي»، حتى أصبحت التسمية عند بعضهم مدخلاً أساسياً لتفسير أصل الدين وتاريخه.
ومن وجهة نظري المتواضعة، فإن الاختلاف بين «إيزيدي» و«يزيدي» لا يغير شيئاً من جوهر العقيدة؛ لأن الدين لا تحدده طريقة كتابة اسمه بقدر ما تحدده عقيدته وأقواله وطقوسه وموروثه الديني.
ويربط الإيزيديون اسمهم في فهمهم الديني بمعانٍ متصلة بالله والقداسة، كما أن لفظ «يزدان» في اللغات الإيرانية يستعمل للدلالة على الله أو الإله، ويقترب في لهجتنا من لفظ «ئيزدان». كما تحمل بعض المفردات المتداولة في الموروث معاني الخلق والخالق، ومنها «خودا» التي تستعمل للدلالة على الله.
لكن حتى لو بقي أصل كلمة «إيزيدي» موضع اختلاف بين الباحثين، فإن ذلك لا يغير حقيقة العقيدة نفسها.
فالاختلاف في أسماء الأديان والجماعات الدينية أمر معروف بين اللغات. فنحن، مثلاً، نستعمل محلياً تسمية المسيحيين، بينما يستعمل آخرون كلمة Christian، وفي العربية يقال المسيحيون أو النصارى. واختلاف الأسماء لم يجعل المسيحية أدياناً مختلفة.
لذلك أرى أن السؤال الأهم ليس: بأي اسم سمّانا الآخرون؟ بل: بماذا نؤمن نحن؟
ثانياً: الله الواحد في قلب العقيدة الإيزيدية
التوحيد ليس فكرة هامشية في الديانة الإيزيدية، بل هو أساس تصورها للخالق والكون والإنسان.
فالله واحد، لا شريك له في الخلق والملك، وهو خالق الموجودات ومدبر الكون، ولا يستطيع مخلوق، إنساً كان أم جناً أم ملاكاً، أن يخرج عن إرادته ومشيئته.
ومن اقوال شيخادي (عليه السلام ):
ولو اجتمع الإنس والجن والملائكة على تحريك ذرة أو تسكينها خلافاً لإرادة الله، لما استطاعوا.
والله جل جلاله منزه عن الأشكال والأنداد والأمثال؛ لا تحده صورة ولا يشبهه مخلوق، وهو السميع البصير، المحيط بما كان وما يكون.
وتعبر الأقوال الإيزيدية عن عظمة الله وإحاطة علمه بالكون تعبيراً بالغ الدلالة:
سلطان ئيزي هزار وئيك ناڤا
سلطان إيزي له ألف واسم واسم
اڤ دنيا ل با وي سعت وكاڤا
هذه الدنيا عنده محفوظة في كل لحظة وساعة
او زاني ل بحرا جند كشكول اڤا
يعلم ما في البحار وما تحويه من مياه ومخلوقات
او بستا جند كهڤر ل ناڤا
ويعلم ما في الأودية من الصخور والحصى
وي حهوا كرا بوك وئادم كرا زاڤا
هو الذي جعل حواء عروساً وآدم عريساً
إن الحديث عن «ألف واسم واسم» لا يعني تعدد الآلهة، وإنما يدل على عظمة الله وتعدد أسمائه وصفاته، بينما الذات الإلهية واحدة.
وهنا تظهر إحدى أهم الحقائق التي ينبغي الانطلاق منها عند دراسة الإيزيدية: تعدد الأسماء لا يعني تعدد الخالق، وتعظيم الملائكة لا يعني عبادتهم.
ثالثاً: طاووس ملك... مكانته في العقيدة الإيزيدية
لعل أكثر ما تعرضت له الديانة الإيزيدية من سوء فهم ارتبط بمكانة طاووس ملك عليه السلام، إذ نسبت إليه عبر التاريخ تصورات لا تتفق مع ما تقوله النصوص الدينية الإيزيدية عنه ولا مع فهم الإيزيديين لمكانته.
فطاووس ملك في العقيدة الإيزيدية ليس إلهاً مستقلاً عن الله، ولا نداً له، ولا قوة تنازعه سلطان الكون، وإنما ترتبط مكانته بسر إلهي ووظيفة ملائكية عليا ضمن النظام الذي أراده الله للكون.
وتقدم إحدى القصائد الدينية المنسوبة إلى طاووس ملك تعريفاً بالغ الدلالة لمكانته، إذ يقول:
غايب كني
أنا سميت بسبع أسوم
مكتوب على درة عين البيضاء
باسم حي القيوم
ويفهم من هذا النص، وفق الموروث الإيزيدي، أن لطاووس ملك سبعة أسماء متصلة بالملائكة السبعة المقربين، وأن سره حاضر فيهم جميعاً، فلا يكون المقصود أنه ملاك واحد محدود بينهم، بل إن له سراً ومقاماً يتجلى في السبعة.
ومن اللافت أن أسماء عدد من الملائكة المقربين تنتهي بلفظ «ئيل»، وهو لفظ ذو دلالة على الله في اللغات السامية القديمة، كما نجده في أسماء مثل جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وهذا يعزز معنى أن الملائكة ليست آلهة مستقلة، وإنما موجودات مرتبطة بالله، تستمد مقامها ووظيفتها منه.
أما قوله:
مكتوب على درة عين البيضاء
فيحمل في الموروث الإيزيدي معنى رمزياً عميقاً. فـ«عين البيضاء» يمكن فهمها على أنها عين النور أو قرص الشمس الذي ينبعث منه الضوء الأبيض. ولا يعني ذلك عبادة الشمس، بل إن الشمس في هذا التصور مظهر من مظاهر نور الخالق وعظمته، مثلما تكون المخلوقات والكون كله آيات دالة عليه.
ثم تأتي العبارة الأهم:
باسم حي القيوم
وهنا تبلغ دلالة التوحيد ذروتها؛ لأن «الحي القيوم» من أسماء الله وصفاته، أي الحي الذي لا يموت، القائم بذاته والمقيم لغيره.
وعليه، فإن اقتران اسم طاووس ملك بـ«الحي القيوم» لا يعني اتحاده بالله من حيث الذات، وإنما يدل، في الفهم الإيزيدي، على أن سره ومقامه لا ينفصلان عن إرادة الله وأمره، وأن وجوده ووظيفته مستمدان من الخالق.
وبذلك يمكن فهم العلاقة بين الله وطاووس ملك على أنها علاقة خالق بمظهر من مظاهر أمره وسره، لا علاقة إلهين مستقلين.
فالقول بأن اسم طاووس ملك حاضر في الملائكة السبعة، وأن اسمه مكتوب على «درة عين البيضاء» باسم «الحي القيوم»، يؤكد أن مركز العقيدة هو الله الواحد، وأن الملائكة جميعاً، مهما علت مراتبهم، لا يستقلون عنه بإرادة أو سلطان.
ومن هنا فإن اختزال طاووس ملك في صورة «ملاك شر» أو مساواته بمفهوم ش في ديانات أخرى يمثل قراءة بعيدة عن الموروث الإيزيدي نفسه.
فالعقيدة الإيزيدية لا تقوم على صراع بين إله خير وإله شر، ولا على وجود قوة أزلية تنازع الله سلطانه، وإنما على أن الله واحد، والملك ملكه، والنور نوره، والملائكة بأمره، وطاووس ملك صاحب مقام وسر عظيم ضمن مشيئته.
وهذا ما يجعل فهم طاووس ملك من داخل الأقوال والقصائد الإيزيدية ضرورياً قبل إطلاق الأحكام عليه؛ لأن الاسم والمقام والرمز لا يمكن فصلها عن السياق الذي وردت فيه.
فالحديث عن «السبعة» لا يعني تعدد الآلهة، والحديث عن «عين البيضاء» لا يعني عبادة الشمس، والحديث عن «الحي القيوم» لا يجعل طاووس ملك إلهاً آخر، وإنما يعيد جميع هذه الرموز إلى أصل واحد هو الله الواحد الذي منه النور، وبه يقوم الوجود، وتحت إرادته تعمل الملائكة جميعاً.
رابعاً: إذا كان الله خيراً فمن أين يأتي الشر؟
هذا السؤال من أهم الأسئلة التي تكشف فلسفة الدين الإيزيدي في فهم الإنسان.
فالله هو مصدر الرحمة والخير، وليس الشر إلهاً مستقلاً، ولا توجد قوة أزلية شريرة تقف في مواجهة الله.
لقد ميز الله الإنسان بالعقل والإدراك، ومنحه القدرة على معرفة الخير والشر وتحمل مسؤولية اختياراته.
فالإنسان يستطيع أن يرحم، ويستطيع أن يظلم؛ يستطيع أن ينقذ حياة إنسان، ويستطيع أن يقتل؛ يستطيع أن يبني، ويستطيع أن يهدم.
ولهذا كانت الدنيا امتحاناً للإنسان.
فإذا نسب الإنسان كل شر يرتكبه إلى قوة خارجة عنه، فما معنى المسؤولية والحساب والثواب والعقاب؟
إن وجود العقل والإرادة هو الذي يجعل الإنسان مسؤولاً عن عمله، ومن هنا يرتبط الخير والشر بسلوك الإنسان واختياره، ويصبح الحساب نتيجة طبيعية لمسؤوليته.
خامساً: الله ليس رب الإيزيديين وحدهم
تظهر عالمية الرحمة الإلهية بصورة جميلة في الأقوال الدينية الإيزيدية، ومنها «قول پدشاي»، أي «قول الرب»:
پدشاي من ئيكي أمينا
ربي واحد أمين
ژ با وي تي مزگينا
منه تأتي البشرى
بو هموا موخلقا وچهندي دينا
لكل المخلوقات وكل الأديان
ثم يقول:
پدشاي من ئيكي أكبرَا
ربي واحد أكبر
كينا كهسي نا ل برا
لا يكره أحداً
هرو هرو رحما ل بر
وفي كل يوم تأتي منه الرحمة
إن عبارة:
لكل المخلوقات وكل الأديان
تستحق الوقوف عندها طويلاً؛ لأنها تقدم تصوراً لله لا تحصره جماعة دينية في نفسها، وإنما تجعله رباً لجميع خلقه.
ويزداد معنى التوحيد وضوحاً في القول:
ياربي ته نه دايا ونه بابا ونه تفالا
يا ربي، ليس لك والد ولا والدة ولا ولد
همو تشت بيي تا ي بتالا
كل شيء من دونك إلى فناء
فالله أزلي، لا والد له ولا والدة ولا ولد، والمخلوقات كلها محتاجة إليه، بينما هو سبحانه غني عن العالمين.
وهنا نصل إلى جوهر التوحيد الإيزيدي: الله واحد، أزلي، خالق، لا يشبه المخلوقات، ولا يحتاج إلى أحد، بينما يحتاج إليه الجميع.
سادساً: إبراهيم الخليل في الذاكرة الدينية الإيزيدية
لم يكن الأنبياء بعيدين عن الموروث الديني الإيزيدي. فأسماء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم حاضرة في الأقوال والروايات الدينية، ويحظون بالاحترام بوصفهم أصحاب رسالات وهداية للبشر.
ويحتل إبراهيم الخليل عليه السلام مكانة خاصة، ويأتي ذكره صراحة في القول المجيد المعروف بـ«قول إبراهيم الخليل»:
إبراهيم خليل ژ نقتا سادقا
إبراهيم الخليل من النقطة الصادقة الأمينة
ب سي حرفا بو مولتقا
امتحن بثلاثة اختبارات
لو ل سهر خورا ناسكر خوديكي خوي ب حقا
ومن خلالها عرف ربه الحق
خوديكي خوي ب حق ناسكر
عرف ربه الحق
ل گل حازر ونمرود وسنما بحسكر
وجادل في موقفه من نمرود والأصنام
لو گياني خو ژ كفريي خلاسكر
فحرر روحه من الكفر
والرسالة التي يحملها القول واضحة: معرفة الله الواحد ورفض عبادة الأصنام وما يصنعه الإنسان بيده.
وما زال الإيزيديون يحتفلون بعيد القربان المعروف باسم (عيدا قورباني)، وتذبح فيه القرابين، كما يمارسون ختان أبنائهم، وهي ممارسات ترتبط في الموروث الديني بسنة إبراهيم الخليل عليه السلام.
وهذا الحضور لا ينبغي المرور عليه سريعاً عند دراسة تاريخ العقيدة الإيزيدية؛ لأنه يدل على عمق حضور الأنبياء وقصصهم في الذاكرة الدينية.
سابعاً: مصحف روژ والجلوة... ما الذي بقي وما الذي فُقد؟
من القضايا التي تحتاج إلى تصحيح عند الحديث عن التراث الإيزيدي قضية الكتب الدينية.
فبحسب الموروث الديني الإيزيدي، كان مصحف روژ من الكتب الدينية القديمة، و«روژ» تعني الشمس، وقد فُقد الأصل خلال الفرمانات وحملات الاضطهاد التي تعرض لها الإيزيديون.
وكان استهداف التراث الديني جزءاً من المأساة؛ إذ لم تكن الحملات موجهة إلى الإنسان وحده، وإنما أصابت أيضاً أماكن العبادة والمقدسات وما كان محفوظاً من المعرفة الدينية.
أما كتاب الجلوة، فلا يصح القول إنه فُقد بالطريقة نفسها؛ إذ إن الكتاب موجود ومحفوظ لدى أسباط الشيخ حسن بن الشيخ عدي عليهما السلام.
وهذه نقطة ينبغي إثباتها عند الحديث عن الكتب الإيزيدية، لأن الخلط بين مصير مصحف روژ ومصير الجلوة يؤدي إلى نتيجة غير دقيقة.
كما يحتل الشيخ حسن بن الشيخ عدي أبو البركات عليه السلام مكانة بالغة الأهمية في تاريخ المعرفة الدينية الإيزيدية، وترتبط به عملية حفظ وترجمة وتدوين جانب مهم من الموروث الديني.
لكن مأساة الفرمانات المتعاقبة جعلت الحفظ الشفوي ضرورة وجودية عند الإيزيديين، وليس مجرد أسلوب لنقل الأدعية.
فعندما يكون المجتمع معرضاً للقتل والتهجير وحرق مقدساته، يصبح صدر الإنسان نفسه مكتبة.
وهكذا حفظ رجال الدين والحفظة الأقوال والأدعية والسبقات والقصص الدينية عن ظهر قلب، وانتقلت من السلف إلى الخلف جيلاً بعد جيل. ولولا هذه السلسلة البشرية من الحفظ، لضاع جانب واسع من التراث الإيزيدي.
ثامناً: هل الكتاب شرط لكي يكون الدين من عند الله؟
كثيراً ما يقاس الدين بوجود كتاب مطبوع أو مخطوط بين أيدي أتباعه، وهذا قياس يحتاج إلى مراجعة.
فالكتاب لا ينزل من السماء مطبوعاً ومجلداً بالشكل الذي نعرفه اليوم، وإنما تبدأ الرسالة بالكلمة والوحي والتعليم، ثم يأتي التدوين والحفظ والنقل.
ولذلك فإن فقدان مجتمع لكتابه بسبب الحروب والاضطهاد لا يعني فقدان دينه، مثلما أن حرق مكتبة لا يمحو المعرفة من ذاكرة أصحابها.
ومن هنا ينبغي دراسة الدين الإيزيدي من مجموع مصادره: الأقوال المقدسة، والأدعية، والطقوس، والأعياد، والتقاليد الدينية، والرواية الشفوية، وما بقي من النصوص والمخطوطات، فضلاً عن التاريخ الاجتماعي والديني لأتباعه.
فالموروث الشفوي ليس دليلاً على غياب العقيدة، بل كان في الحالة الإيزيدية إحدى أهم وسائل بقائها.
تاسعاً: الإنسان لا يدخل الجنة باسمه
من المعاني التي أؤمن أنها شديدة الأهمية في فلسفة الدين الإيزيدي أن هوية الإنسان الدينية وحدها لا تعفيه من المسؤولية الأخلاقية.
فلا يكفي أن يقول الإنسان: أنا إيزيدي أو مسلم أو مسيحي أو من أي دين آخر، ثم يظلم الناس ويتوقع أن يكون اسمه الديني طريقاً تلقائياً إلى النجاة. القيمة الحقيقية للإنسان تظهر في عمله وتقواه وعدله ورحمته.
ولهذا فإن اختلاف الناس في الأديان لا يمنح جماعة حق احتكار رحمة الله أو الحكم على مصائر الآخرين.
فالرسل والأنبياء عليهم السلام جاءوا لهداية البشر وإصلاحهم، وليس لتحويل البشر إلى جماعات تتقاتل باسمهم.
ونحن نحترم رسل الله وأنبياءه، ولا ينبغي أن يكون اختلاف الأديان مبرراً لإهانة مقدسات الآخرين أو الانتقاص من كرامتهم.
فإذا كان الله رب العالمين – ولاشك في ذلك- ، فمن غير المنطقي أن يجعل الإنسان نفسه وكيلاً عنه في توزيع رحمته على من يشاء ومنعها عمن يشاء.
عاشراً: حين يصبح سوء فهم الدين سبباً للقتل
لم يكن تشويه العقيدة الإيزيدية مجرد خطأ في كتاب تاريخي، بل كانت له، في مراحل مختلفة، نتائج مأساوية على حياة البشر.
فعندما يوصف مجتمع كامل بأنه خارج عن الإيمان أو تنسب إليه عبادة الشر، قد تتحول الكلمة إلى فتوى، والفتوى إلى تحريض، والتحريض إلى قتل وسبي وتهجير. - كما فعل د11عش ذلك كله -.
والإيزيديون يعرفون معنى ذلك جيداً؛ فقد دفعوا عبر الفرمانات ثمناً باهظاً لأحكام لم يضعوها هم عن أنفسهم.
ولهذا فإن تصحيح صورة الديانة الإيزيدية ليس مسألة دفاع عاطفي عنها، وإنما مسؤولية معرفية وأخلاقية.
ومن حق الإيزيدي، كما هو حق أتباع أي دين، أن يعرَّف بعقيدته من خلال ما يؤمن به فعلاً، لا من خلال ما ينسبه خصومه إليه.
حادي عشر: التوحيد طريق إلى التعايش
إذا كان الله واحداً وخالق البشر جميعاً، فإن اختلاف البشر لا ينبغي أن يكون مبرراً للكراهية.
والقرآن الكريم يقدم معنى إنسانياً قريباً من ذلك في قوله تعالى:
﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾
الحجرات: 13
فالاختلاف بين الشعوب والقبائل ليس دعوة إلى التناحر، وإنما إلى التعارف، والتفاضل لا يقوم على الاسم والنسب، وإنما على التقوى.
وهذا المعنى يتقاطع مع ما نجده في القول الإيزيدي:
پدشاي من ئيكي أمينا
ربي واحد أمين.
بو هموا موخلقا وچهندي دينا
لكل المخلوقات وكل الأديان.
إن الإنسان الذي يؤمن بأن الله خالق الجميع لا يستطيع أن يحتقر إنساناً لمجرد أن طريقته في العبادة مختلفة عنه.
ومن هنا فإن التوحيد ليس قضية لاهوتية فحسب، بل يحمل نتيجة أخلاقية مهمة: إذا كان الخالق واحداً، فلا يجوز أن يتحول اختلاف خلقه إلى مبرر للقتل والكراهية.
من نحن إذن؟
بعد كل الجدل الذي دار حول اسم الإيزيديين وأصلهم، وحول طاووس ملك وكتبهم ومعتقداتهم، ربما يكون الجواب الأبسط موجوداً في أقوالهم نفسها.
نحن أمام عقيدة تقول:
وتقول عن الله:
ياربي ته نه دايا ونه بابا ونه تفالا
يا ربي، ليس لك والد ولا والدة ولا ولد.
فماذا يبقى بعد ذلك من معنى لاتهام الإيزيدي بأنه يعبد غير الله؟
إن الإيزيدية، كما أفهمها وأؤمن بها، تبدأ من الله وتنتهي إليه: الله الواحد، خالق الكون، رب البشر جميعاً، الذي لا شريك له في ملكه، ولا مخلوق يخرج عن إرادته.
أما الملائكة فهم ملائكته، والأنبياء رسله وهداة البشر، والإنسان مسؤول عن أعماله، والخير والشر امتحان لأخلاقه وإرادته.
ولذلك فإن القضية ليست في أن ننتصر لتسمية «إيزيدي» على «يزيدي»، ولا أن ندخل في صراع مع أتباع دين آخر لإثبات ديننا.
القضية أعمق من ذلك بكثير.
إنها أن نقول للآخر: اقرأ ما نقوله عن أنفسنا قبل أن تصدق ما قيل عنا.
لقد دفعت الإيزيدية ثمناً باهظاً حين كتب الآخرون تعريفها نيابة عنها، وحين تحولت التهمة الدينية إلى مبرر للفرمانات والقتل والتهجير.
واليوم، فإن أفضل إنصاف لهذه الديانة ليس بالمبالغة في وصفها، ولا بعزلها عن محيطها، وإنما بإظهار حقيقتها كما حفظها أهلها في أقوالهم وموروثهم:
الله واحد، والخلق خلقه، والرحمة رحمته، والإنسان يُعرف بعمله وتقواه، لا بالاسم الذي يحمله.
##حسن_صالح_الشنكالي (هاشتاغ)
Hassan_Saleh_Murad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟