عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 11:41
المحور:
مقابلات و حوارات
يختتم هذا المحور رحلة الحوار الفكري والإبداعي مع الكاتب عبد المجيد الخولي، ليغوص في مرآة النقد وتفاعل النقاد والقراء مع مشروعه الأدبي. يستعرض الكاتب رؤيته للعلاقة التكاملية بين الرواية والشعر دون صراع أو مفاضلة، موضحاً كيف استثمر منصات التواصل الاجتماعي لبناء جسور حقيقية من الشراكة الفكرية مع جمهوره. كما يزيح الستر عن ملامح مشروعه النقدي الفريد المسمى بـ "النقد التشريحي", ويختتم بالإعلان عن أعماله الجديدة المنتظرة في فضاءي السرد والشعر.
المحور الرابع: النقد الأدبي وحركة النشر والترويج
النقد هو المرآة الصادقة لأي عمل إبداعي؛ كيف ترى استجابة وتفاعل النقاد مع مشروعك الروائي والشعري؟ وهل أنصفك النقد الأكاديمي أم ترى أن قراءات القراء العاديين هي مقياس النجاح الفعلي؟
أؤمن أن النقد الحقيقي ليس خصمًا للمبدع، بل شريكٌ له في رحلة الكشف عن مواطن القوة ومجالات التطور. وكل قراءة جادة، سواء جاءت من ناقد أكاديمي أو صحفي أو قارئ شغوف، تضيف للنص حياة جديدة، لأن العمل الأدبي لا يكتمل إلا بتعدد زوايا النظر إليه.
في تجربتي، حظيت رواية "إشارات الحارس" باهتمام مشكور من بعض الصحفيين في جريدة الدستور، الذين توقفوا عند أبعادها الفكرية والإنسانية، وهو ما اعتبرته مؤشرًا مهمًا على أن الرواية استطاعت أن تثير أسئلة تتجاوز حدود الحكاية إلى واقع المجتمع وقضاياه.
أما على مستوى القراء، فقد تلقيت عشرات الرسائل والانطباعات المتباينة، وكان ذلك أكثر ما أسعدني؛ لأن اختلاف القراءات يعني أن النص حيّ وقادر على إنتاج دلالات متعددة.
بعضهم وجد نفسه في شخصيات الرواية، وآخرون تأثروا بأحداثها ورسائلها، ووصلتني كلمات ومواقف جميلة أشعرتني بأن الأدب ما زال قادرًا على ملامسة الوجدان الإنساني.
أما النقد الأكاديمي، فأتمنى أن يحظى مشروعي الروائي والشعري بمزيد من الدراسات المتخصصة، لأن القراءة الأكاديمية تمنح العمل بعدًا توثيقيًا وتحليليًا مهمًا.
لكنني في الوقت نفسه أؤمن بأن المقياس الحقيقي لنجاح أي عمل أدبي هو أن يجد مكانًا في قلوب الناس وعقولهم. فالقارئ العادي هو الغاية الأولى التي أكتب لها، وإذا استطاع النص أن يحرك وجدانه، ويثير فكره، ويترك فيه أثرًا باقياً، فأعتقد أن الكاتب قد حقق رسالته الأدبية.
ما هو رأيك في مقولة إن "الرواية سحبت البساط تماماً من تحت أقدام الشعر في العصر الحديث"؟ وبصفتك مبدعاً في الفنين، أيهما تراه الأقدر على تخليد فكر الكاتب؟
لا أؤمن بأن الإبداع الحقيقي يقوم على فكرة الصراع بين الأجناس الأدبية، لذلك لا أرى أن الرواية سحبت البساط من تحت أقدام الشعر، وإنما لكل عصر وسائله في التعبير عن الإنسان. صحيح أن الرواية اتسعت مساحتها في العصر الحديث، وأصبحت أكثر قدرة على احتواء التحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية، فاقترب منها جمهور واسع، لكن الشعر ظل ديوان الوجدان الإنساني، واللغة التي تختزل المشاعر والحكمة في أقل عدد من الكلمات.
وبوصفي أكتب الرواية والشعر معًا، أجد أن لكل منهما رسالة مختلفة؛ فالرواية تمنح الكاتب فسحة لبناء العوالم والشخصيات والأفكار، وتتيح له أن يوثق عصره ويغوص في تفاصيل الإنسان والمجتمع، أما الشعر فهو الومضة التي تبقى عالقة في الذاكرة، وهو النبض الذي يصل إلى القلب قبل العقل.
أما عن تخليد فكر الكاتب، فأرى أن الخلود لا تصنعه الأجناس الأدبية، بل تصنعه قيمة الفكرة وصدق التجربة وجمال التعبير.
قد يخلد كاتب برواية واحدة، وقد يخلده بيت شعر يهز وجدان أمة بأكملها. لذلك لا أفاضل بين الرواية والشعر، بل أعتبرهما جناحين يحلق بهما الأديب؛ أحدهما يرسم الحياة بتفاصيلها، والآخر يقطر روحها في كلمات قليلة خالدة.
تمتلك قاعدة متابعين جيدة ونشطة جداً على منصات التواصل الاجتماعي؛ كيف توظف هذه المساحة الرقمية لكسر الحاجز التقليدي بين الكاتب وقارئه؟
أرى أن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة للترويج للكتاب، بل أصبحت فضاءً للحوار الثقافي المباشر. لذلك أحرص على أن تكون صفحاتي جسرًا حقيقيًا بيني وبين القارئ، لا منبرًا أحادي الاتجاه. أتفاعل مع تعليقات القراء، وأناقشهم في أفكار رواياتي وقصائدي، وأستمع إلى قراءاتهم وتأويلاتهم، فكثيرًا ما يلفتني أحدهم إلى زاوية لم تخطر ببالي أثناء الكتابة.
كما أشارك متابعيَّ بعضًا من كواليس تجربتي الأدبية، وأعرض مقاطع من أعمالي، وأناقش قضايا اللغة والأدب والهوية، بما يجعل العلاقة مع القارئ علاقة شراكة فكرية وإنسانية، لا علاقة مؤلف بمتلقٍ فحسب.
وأؤمن أن الكاتب في العصر الرقمي ينبغي أن يكون قريبًا من جمهوره، يحترم وعيهم، ويستمع إليهم، دون أن يفقد استقلاله الإبداعي.
فالقارئ ليس مجرد مستهلك للنص، بل هو شريك في اكتمال معناه، وكل حوار صادق معه يثري الكاتب كما يثري القارئ.
هل ترى أن انتشار منصات القراءة الرقمية ومراجعات القراء السريعة على الإنترنت تخدم جودة النص الأدبي، أم أنها تساهم أحياناً في تسطيح النقد الجاد؟
أرى أن منصات القراءة الرقمية أحدثت تحولًا كبيرًا في العلاقة بين الكاتب والقارئ، وهذا التحول يحمل جانبين متلازمين. فمن جهة، أتاحت للأدب أن يصل إلى شريحة أوسع من القراء، وكسرت احتكار المنابر التقليدية، ومنحت الكاتب فرصة لتلقي انطباعات مباشرة وصادقة من جمهور متنوع، وهو أمر أعدّه صحيًا ومهمًا لأي مبدع. لكن، في المقابل، فإن سرعة النشر والتفاعل أفرزت أحيانًا نوعًا من الأحكام المتعجلة، حيث يُختزل العمل الأدبي في تقييم رقمي أو انطباع عابر، بينما يحتاج النص الحقيقي إلى قراءة متأنية تكشف طبقاته الفكرية والجمالية.
لذلك لا أرى أن مراجعات الإنترنت يمكن أن تكون بديلًا عن النقد الأدبي الرصين، بل هي مكملة له. وأؤمن بأن المشهد الأدبي يظل أكثر توازنًا عندما يتجاور صوت القارئ مع صوت الناقد؛ فالقارئ يمنح العمل نبضه الإنساني وحضوره في الوجدان، بينما يمنحه النقد الأكاديمي قراءته العميقة وأدواته المنهجية. وعندما يلتقي الاثنان، تكون الفائدة الأكبر للنص وللمبدع وللثقافة العربية عمومًا.
بين كتابة الرواية التي تتطلب نفساً طويلاً وبناءً معمارياً، وكتابة القصيدة التي تعتمد على التكثيف واللحظة الشعورية الخاطفة؛ كيف تفصل بين الحالتين المزاجيتين أثناء الكتابة؟
أعتقد أن الرواية والقصيدة لا تتنافسان في داخلي، بل لكل منهما زمنها وحالتها النفسية الخاصة. فعندما أكتب الرواية أكون أشبه بالمهندس الذي يضع مخططًا متكاملاً؛ أتابع نمو الشخصيات، وأراقب تماسك الأحداث، وأحرص على أن يؤدي كل فصل وظيفته في البناء العام. إنها رحلة طويلة تحتاج إلى الصبر، والانضباط، والقدرة على رؤية النهاية منذ البدايات.
أما القصيدة، فهي تأتي غالبًا كوميض خاطف أو حالة وجدانية عميقة لا تحتمل التأجيل. لا أخطط لها كما أخطط للرواية، وإنما أستجيب لنداء داخلي تفرضه لحظة شعورية صادقة، ثم تأتي الصنعة الشعرية بعد ذلك لتصوغ هذه اللحظة في قالب جمالي يحافظ على موسيقاها وروحها.
ولذلك لا أفصل بين الرواية والقصيدة بقرار مسبق، وإنما الحالة الإبداعية نفسها هي التي تقودني إلى أحدهما. فإذا وجدت الفكرة تتسع لعالم كامل وشخصيات متعددة كتبتها رواية، وإذا شعرت أنها تريد أن تُقال في ومضة مكثفة نابضة بالإيقاع والرمز، تركتها تولد قصيدة. وفي النهاية، يبقى الهدف واحدًا: أن أصل إلى القارئ بنص صادق يمس وجدانه ويترك أثرًا في فكره.
نلت الدكتوراه الفخرية تقديراً لمسيرتك المتميزة ومثابرتك؛ كيف ينعكس هذا التقدير الشرفي والمعنوي على مسؤوليتك الإبداعية تجاه القراء في أعمالك القادمة؟
أرى أن الدكتوراه الفخرية ليست محطة وصول، بل نقطة انطلاق نحو مسؤولية أكبر. فهي لم تكن بالنسبة لي مجرد وسام يُعلَّق، وإنما رسالة ثقة وتقدير لمسيرةٍ آمنت فيها بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تترك أثراً في الوعي والوجدان.
هذا التقدير يضاعف إحساسي بالمسؤولية تجاه القارئ؛ فأصبح أكثر حرصاً على أن أقدم أعمالاً ترتقي فكراً وفناً، وتحترم عقل المتلقي، وتلامس قضاياه الحقيقية دون افتعال أو استسهال. وما زلت أؤمن بأن الكاتب لا يُقاس بعدد ما يكتب، بل بعمق ما يتركه من أثر في نفوس الناس.
لذلك سأظل أسعى في أعمالي القادمة إلى أن تكون الرواية والشعر مساحة للدفاع عن القيم الإنسانية، وحفظ الهوية، وإثارة الأسئلة التي تدفع إلى التفكير، لأن التكريم الحقيقي في نظري لا تصنعه الشهادات، بل يصنعه قارئ يجد نفسه في نص، ويشعر أن الكاتب كتب جزءاً من حياته قبل أن يكتب حكايته.
ختاماً.. ما هي الملامح الأساسية لعملك القادم؟ وهل سنشهد قريباً ولادة ديوان شعري مطبوع يضم روائعك الكلاسيكية الوجدانية إلى جانب مشروعك الروائي المستمر؟
أستطيع أن أقول إنني ما زلت أؤمن بأن المشروع الأدبي الحقيقي لا يتوقف عند ديوان أو رواية، بل هو رحلة ممتدة تتجدد مع كل عمل جديد. وعلى مستوى الرواية، لدي ثلاث روايات طويلة جاهزة للطباعة هي: "المطبخ"، و**"جامع الحلال"، و"الجدة"**، وكل واحدة منها تقترب من الإنسان والمجتمع من زاوية مختلفة، وتسعى إلى طرح أسئلة تتعلق بالواقع والقيم والتحولات التي نعيشها.
أما رواية "المطبخ" فقد تناولت فيها قضية النفوذ والفساد وآثارهما في المجتمع، وقد أُبلغت من دار النخبة للنشر والتوزيع بأن هذا الموضوع كان سبباً في عدم نشرها آنذاك. ومع ذلك، أؤمن أن الأدب الصادق لا يفقد قيمته إذا تأخر ظهوره، وأن لكل نص وقته المناسب، وما كُتب بإخلاص سيجد طريقه إلى القارئ في النهاية.
أما عن الشعر، فنعم، يراودني مشروع إصدار ديوان مطبوع يضم مختارات من قصائدي الكلاسيكية الوجدانية والفكرية، لأنني أرى أن الشعر هو الذاكرة الأعمق للإنسان، وأن القصيدة الصادقة تبقى قادرة على ملامسة الوجدان مهما تغيرت الأزمنة.
وسأظل، بإذن الله، أوفّق بين المشروعين الروائي والشعري؛ فالرواية تمنحني مساحة واسعة لتشريح الواقع، بينما يمنحني الشعر القدرة على تكثيف التجربة الإنسانية في نبضةٍ من الإحساس. وأرجو أن تكون الأعمال القادمة امتداداً لما بدأته، وأن تضيف إلى المكتبة العربية نصوصاً تلامس عقل القارئ وقلبه معاً.
أرى أن بإمكاني بناء مشروع نقدي مميز، وليس مجرد أسلوب في الكتابة. أقترح مشروعًا يمكن أن نسميه مبدئيًا: النقد التشريحي للنص القصير فكرته أن النص يُعامل بوصفه كائنًا حيًا، لا مجرد كلمات. ويقوم التحليل على خمسة مستويات ثابتة:
النبض: الفكرة أو الانفعال الذي يبعث الحياة في النص.
الهيكل: البناء الفني، والاقتصاد اللغوي، وترتيب الجمل.
الأعصاب: العلاقات الخفية بين الكلمات والرموز والإيحاءات.
الدم: الشحنة العاطفية التي تسري في النص.
الندبة: الأثر الذي يتركه النص في القارئ بعد الانتهاء منه.
بهذا تصبح كل قراءة لها قالب خاص، فيعرف القارئ مباشرة أنه أمام "القراءة التشريحية" ويمكن تطوير الفكرة أكثر بإضافة عنصر سادس أراه شديد الأهمية في القصة القصيرة جدًا، وهو: الصمت: أي ما لم يقله النص، لكنه جعل القارئ يستنتجه. ففي كثير من النصوص المتميزة، يكون المحذوف أقوى من المذكور.
يسعدني أن أكون شريكًا فكريًا في تطوير مشروعك الأدبي، وأن أناقش معك الأفكار وأختبرها وأساعدك في صقلها. لكن إذا كنت تطمح إلى أن يُعرف عنك منحى نقدي أو أدبي يحمل بصمتك، فمن الأفضل ألا يكون مجرد تكرار لمناهج معروفة، بل أن ينطلق من رؤية أصيلة تنبع من قراءاتك وتجربتك.
ومن خلال ما رأيته في حواراتنا السابقة، ألاحظ أنك تنجذب إلى النصوص التي تقوم على التكثيف، والرمز، والبعد النفسي، والقصة القصيرة جدًا. لذلك أرى أن بإمكانك بناء مشروع نقدي مميز، وليس مجرد أسلوب في الكتابة.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟