|
|
حوار الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة: قضايا الثقافة، التجربة الإذاعية، وعوالم الهوية والارتحال(2-3)
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 16:13
المحور:
مقابلات و حوارات
تتسلل الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة إلى مشهد الإبداع العربي بروح واثقة، ومخيلة مترعة بندى غابات الزيتون وجنان صفاقس. لا تقف في شعرها عند حدود الكلمة المكتوبة على ورق، بل تقتحم آفاق "الشَّغْر" (بفتح الشين والغين) والأمسيات الممسرحة، لتعيد صياغة العلاقة بين النص والموسيقى، وتمنح الإبداع بعداً إنسانياً رحباً – تجسّد في لفتتها الرائدة للترجمة بلغة الإشارة لذوي الاحتياجات الخاصة المحور الثالث: الثقافة والمجتمع (القضايا العامة) بصفتكِ رئيسة لرابطة الكاتبات بصفاقس، ما هي أكبر تحديات المرأة الكاتبة؟
فعل الكتابة لم يعد حكرًا على جنس أو فئة .لكن الوعي لتحرير هذه الكتابة لم يتشكل كما يفترض أن يكون في صفوف العامة و المثقفين. لذلك تستعمل المرأة و الرجل على حد السواء مقصًا رقابيًا ذاتيًا . يجبرون أنفسهم عليه -قبل أن يجبرهم عليه المجتمع -حفاظًا على الصورة الاجتماعية .فنسبة التمدرس العالية لا تعني أبدًا نسبة وعي تلك الطبقة .الاختيار أن تكون داخل حدود تقبل مجتمعاتنا العربية للصورة و المواضيع .هو اختيار آمن . لذلك تجد العديد يهدرون طاقات إبداعية كبيرة في مواضيع تاريخية أو غيرها من المواضيع التي لا مجازفة في مواضيعها أو حيثياتها .ولعلها من الأسباب التي تأخذ عديد الكاتبات إلى الرواية؛ لأن في ثقافتنا الرواية هي سرد ليس ذاتي. أما الشعر ،فهو في المخيال العام ذاتي .وهذا حكم مجحف على لغة الشعر ليس إبلاغ عن حادثة. هذا الخلط المفاهيمي لا نجده عند العامة فقط،بل هو اشد عند المثقفين و المبدعين عمومًا .
هل الأدب النسائي تصنيف عادل أم مقيد؟
كل تصنيف هو كتابة لهوية المصنف، بإبراز حدوده و فصله عن غيره. لذلك ؛فإن التصنيف في حد ذاته لا يشكل ظاهرة سلبية . يمكن أن يكون هذا التصنيف للاحتفاء و التقدير .فالمرأة كتبت في القضايا الإنسانية. المرأة الكاتبة شانها شأن المرأة في باقي الميادين الإبداعية و الفنية . كتبت لتساهم في تغيير المجتمع. وهي تكتب من أجل انصاف المرأة و تبديد الهيمنة الذكورية الاقصائية الباتة . وهو ما يعبر عنه بالكتابة النسوية . عمومًا لست من أنصار الاتجاه الوحدوي؛ لأنني أرى أن لكل خصوصيته الإبداعية ،وهذا في حد ذاته ثراء و العالم الإبداعي يحتاج كثيرًا للثراء و بجميع أنواعه الإبداعية.
هل يجب أن يكون الكاتب "منخرطاً" في الشأن العام أم يكتفي بالجانب الجمالي؟
المنطلقات كلها أيديولوجية في تعريف المثقف . وكلها باتجاه الفعل في المجتمع .للتوجيه من أجل التغيير . العقل المفكر المروج للأفكار البناءة في الاتجاه الذي يراه صحيحًا . أعتقد ان هذا الدور صار للساسة ،يتقمصون دورهم المثالي للتغيير ،وأن لم يكونوا دائمًا ذوي فكر أو يحتكمون إلى رؤيا استشرافية تكون أساس القيادة و سجادة الطريق . مع ذلك أعتقد أنه على الكاتب أن يكون مثقفًا ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليس فقط بالاطلاع على المدراس الأدبية و اشهر الكتاب و المؤلفات. وإنما أن يكون ابن عصره و مجتمعه. أن يُساهم من موقعه في نشر الوعي وأن يكون له موقف مما حوله من قضايا مجتمعه و القضايا العالمية؛ فهو مطلع بما يكفي ان تكون له فكرة واضحة عما يعيشه مجتمعه من أزمات ومن نضالات .ورغم ذلك، يبقى بعيدًا عن صورة المثقف العضوي الذي يكرِّس حياته لفكرة التغيير على أرض الواقع ،مهما كلفه ذلك الدور من وقت وجهد و تضحيات . ما هو رأيك في مستوى التعليم في تونس؟
الأمر مشاع في العالم في اختصاصات الطب و الهندسة و الإلكترونيك و الإعلامية و خبراء الذكاء الاصطناعي ،وغيرها من الاختصاصات . هم قادة في الشركات العالمية العملاقة مثل:" قوقل" و" فيسبوك" و "ماكروسوفت" . مدينتي صفاقس إلى جانب أنها العاصمة الاقتصادية هي قطب واعد للسياحة العلاجية ببنيتها الأساسية الاستشفائية المتطورة و الكفاءات العالية في جميع الاختصاصات . تونس عمومًا هي الوجهة الأولى في أفريقيا للسياحة العلاجية التجميلية من الدول الغربية و العربية؛ لوجود الكفاءات و المؤسسات التي تقدم خدمات وفقًا للمعايير العالمية .
كيف تصفين علاقة الشباب التونسي بالقراءة اليوم؟
سجلت دورة2025 للبطولة الوطنية للمطالعة ؛مشاركة حوالي 37 ألف قارئ و قارئة. وهذا جاء بعد خطة طويلة الأمد لتكريس هذه العادة ،بعد أن لاحظت وزارة الثقافة عزوفًا عن المطالعة لأجيال . وقد ساهم في الوصول إلى هذه النتائج المبهرة.. وجود إدارة خاصة بالمطالعة صلب وزارة الثقافة . ولاريب أن يكون التوأم "بيسان وبيلسان كوكة" الفائزتين في بطولة تحدي القراءة العربي الموسم التاسع بدبي، من بين 32 مليون مشارك عربي .
ما هو التحدي الأكبر الذي تواجهه الثقافة في تونس؟
الترسانة القانونية مهمة جدًا لتحديد الحقوق و الواجبات . وأعتقد أن هذا ما تشتغل عليه الآن وزارة الثقافة، في محاولة لمنع الفوضى أو الحد منها و فرض المساواة و تكافؤ الفرص ،و بالتالي التوزيع العادل للموارد . من خلال العمل على قوانين تحدد الواجبات و الحقوق بأكثر شفافية .
كيف توازنين بين كونكِ "شاعرة" و"مدربة تنمية بشرية"؟
أذكر سنة 2003 كنت صحبة الدكتور"أنور عشيش"، وهو طبيب نفسي اختصاص أطفال و ناشط في الحق الثقافي و المجتمع المدني على أكثر من صعيد ،وهو في ذلك الوقت مدير مهرجان المدينة صفاقس. كنا نتحدث و نتناقش في أمور عديدة، أفتح معه صفحات الكلام دون تحفظ وهو كذلك . يومها تحدثنا في تفاصيل كثيرة و طوابير الأولياء وأبناؤهم في قاعة الانتظار . قرر أن يأخذ استراحة ،وأكون ضيفته في تلك الاستراحة . يومها قال لي إن الشاعرة تحرق كل المساحات داخلي لم أصدقه وقتها ،واعتبرتها قراءة عابرة لا أساس لها من الواقعية . لكن مع الوقت اكتشفت أن الإخلاص لا يكون إلا لشيء واحد حتى ننجح وينجح معنا ما ننجزه فيه . أن تكون متعددًا، فهذه ميزة. الا أن هذا التعدد يكون على حساب بعض الابهار في كل الاختصاصات . الفن لا يحب أن يكون له شريك . لذلك لم أستطع أن أبني نفس الاسم ونفس التألق . ولكن استفدت كثيرًا مما تعلمته . من علاقاتي التي صنعتها في المجال، و من المجال في حد ذاته. بقدر ما يكون عالم الشعر مليء بالرومنسية و الحلم ،بقدر ما يكون عالم التنمية الذاتية مليء بالمصاعب و التحديات . أنا أقدم لجمهوري في الشعر السعادة و لحرفائي في الكوتشينغ الحلول ، القوة و الأمل . الكوتشينغ يُعيد إلي إنسانيتي . لذلك أنا أتشبث به .
هل يمكن للأدب أن يغير الواقع الاجتماعي؟
الأدب يكون ذائقة فنية و عقلية نقدية ؛بطرحه أسئلة عميقة أو بتسليطه الضوء على قضايا مسكوت عنها . يلفت لها الأدب الانتباه ،يمكن أن تقع على أثرها إصلاحات على أرض الواقع أو تشريعات تضمن ذلك في المستقبل . فالأدب يوثق ليعالج .وقد أسهمت عديد الأعمال عبر التاريخ في لفت الانتباه إلى القضايا الاجتماعية ،وكانت سببًا مباشرًا في الإصلاح. الأدب ينسج لك تجارب الآخرين، فتتقي عثراتهم . وهو بقدر ما يُثير العواطف يخاطب العقل ،و يبني المفاهيم و المبادئ في عمق القارىء . الأدب يُعزز المحافظة على هوية المجتمعات لذلك فهو يحمي أيضًا من الانزلاق إلى الغربة الثقافية، ولا يكتفي بالتوثيق و الإصلاح .
المحور الرابع: التنوع الفني (التمثيل، الإذاعة، والتنمية) كيف انتقلتِ من الشعر إلى التمثيل؟
حب التجربة وخوض مغامرات مدروسة . أن يصير ما لا تعرفه مكشوفًا أمامك ، وأن تعرف كواليس ما تراه جاهزًا . الحظ ساعدني على ذلك؛ لأن الأعمال التي شاركت فيها وقع انتاجها في مدينتي صفاقس . أحد أصدقائي من مجال التمثيل كان له علم بالكاستينغ، ودعاني لخوض هذه التجربة، وفعلًا نجحت في الكاستينغ .هذا النجاح قادني إلى ما شاركت فيه من أعمال .لأنها لم تخضع لكاستينغ بعد ذلك ،وإنما بناء على المشاركة الأولى . ولنقل انها فسحة قصيرة عدت بعدها إلى اشعاري . آخر يوم تصوير في أول مسلسل شاركت فيه، هو يوم افتتاح الموسم الثقافي في دار الثقافة "باب بحر" دُعيت لتأسيس أول أمسية شعرية فردية. كان هذا سنة 1999
ما هي الإضافة التي قدمها التمثيل لشخصيتك الأدبية؟
التجربة دائما تفتح آفاقًا جديدة في أعماقك ،توسع دائرة تفكيرك و تجعلك مفتوحًا على عوالم أخرى ،تمتلىء منها لتفرغ في كأس الشعر . الأدوار التي قمت بها بسيطة لكنها اعطتني شهرة البطولة فقد صار يشار الي بالبنان في وقت قصير ويطلب مني التوقيع التذكاري . .لم اعط للتمثيل الجهد الكثير ومع ذلك اغدق علي بالشهرة و الانتشار.لان الشاشة الكبيرة فعلها خطير . لذلك لو كانت هناك مساحة للقول الشعري دائمة لكان الشعراء معروفون ويشار اليهم بالبنان . لان الدعوات تكون الى برامج مختصة في برامج ثقافية جمهورها نخبوي محدود . اعتبر نفسي من المحظوظين بالحظور عديد المرات في برامج غير مختصة بالثقافة مثل البرامج الصباحية او البرامج الرمضانية كما دعيت لتاثيث فقرة شعرية ضمن سهرة فنية مفتوحة لكنه الشاذ يحفظ ولا يُقاس عليه .
ما هو العمل الفني الذي تفتخرين به أكثر من غيره؟
في التمثيل فيلم "فاطمة" كان دوري فيه صغير جدًا غيَّر فيه المخرج إبان استعدادي للخروج للكاميرا، وقرر أن يُمدد في مشاهده. وأن أشارك فيه الابطال المرموقين، المشاركين. أتذكر منهم :"محمد علي النهدي"، و "أحمد الحفيان" . مشاركتهم كانت كالحلم الوردي ،و تعاملهم معي كان ذكرى لا تمحي . تفرجت في الفيلم بعد ذلك في إحدى قاعات السنما ،كنت مبهرة الحضور المشاهد التي صوروني فيها قليلة لكن وجودي بمفردي على شاشة السنما أسعدني . للأسف بعد ذلك مشاهد كثيرة من دوري وقع حذفها في النسخة على اليوتوب . لكن تبقى السعادة في تخطي ما تعودت عليه بالنسبة لي . النسخة الثالثة من عرض رومنسيات الشعري كانت تجمع كل ما قمت به من تجارب، اتسع العرض لكل ما قمت به من قصائد مصورة على شاكلة كليبات: الإلقاء التقليدي، و الفرجة من خلال عوامل الإبداع المسرحي من أثاث على الركح و إضاءة و ملابس، إلى جانب تشريكي لترجمة بلغة الإشارة على الركح لبعض القصائد .
كيف تصفين تجربتك في إذاعة صفاقس
أولًا، لابد من الإشارة الى أن إذاعة صفاقس هي إذاعة FM ،وهي إذاعة عمومية حكومية ،وليست إذاعة خاصة أو إذاعة واب . كان وقتها متاح التعاقد مع متعاونين من خارج إطار الإذاعة، خاصة في البرامج الثقافية . هي تجارب متقاربة و مختلفة في نفس الوقت .تعاقدت معها لفترات متباعدة 2009 و 2012 أعتقد ثم 2019 . في المرة الأولى برنامج مسجل يدوم خمس دقائق .كل حلقة، أقرا قصيدة لشاعر أو شاعرة ،و أُعرِّف به، وأضع القصيدة في إطارها، ثم أقرؤها .وكان مسموعًا حسب ردود الفعل التي وصلتني، والأصداء التي أثارها بثه. تعلمت في البرنامج الأول تقنيات التعامل مع مكروفون إذاعي، ولابد من أشكر كل المتعاونين معي أن ذاك السيد زهير بن أحمد مدير البرمجة، أن ذاك الذي كان يحرص بنفسه أن يكون البرنامج ناجحًا، وأن تكون صورتي فيه لامعة . واكتشفت معه أن الإعداد لخمس دقائق يأخذ ساعات عمل ،و التسجيل أيضًا يمكن أن يأخذ أكثر من الخمس دقائق . ثم أسست برنامج "شعراء على النت "،فيه جزء حواري مع أحد المثقفين الشعراء لمحاورته. فترة البرنامج كان تمتد إلى نصف ساعة . المتعة مضاعفة ؛لأن ركن الحوار الذي أضفته أضاف لي الكثير من الثقة و الجرأة ،و علمني أن اتسلح بالاستعداد و الإعداد . ثم آخر مشاركة لي في هذه الإذاعة كانت ك CHRONQUEUSE بفقرة قارة في سهرة أسبوعية مع المذيعة الرئيسية . كانت إضافة جميلة لمسيرتي الاذاعية أو لمسيرة الكاتبة؛ لأن الكتابة لمثل ذلك الركن مختلفة عن النثر و الشعر الذي تعودت كتابته .
هل الصوت في الإذاعة هو امتداد للكلمة في الشعر؟
إلى حد كبير برامج الاختصاص تمنحك مساحة إكبر للمهارة التي تُجيد -باعتباري أخذت برامج مختصة في مجال الكتابة و الشعر تحديدًا -فقد استفاد كلانا من الآخر، وأقصد المذيعة و الشاعرة. فرحلة الإعداد هي رحلة بحث و قراءة و تواصل مع كتاب لتكوين مادة كل حلقة .وهذا، وإن أخذ مني وقتًا كثيرًا ؛فهو قد أعطاني تجربة مهمة لصوتي، الذي صار صديق الميكروفون .وأنا أحمد الله على عطاءاته المتعددة لي؛ فصوتي يصفونه بأنه ميكروفوني .ومن خلال تلك التجربة ،صرت أكثر استعدادًا، وأنا أقرأ أشعاري أمام جمهوري أكثر ثقة ،وأكثر انتشارًا ،لأن برامجي كانت مسموعة خاصة الأول و الأخير. أما برنامجي "شعراء على النات" كان نخبويًا استفدت منه في التمرس بالعمل الإذاعي من خلال فقرات البرنامج: أما الأول ،فقد كان توقيت بثه في التاسعة مساء كل ليلة على مدار الأسبوع . يلامس قلوب"نساء الكوجينة " ،فهن في المطبخ، إما لإعداد العشاء أو لترتيب المطبخ بعد العشاء. و المذياع عادة ما يكون حسب تقليد لدينا في المطبخ يؤنس الوحدة ليلًا نهارًا . ساهم توقيت البث في شهرتي لدى العامة ،كما ساهم البرنامج الليلي الذي أسهمت فيه ككرونيكور في حضور اسمي في الأذهان من جديد لدى العامة سنة 2019 ،ولامست كتاباتي النثرية فيه قلوب المستمعين، وأنا ألقيها على مسامعهم في آخر الليل. وهذا البرنامج ،كان آخر عهدي بالعمل الإذاعي . بعدها حرصت على التعلم الأكاديمي للتمكن النظري أو لفهم ما كنت أقوم به كمحترفة دون خلفية تعليمية. وفعلًا تحصلت سنة 2025 على شهادة في الإذاعة و التعليق الصوتي ؛لاأتح لنفسي باب الاحتراف من جديد إذا توفرت الفرصة المناسبة.
هل تجدين صعوبة في "التبديل" بين شخصية الكاتبة وشخصية المدربة؟
العوالم مختلفة جدًا، وكل منهما قادر أن يُغيِّبك عن العالم الثاني . هما خطان لا يلتقيان . إذا غرقت في مشاكل و حالات المستنجدين بي وكثرت زبائني لا أجد المُخيِّلة ولا المناخ، الذي يمكن أن يشعل في فتيل القصيد . وقتي كله يصبح ملك الكوتش ،و انشغالاتي تصير حسب الحالات التي أباشرها ؛فأبحث وأقرأ و، أصب كل اهتمامي عليهم . و الشعر عدوه أن تستبعده ،تستبعد مناخات الارتياح التي يزهر فيها .فالشاعرة التي تحب الطبيعة تحب الوحدة ،تحب الموسيقى، تحب لحظات الفرح ،و تحب حضور المجالس الأدبية و الثقافية .عمومًا تلك هي مولداتها الأولى لبعث قصائد يمكن أن تولد في أي وقت، و على أي نوع من الورق. فأنا اكتب أحيانًا إذا هزتني الولادة في مناديل الورق؛ لأنني لابد أن أُفرِّغ ما بجعبتي . وهذا لا يعني دائمًا انني سأحتفظ بتلك الكتابة وأسميها قصيدة . فليس كل ما نكتبه يستحق النشر .
المحور الخامس: الهوية والارتحال ماذا يعني لكِ "الوطن"؟
هذا سؤال يسأل للاجىء أو لمغترب. أما لمن يعيش في أحضان وطنه، و يتنعم بكل ما فيه، و يحب أن يعيش فيه فهو ممتن له بالحضور . فهو من أعطاني كل شيء . الهوية الكرامة المواطنة وأعطاني أيضًا مناخًا مهمًا لأكون شاعرة اليوم، و أكون وجهًا من وجوهها. امرأة تونسية تحمل علمها في قلبها تشق به عميق البحار لتعلو به إلى قمم الجبال . أحمل هويتي أينما أكون، وهذا يكفيني. فأنا عندما سافرت إلى الشيلي ،و كانت غرفتي بها فتاة من المكسيك. صرنا نحاول ان نجد لغة للتحدث ،وفعلًا توصلنا إلى ذلك ووجدت أننا في تونس نبعد أشواطا عنهم بالتقدم .على الأقل على مستوى الترسانة القانونية التي تحظى بها المرأة في تونس . وهذا يكفيني . أن تكون مبدعا، و تحملك الدعوات على بساط التقديرإلى كل البلدان. لابد أن تكون ممتنًا لذلك الوطن الذي تنتمي إليه، وأعطاك سقفًا لذاك اللقب .
هل تجدين اختلافاً بين القارئ العربي والقارئ في الغرب؟
تختلف الكتابة ،فهم يكتبون نثرًا ويسمونه شعرً.ا يكتبون فقرات دون إيقاع داخلي ولا إيقاع في الشكل . فقرة يمكن أن تكون أي شيء إلا شعرًا و، مع ذلك يصنفونها شعرًا . لا أجد صورًا ممتعة في ما يقرؤون . الخيال عند العرب . أما كيفية التلقي لديهم، فهي قد فاجأتني. فأنا قرات في الشيلي في الأيام الأولى دون ترجمة ،ثم في جلسة ثالثة وقعت الترجمة. و قامت إحدى الشاعرات بمصاحبتي في قراءة النسخة الإسبانية عندها فهموا ما أقول، وكانت الغرابة و الاستفهام كيف لمسلمة أن تتحدث عن الحب ..؟،خاصة وأنني في الشيلي كنت اصوم رمضان هناك .فهم لم يقتنعوا بأن القيام بالواجبات و الشعائر الدينية شيء، واقتراف الشعر شيء آخر . تناقشنا طويلًا وساعدتني في ذلك شاعرة تحذق اللغة الفرنسية ساعدتني على إيصال كل قناعاتي إليهم ذات يوم، وأنا أحدثها على طولة الغداء أقابلها و أتبرع بفطوري لمن يريد لأنني صائمة . يومها صارت silvia toco سيفي المسلول و لساني المقنع حتى أن الجميع صاروا يريدون مزيدًا من المعرفة عن الإسلام و صاروا يتسابقون ليحذروني من تناول النبيذ الذي يدور في الكؤوس المشبوهة في سهرات الفعالية الموازية التي تقيمها البلديات او المؤسسات الثقافية الخاصة . كانت رحلة ممتعة علمتهم فيها أن المرأة التونسية كاتبة ومسلمة تحتفظ بهويتها ودينها أينما ذهبت ،لا تضيعها بدعوى التحرر و البحث عن ستار الحريات .
ما هي الرسالة التي تحرصين على إيصالها للعالم من خلال شعرك؟
السعادة حق لكل من يستمع إلينا . لابد أن تُهب أصواتنا للذين يأتون إلينا بعض السعادة . لابد أن نُعطيهم جرعة من الرومانسية المنسية. أحيانًا لابد أن ننبش في مشاعرهم التي نامت باكرًا،أو استقيضت على وجع ،لنوقظ فيها حلاوة العشق من جديد . حلاوة الحب ،وهل الحياة غير مشاعر نتبادلها مع بعضنا البعض أُخوة و أهل و محبين . لذلك فأنا قليلًا ما أقرأ قصائد حزينة لجمهوري أو قصائد ملتزمة . علاوة على أنني لست شاعرة ملتزمة، وإن عشقت ذلك اللون؛ فأنا أذهب إليه للتلقي، لكني لا أمتهنه؛ لأنني اخترت أن أخاطب الروح ،القلب، لا العقل .
ما هو الانطباع الذي تركتْه فيكِ مشاركتكِ في معرض هافانا؟
الهافانا بحر من كل الجهات تراه و تشتم عطره المالح . وأنت راجلًا، لكأن الموج في خطوتك القادمة .وإذا كنت راكبًا يلفك البحر من كل الزوايا والطرقات ،وكأنك تدور في نفس الفلك ،أو كأنك لا تغادر مكانك لولا جمال التماثيل الذي يتغير جمالًا و شكلا في كل الساحات. أن تغادر هذا الجمال ، أن تودع البحر الذي أثث معك رحلتك صار صديقك أكثر من الشعراء، كان متعبا لولا نداء الأوطان. الجمال صفة عامة في الكوبيين موهبة الرسم و الفعل الفني عمومًا ليست صفة النخبة كما في جل الأوطان، وإنما هي صفة العامة يتجاوزونها لأفعال أخرى، أو لنقل يحتفظون بها كانها لغتهم الأولى و عليهم اكتساب لغات او مهارات أخرى علمية أو أكاديمية . وأنا أحتفظ حتى الآن بهدية إحدى الفتيات المنظمات للملتقى التي رسمت لي بالرصاص في دقائق portrait . المكان المخصص للمعرض مكان شائك في تغيير استعماله من ثكنة حربية إلى معرض دولي للكتاب . وجوده على البحر يهيئه لمثل هذه المهمة و المدافع التي تحتل أرصفة المكان على البحر، تُذكرنا بأنه شاهد على نضالات هذا الشعب من أجل الحرية . لذلك حين نالوا هذه الحرية صارت قلعة النضال متحفًا بمدافعها الحربية ، صارت قلعة للكتاب . الملفت أيضًا أن آلاف المواطنين يقصدون هذا الموعد السنوي دون التفكير في أنه خاص بالنخبة . يقضون يومهم كاملًا في القلعة، يستهلكون كل ما يقدم اليهم بمحبة و شغف .حفلات فنية ركح هنا و ركح هناك . و رائحة الشواء تنبعث من المطاعم التي لابد أن تزورها إن لم يكن من إغراء روائح الأطعمة سيكون من الجوع بعد أن قضيت يومًا متعبًا بين التجوال و الفائدة. الأماكن المخصصة للأطفال تجعل العائلات تقدم على هذا الموعد بكل أفرادها ؛لأن كل واحد مهنم سوف يجد ما يبحث عنه . كيف لهذا الجمهور الذي يأتي لفعاليات المعرض الدولي بالآلاف لا يؤثر في . حشود تتوالى على المداخل المتعددة طول النهار و في جميع الأوقات . هذا لا يحدث كثيرًا في بلداننا . في سياساتنا بوعي أو دونه ،نحاول أن نعزل النخبة، أو لعلنا نمنحها شرف العزلة التي تطلبها .فنجعل مناخاتها الخاصة مقدسة لا يدنسها العامة، ونحكم على الكثيرين بعدم القبول دون أن نمنعهم من ذلك . زد على ذلك، ترحيب العامة و الخاصة بأشعاري حين قرأنا جماعة في ساحة عمومية . انتبهت يومها للعدد المتزايد ،وأنا أقرأ شعري باللغة العربية .و في غياب الترجمة كان علي أن أصل احساسي بإحساسهم، وأجعل من الشعر لغة عالمية يقودها الإحساس لفهم اللغة و تكهن المفردات. مضخم الصوت الذي كان يوصل صوتي للأقاصي ،دعاهم إلي و جعلهم ينتظرون انتهاء الفعالية؛ ليطلبوا مني توقيعًا تذكاريًا . كانوا أعدادًا محترمة ثم صاروا طوابير أمامي . لم أعد ساعتها اعرف إن كان إحساسي الذي بعثته مع الكلمات هو الذي أسرهم أم صوتي هو الذي ناداهم أم هو من هذا وذاك . ممتع حقًا ما عشته في تلك الدورة في 2018 ،وأظنها ذكرى لا تمحي ،وإن تكررت مستقبلًا في أماكن أخرى .
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نبض الكلمة وحكاية الإنسان.. حوار خاص مع الكاتبة إيناس عتمان(
...
-
إيناس عبد الحميد :بين ثقوب الذاكرة وسيولة العصر الرقمي(1-2)
-
مع الناقدة والشاعرة د. رشا الفوال: تقاطع علم النفس والنقد ال
...
-
مع الناقدة والشاعرة الدكتورة رشا الفوال:جسور بين العلم وجنون
...
-
د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من
...
-
د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من
...
-
الممثلة أندريا مارتن واحدة من أكثر النساء فكاهة في برودواي
-
تامارا ليسيتسيان اسم محفور في الذاكرة
-
أكيم تاميروف أعظم ممثل سينمائي على الإطلاق
-
أكيم تاميروف وطريقه إلى النجاح
-
أضواء وظلال الماضي في صور غاغيك هاروتونيان
-
ليوبولد غاشتشيك، بولندي قام بتصوير الأرمن
-
تاريخ أرمينيا من منظور ميشيل أندونيان
-
كيف أعاد إرث المصورة مريم شاهينيان تعريف الوجه المألوف لإسطن
...
-
نمر سعدي: جماليَّاتُ الدهشةِ وفتنةُ المجاز
-
العودة من غياهب النسيان أرميني قام بتصوير الصحاري
-
مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي: المجموعات القصصية وا
...
-
مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي: كتابة التاريخ والترا
...
-
مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي-دواوين العامية والفصح
...
-
مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي-الهايكو-4
المزيد.....
-
هل تصبح نيويورك الجديدة؟ هكذا يغيّر سباق الأبراج الشاهقة أفق
...
-
مطلق نار بمدرسة ينهار باكيا أثناء تحقيق صوتي مسجل.. ويصف ترد
...
-
الحوثيون يضغطون على البحر الأحمر.. وأسواق النفط تواجه أخطر ت
...
-
طائرات حربية بحرينية وكويتية شنت غارات على إيران في رد خليجي
...
-
موجة حر قياسية في إسبانيا.. حرائق تلتهم الغابات وتهدد العاصم
...
-
بالفيديو.. الدفاع المدني اللبناني ينتشل جثثا من زوطر الغربية
...
-
حل مبتكر لتطوير شوكولاتة مقاومة للحرارة
-
متعب لكن عقلك مستيقظ عند النوم؟.. حيل مثبتة لتهدئة الدماغ
-
طبيبة تحذر من شكل خطير للنوبة القلبية
-
فيرشينين: نؤيد تسوية النزاع الأوكراني دبلوماسيا بمعالجة أسبا
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|