أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تسارعت الحضارة وتأخر الإنسان✋…














المزيد.....

حين تسارعت الحضارة وتأخر الإنسان✋…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 17:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مروان صباح / في كل مرة تحقق فيها البشرية انتصاراً جديداً على الطبيعة ، تعتقد أنها اقتربت خطوة أخرى من الطمأنينة ، فمن النار إلى الآلة البخارية ، ومن الكهرباء إلى الإنترنت ، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي ، كان الهدف المعلن واحدًا : تخفيف أعباء الإنسان وتحريره من مشقة الحياة ، واليوم ، لم يعد الكاتب بحاجة إلى مدقق لغوي ، ولا الباحث إلى مساعد يجمع له المصادر ، ولا الموظف إلى ساعات طويلة لإنجاز ما كان يستغرق أياماً ، فقد أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي ، أو ما يسميه بعض الفلاسفة بـ”البراعة الاصطناعية”، تؤدي كثيراً من المهام بسرعة ودقة واتساع لم يكن من الممكن تخيله قبل سنوات قليلة ، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بما تستطيع التكنولوجيا إنجازه ، بل بما لم تستطع إنجازه حتى الآن : لماذا لم ينخفض قلق الإنسان كلما ازدادت رفاهيته؟ ولماذا يبدو الإنسان المعاصر أكثر توتراً ، رغم أنه يعيش في أكثر العصور وفرةً في المعرفة والوسائل؟

في أصل تكوينه ، لم يُخلق القلق ليكون عبئاً دائماً ، بل وظيفة بيولوجية تحفظ البقاء ، فعندما يواجه الإنسان خطراً ، تستنفر منظومته الدفاعية ، فيرتفع مستوى التأهب ، ثم تعود النفس إلى توازنها بزوال التهديد ، هكذا تشكل العقل البشري عبر آلاف السنين ، إلا أن ما تغير لم يكن الإنسان ، بل العالم الذي يعيش فيه ، فالحداثة ، بما حملته من فردانية ، وتراجع لدور الأسرة ، وهيمنة السوق ، وتسارع التكنولوجيا ، جعلت الخطر حالة مستمرة لا حادثة عابرة ، لم يعد الإنسان يخشى مفترساً في الغابة ، بل أصبح يطارده خوف أكثر تعقيداً : فقدان الوظيفة ، وتقلب الأسواق ، وتغير المهن ، وتآكل العلاقات ، وسيولة الهويات ، وسباق لا يتوقف مع الزمن ، وهكذا لم تعد المنظومة الدفاعية تستجيب لخطر مؤقت ، بل أصبحت تعمل داخل بيئة كاملة تُنتج القلق بصورة يومية ، فتحول القلق من استجابة بيولوجية إلى بنية اجتماعية وثقافية تكاد تكون السمة الأكثر حضوراً في الحياة الحديثة ، وليس من قبيل المصادفة أن يشعر كثير من أبناء هذا العصر بأنهم يعيشون حالة هروب دائم ؛ هروب من الالتزام ، ومن العلاقات الطويلة ، ومن المسؤوليات الممتدة ، وحتى من ذواتهم ، فكلما ازدادت سرعة العالم ، تقلصت قدرة الإنسان على بناء يقين يستقر عليه ، ولم يعد الزمن يسمح بتكوين عادات راسخة أو روابط مستقرة ، لأن كل شيء قابل للتبدل في أي لحظة ، فإن أخطر ما أنتجته الحداثة ليس الذكاء الاصطناعي ، بل تحويل المنظومة الدفاعية للإنسان من استجابة مؤقتة للخطر إلى حالة استنفار دائم بفعل عالم لا يعرف الثبات .

ولعل هذا ما يمنح رواية الغثيان للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر حضورها المتجدد ، فالغثيان عند سارتر لم يكن مرضاً نفسياً ولا اضطراباً عضوياً ، بل لحظة انكشاف شعر فيها الإنسان بأن العالم فقد ألفته ، وأن الأشياء لم تعد تمنحه المعنى الذي اعتاد أن يراه فيها ، غير أن ما كان عند سارتر تجربة وجودية يعيشها فرد ، يبدو اليوم وكأنه أصبح تجربة حضارية يعيشها مجتمع بأكمله ، فالإنسان المعاصر لا يواجه عبث الوجود فحسب ، بل يواجه أيضاً حضارة تتحرك بسرعة تتجاوز قدرته البيولوجية والثقافية على التكيف معها ، حتى غدا الإحساس بعدم اليقين جزءاً من الحياة اليومية ، ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البيئة السياسية والاقتصادية التىّ أنتجتها ، فقد أسهمت العلمانية الحديثة في تحرير العقل من كثير من القيود ، وأطلقت ، بالتحالف مع الرأسمالية ، واحدة من أعظم الثورات العلمية والتقنية في التاريخ ، إلا أن النجاح في بناء القوة المادية لا يعني بالضرورة النجاح في بناء منظومة أخلاقية واجتماعية قادرة على حماية الإنسان من الاغتراب ، فالقوانين تنظم الحقوق والواجبات ، لكنها لا تصنع الانتماء ، والأسواق تنتج الثروة ، لكنها لا توزع الطمأنينة ، ولعل ايضاً المفارقة الأكثر وضوحاً أن العالم الذي ينتج آلاف المليارديرات 3500 ، بينما يعيش مليارات البشر عند حدود الكفاف ، بين 2 إلى 5 دولارات يومياً للعائلة ، هو عالم نجح في تعظيم الكفاءة الاقتصادية أكثر مما نجح في تحقيق العدالة الاجتماعية ، وليس المقصود هنا إدانة الحداثة أو إنكار منجزاتها ، وإنما التساؤل عما إذا كانت الحضارة قد انشغلت بإنتاج الوسائل أكثر من انشغالها بإنتاج المعنى ، وبمراكمة الثروة أكثر من اهتمامها بإعادة بناء الإنسان .

لقد أصبح الإنسان اليوم أكثر قدرة على تغيير العالم من أي وقت مضى ، لكنه يبدو أقل قدرة على السيطرة على قلقه ، وهذه هي مفارقة العصر ؛ فكلما ازدادت قوة الحضارة ، ازدادت هشاشة الإنسان ، وربما لا تكمن أزمة القرن ال 21 نقص التكنولوجيا ، بل في اتساع الفجوة بين السرعة التىّ تتطور بها الحضارة ، والسرعة التىّ يستطيع بها الإنسان أن يتكيف معها ، وما لم تنجح المجتمعات في ردم هذه الفجوة ، فإن الذكاء الاصطناعي سيواصل التصحيح والتحرير والتنوير ، وتحليل البيانات ، وإدارة الأعمال ، بينما سيبقى السؤال الأهم معلقاً : كيف يستعيد الإنسان طمأنينته في عالم لا يتوقف عن الركض ؟ … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد غزة🇵🇸 … أيُّ سلامٍ يمكن أن يولد من تحت ا ...
- حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار🗣…
- بين ذاكرة الثورة 🇵🇸 واستحقاقات الدولة - الخل ...
- السكران الذي تحدّى نيتشه… وانكسر أمام تشيخوف -بين الكأس ...
- الاستنزاف المركب…حين يتصدع الداخل الإسرائيلي وتمتد ارتدادات ...
- الفاعل الحقيقي - النقد بين أخلاق الحقيقة وسيكولوجيا الحسد ...
- بين الحبة المنسية والسياسة المنهكة…هل بدأ الجمهوريون🇺 ...
- الرأسمالية وإرادة الإنسان…عندما تتحول الوسيلة إلى غايةӿ ...
- زيلينسكي ونتنياهو… عندما يصبح توسيع الحرب وسيلةً للنجاة …
- اعترافات الغزالي… عندما أنقذ الاكتئاب العقل من الشهرة …
- أحمد الياباني 🇯🇵 🇵🇸 … حين يع ...
- من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء الت ...
- بين القانون والحرب📕: عندما تتغير قواعد الاشتباك وتُع ...
- التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق ...
- بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮 ...
- آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا ...
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...


المزيد.....




- نيو مكسيكو ترفع دعوى ضد وزارة العدل الأمريكية لعدم مشاركتها ...
- لماذا يقوم عمّال بتكسير مهبط الطائرات المروحية في البيت الأب ...
- طلاب غزة يحتجون على إغلاق معبر رفح
- وساطة أممية لتعيين رئيس المفوضية الليبية
- مهدي لعريبي: الجزائر توقف أحد قادة منظمة -دي زد مافيا- الإجر ...
- وزير التربية الكويتي يصدر قرارا بإغلاق المدرسة الإيرانية الخ ...
- الخارجية الروسية تؤكد استعدادها لبحث أي أفكار أمريكية بناءة ...
- جونسون: ترامب يدرك تداعيات الصراع مع إيران على الأمريكيين
- العراق يعلن رفع مستوى الجاهزية الأمنية والاستعداد القتالي
- -اليونيفيل-: إسرائيل أطلقت 113 مقذوفا على لبنان في أعلى مؤشر ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تسارعت الحضارة وتأخر الإنسان✋…