أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس حامد عبد الكريم - فلسفة الدولة الحديثة: التحول من البحث عن الحاكم الفاضل إلى المؤسسة الحاكمة















المزيد.....

فلسفة الدولة الحديثة: التحول من البحث عن الحاكم الفاضل إلى المؤسسة الحاكمة


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 09:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة: "قراءة في إشكالية السلطة والمشروعية":
كلما استقال وزيرٌ في إحدى الديمقراطيات العريقة بسبب تصريحٍ مضلل، أو معلومةٍ أخفاها، أو مخالفةٍ إدارية تبدو بسيطة في نظر كثيرين من أبناء الدول التي تُدار بالطغيان أو تكون الديمقراطية فيها شكليةً أكثر منها موضوعية، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة:
لماذا يستقيل هؤلاء لأسبابٍ نعدّها نحن "تافهة"، بينما يتمسك مسؤولون في بلداننا بمناصبهم رغم تورطهم بجرائم الفساد الجسيم، أو إساءة استعمال السلطة، أو الإخفاق الإداري الكارثي؟
غالباً ما تأتي الإجابة في صورة مقارنة أخلاقية شائعة؛ فيُقال إن السياسي الغربي يمتلك ضميراً حياً، وتربية سياسية راقية، وإحساساً بالمسؤولية لا يتوافر لدى غيره ......
غير أن هذا التفسير، على بساطته ورواجه، لا يصمد أمام التحليل العلمي الموضوعي؛ فالسياسي، في جوهره، كائنٌ تحركه دوافع الطموح، والرغبة في النجاح، والمحافظة على النفوذ وهي دوافع إنسانية عابرة للجغرافيا والثقافات.
الجذور التاريخية: رهان "الحاكم الفاضل" عند أفلاطون
تضرب فكرة البحث عن "المسؤول الفاضل" بجذورها العميقة في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، وتحديداً لدى أفلاطون الذي رهن العدالة والاستقرار في كتابه الجمهورية بشخصية "الملك الفيلسوف".
حيث تمحورت الرؤية الأفلاطونية حول صياغة الفرد الفاضل وتأهيله أخلاقياً وفكرياً للقيادة، معتقداً أن الفضيلة الذاتية للحاكم تغني عن صرامة القوانين.
غير أن هذا الرهان التاريخي على ضمير الفرد وأخلاقه أثبت هشاشته عبر التاريخ، مما دفع الفكر السياسي الحديث للتحول جذرياً من"الارتهان لضمير الحاكم" إلى "تأسيس السلطة"، مستبدلاً البحث عن الحاكم الفاضل ببناء المؤسسة المعيارية.

طبيعة الدولة: من "الحاكم الفاضل" إلى "المؤسسة الحاكمة"
إن الفارق الحقيقي لا يكمن في طبيعة الإنسان، بل في طبيعة الدولة؛ فمنذ مطلع العصر الحديث، نبه مكيافيلي إلى أن السياسة لا تُبنى على تصور مثالي للطبيعة البشرية، بل على فهم الإنسان كما هو، بما يحمله من طموح ورغبة في القوة وخوف من فقدانها.
وللأسف فوقد أسيء فهم هذه الفكرة زمناً طويلاً بوصفها دعوة إلى تبرير القسوة أو الخداع، فتمسك الطغاة بهذا الفهم القاصر، بينما تكمن أهميتها الحقيقية في أنها دفعت الفكر السياسي إلى إعادة صياغة السؤال الأساسي:
إذا كان الإنسان يسعى بطبعه لتعظيم مصالحه، فكيف نبني نظاماً يمنعه من إساءة استخدام السلطة؟
من هنا لم يعد السؤال: كيف نصنع حاكماً فاضلاً؟
بل أصبح: كيف نبني مؤسسات تجعل حتى الحاكم غير الفاضل مضطراً إلى احترام الحقيقة والقانون؟
أولاً: التحول الدستوري وتفكيك احتكار السلطة
لم تُبن الديمقراطيات الحديثة على افتراض وجود مسؤولين معصومين، بل على واقعية تؤكد أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
عقلانية الفكر الدستوري:
أدرك مونتسكيو أن المشكلة تكمن في تركيز السلطة، فصاغ مبدأه الشهير: "السلطة توقف السلطة".
فالصدق السياسي ليس وليد وعظ أخلاقي، بل هو نتيجة توازن ومراقبة متبادلة بين مراكز القوة؛ فلا ينفرد أحد بالحقيقة أو القرار أو المحاسبة.

نظرية الاختيار العام (السياسة بلا رومانسية): أحدث جيمس بوكانان، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1986 عن مقاربته الشهيرة (السياسة بلا رومانسية)، تحولاً فارقاً عندما دعا إلى إسقاط الفرضيات الاقتصادية على السلوك السياسي؛ فرفض النظرة المثالية للمسؤولين بصفتهم زُهّاداً يسعون بشكل مجرد لتحقيق المصلحة العامة، وأكد أنهم، كسائر الفاعلين الاقتصاديين، يتأثرون بالحوافز ويسعون لتثبيت منافعهم الذاتية.
فالسياسي ليس "ملاكاً إدارياً" يعمل بمعزل عن مصلحته، وإنما هو كائنٌ يحكمه منطق التكلفة والمكسب؛ ومن ثمّ فإن النظام المؤسسي الناجح ليس هو الذي يراهن على النوايا الحسنة للفاعل السياسي، بل الذي يُصمم الحوافز والموانع بحيث تتطابق مصلحة المسؤول الشخصية تلقائياً مع المصلحة العامة.
ثانياً: المؤسسات أهم من الأشخاص
تُثبت أدبيات الاقتصاد المؤسسي، وعلى رأسها أطروحات المفكر دوغلاس نورث، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1993 في كتابه المرجعي "المؤسسات، التغيير المؤسسي والأداء الاقتصادي" أن تباين تقدم الأمم لا يرجع إلى اختلاف جينات الشعوب أو طبيعتها الأخلاقية، بل إلى اختلاف المؤسسات.
فالمؤسسات ليست مجرد مبان حكومية أو هياكل إدارية جامدة، وإنما هي منظومة متكاملة من القواعد الرسمية وغير الرسمية التي تُحدّد "قواعد اللعبة" وتضبط السلوك البشري مُبيّنةً ما هو السلوك المَجزي وما هو السلوك المُكلف.
وهي بذلك تشكّل كياناً مادياً ومعنوياً، يتأسس بالقانون، وينمو وينضج بالقرارات الإدارية الكفؤة والتقاليد والأعراف الإدارية الراسخة.
ثالثاً: قواعد اللعبة المؤسسية والصدق السياسي
هندسة الحوافز: تُحدّد القواعد المؤسسية السلوك البشري؛ فحين تجعل القواعد الكذب سبباً لفقدان المنصب، يتحول الصدق من "فضيلة أخلاقية" إلى "قرار عقلاني". أمّا إذا كافأت القواعدُ التضليلَ، أصبح الكذب استثماراً سياسياً مربحاً.

كيف تصنع الديمقراطيات الصدق السياسي؟
مأزق التغطية:
القاعدةالذهبية في السياسة الحديثة هي: "الخطأ قد يُضعفك، لكن الكذب للتغطية عليه هو ما يدفنك".
أخلاق المسؤولية لا أخلاق النوايا:
يُفرق عالم الاجتماع ماكس فيبر بين "أخلاق القناعة" (التي تُقيّم الفعل بنيّته) و"أخلاق المسؤولية" (التي تُقيّم الفعل بنتائجه وآثاره).
فالإدارة الحديثة والدولة المؤسسية لا تُعنيها النوايا الحسنة للمسؤول، وإنما تُحاسبه على المخرجات والنتائج الفعلية لأعماله ومدى صيانة الثقة العامة.

رابعاً: ثقافة الاستقالة: من "دليلً ضعف" إلى "سلوك مؤسسي"
الاستقالة ليست عقوبة شخصية بقدر ما هي عملية وقائية تُفصل فيها أخطاء الفرد عن شرعية المؤسسة؛ فحين يستقيل المسؤول فور حدوث خلل أو تقصير في قطاعه، فهو يُرسل رسالة للجمهور مفادها أن المعيار الإداري أعلى من الأشخاص، وأن المؤسسة لا تتستر على الفشل.
كما ان الاستقالة المبكرة تُنقذ السمعة السياسية للمسؤول وتتيح له فرصة العودة مستقبلاً، في حين أن التمسك بالمنصب يتحول إلى أزمة نزاهة تُدمّر مستقبله السياسي وتستنزف رصيد الحزب أو الحكومة الانتخابي.

الخلاصة والدلالة العملية:
تتجسد الفلسفة الحقيقية للدولة الحديثة في تحولها المفصلي من الرهان التاريخي على "الحاكم الفاضل" إلى التأسيس الراسخ لـ "المؤسسة الحاكمة"؛
فالديمقراطية في جوهرها ليست "مصنعاً للملائكة"، وإنما هي نظامٌ مؤسسي واقعي يُدير الطبيعة البشرية بنقائصها وطموحاتها.
إن هذا التحول يعني الانتقال من أخلاق الذوات إلى هندسة القواعد؛ حيث تُصمَّم البيئة المؤسسية بحيث لا تسمح بتمرير التضليل، بل تجعل كلفة الكذب والتغطية على الإخفاق أشدَّ بكثير من كلفة الاعتراف بالخطأ نفسه.
ومن ثمّ، فإن جوهر الإصلاح السياسي والإداري لا يكمن في البحث عن مسؤولين مثاليين، بل في بناء مؤسسات حوكمة محكمة تستند إلى استقلال القضاء، والشفافية الرقمية، وحرية الوصول للمعلومات ليصبح الالتزام بالقانون والنزاهة، تلقائياً، الخيار الأكثر أماناً وربحاً للفاعل السياسي..
2026/8/4
---------
*النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية.



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التأصيل القانوني للرقابة السابقة على العقود الحكومية
- فيلسوف القانون الجنائي بيكاريا: -الاب الروحي للقانون الجنائي ...
- المحاكمة العلنية للفاسدين ..… ضمانة للعدالة ورسالة ردع عامة
- على فكرة!
- نظرية الدرج (صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد)
- مبدأ التناسب في القانون: أداة لتحقيق العدالة والتوازن بين ال ...
- نظرية الدرج: صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد
- مقترح لإعادة هيكلة القطاع الصحي في العراق في ضوء التجارب الم ...
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل مكافحة الفساد: من الرقابة التقليدية ...
- هل كان النعش فارغاً أم ممتلئاً؟-
- عندما يتحول الاختلاف إلى جريمة: حرية التعبير كضرورة حضارية
- الأثر التدميري المزدوج لإكتناز الاموال الناتجة عن الفساد
- المبادئ العامة لمكافحة الفساد -رؤية في فلسفة مكافحة الفساد-
- فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام
- خطبة في خطر الفساد - بمناسبة الحملة الوطنية لمكافحة الفساد
- الفرق بين شارح القانون والفقيه القانوني (نظرة في الفرق بين ا ...
- انتصار النزاهة ودحر الفساد
- الإدارات العامة والحوض المرصود: من يملأ الحوض ومن ينسب إليه ...
- الأمانة المادية والأمانة المعنوية -نظرة أخلاقية وشرعية وقانو ...
- مشكول الذمة


المزيد.....




- البرادعي يعدد 4 أمور تجعل الوضع بالشرق الأوسط -ينتقل من السي ...
- ابنة صدام حسين تنشر فيديو لوالدها وحشود من العراقيين بذكرى 8 ...
- DW تتحقق: كيف أسهمت الشائعات والمعلومات المضللة في أزمة سبتة ...
- القطط.. كائنات صغيرة بأسرار كبيرة
- المبعوث الأممي يحذر من عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق
- الولايات المتحدة.. نجاة 8 أطفال من اقتحام سيارة سيدة مسنة لف ...
- -نيويورك تايمز-: واشنطن تبحث عن زعيم براغماتي بين المسؤولين ...
- الدفاع الروسية: إصابة مصنع ومستودع عسكريين في كييف وسفينتين ...
- الخارجية الفنلندية تبقي التعليمات لمواطنيها الراغبين بالقتال ...
- مباشر: توقعات بانفراج وشيك لأزمة مضيق هرمز وسط مساع دبلوماسي ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس حامد عبد الكريم - فلسفة الدولة الحديثة: التحول من البحث عن الحاكم الفاضل إلى المؤسسة الحاكمة