أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - هندسة الروح وعوالم الحرف: قراءة في وجدان وشعر عبد المجيد الخولي(2-3)















المزيد.....

هندسة الروح وعوالم الحرف: قراءة في وجدان وشعر عبد المجيد الخولي(2-3)


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 12:47
المحور: مقابلات و حوارات
    


يأخذنا هذا المحور إلى الأعماق الوجدانية لشاعر يرى في القصيدة مساحة للخلاص، حيث تتقاطع مرارة المعاناة مع إشراقة الأمل والرضا. من خلال فضاء الشعر العمودي الكلاسيكي الذي يتخذه وعاءً حيّاً وموسيقياً، يستنطق عبد المجيد الخولي مفردات الطبيعة والبيئة البحرية ليصوغ منها رحلة إنسانية شفافة في البحث عن الحب، والحياة، والطمأنينة. كما تمتد رؤيته الشعرية لتلامس قضايا الهوية وحراسة لغة الضاد في وجه عواصف التغريب، مؤكداً أن الشعر الحقيقي هو الجسر الأبدي الذي يعبر عليه الوجع الفردي ليغدو نبضاً جماعياً نابضاً بالصدق والجمال.
المحور الثالث: عوالم الشعر (بين الألم والرضا والغزل الصافي)

في قصيدتك البديعة "إذا ضاقت بنا الدنيا"، تقول: "صبرنا حتى صبرُ الصبرِ عنّا ... وذقنا المُرَّ حتى مرَّ مِنّا".. كيف يولد المجاز الشعري القوي من رحم المعاناة؟ وهل تعتبر الشعر مرآة للوجع الفردي أم الجماعي؟

هذا البيت لم يولد من رغبة في المبالغة البلاغية، بل من معايشة طويلة لمعنى الصبر الإنساني. فقولي: "صبرنا حتى صبرُ الصبرِ عنّا... وذقنا المُرَّ حتى مرَّ مِنّا" هو محاولة لتصوير اللحظة التي يعجز فيها القاموس عن وصف الألم، فلا يبقى أمام الشاعر إلا أن يجعل المعنى نفسه كائنًا حيًّا؛ فيصبر الصبر، ثم يملّ، ويذوق المرارة حتى تصبح جزءًا من تكوين الإنسان.
وهذه القصيدة ليست بيتًا عابرًا، بل هي جزء من ديوان كامل يحمل هذا الوجدان؛ ديوان كُتب من رحم التجربة، لا من رفاهية الخيال. لقد آمنت دائمًا أن القصيدة الحقيقية لا تُكتب بالحبر وحده، وإنما تُكتب بما يتركه الزمن من ندوب في الروح.
وعندما تتحول المعاناة إلى لغة، يصبح الشعر وسيلةً للخلاص، ويجد القارئ نفسه في النص، لأنه يكتشف أن أوجاعه لم تكن وحيدة، وأن هناك من سبق أن عاشها وحوّلها إلى كلمات.
اما الإجابات على المجاز فأني أؤمن أن المجاز الشعري لا يُصنع في المعاجم، وإنما يُولد حين تعجز اللغة المباشرة عن حمل ثقل التجربة. فالمعاناة حين تبلغ ذروتها تفتش عن لغةٍ تتجاوز الوصف، فتخلق صورتها الخاصة. لذلك قلت: "صبرنا حتى صبرُ الصبرِ عنّا... وذقنا المُرَّ حتى مرَّ مِنّا"؛ لأنني لم أكن أبحث عن مبالغة لفظية، بل عن صورة تستطيع أن تنقل للقارئ إحساسًا لا تستطيع العبارة المباشرة أن تبلغه.
وأرى أن القصيدة الصادقة تبدأ من وجعٍ فردي، لكنها لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى وجعٍ إنساني عام. فالشاعر يكتب ألمه هو، لكن نجاح القصيدة يقاس بقدرتها على أن تجعل كل قارئ يرى فيها شيئًا من نفسه. لهذا فإن ديوان "إذا ضاقت بنا الدنيا" وإن كان قد خرج من رحم تجربة شعورية خاصة، فإنه يحمل هموم الإنسان في صراعه مع الفقد، والصبر، والانكسار، والأمل.
الشعر في نظري ليس مرآة للوجع الفردي أو الجماعي على سبيل المفاضلة، بل هو الجسر الذي يعبر عليه الوجع الفردي ليصبح وجعًا جماعيًا، ثم يعود إلى كل قلب وكأنه كُتب من أجله وحده. وعندما يبلغ الشعر هذه المنزلة، فإنه لا يواسي صاحبه فقط، بل يواسي كل من يقرأه.

تتميز قصائدك مثل "لؤلؤة المحار" بتمكنك الواضح من موسيقى البحور الخليلية والقافية الرصينة؛ لماذا اخترت البقاء في فضاء الشعر العمودي الكلاسيكي في زمن ينحاز الكثير فيه لقصيدة النثر؟

لم أختر الشعر العمودي لأنني أرفض التجديد، وإنما اخترته لأنه الوعاء الذي وجدت فيه صوتي الحقيقي. فالقصيدة العمودية ليست قالبًا جامدًا، بل بناءٌ موسيقي حيّ، تمنح الفكرة إيقاعها، والعاطفة جناحيها، واللغة هيبتها.
وما زلت أرى أن بحور الخليل ليست قيودًا على الشاعر، وإنما هي مفاتيح تفتح أمامه آفاقًا واسعة من الجمال والانضباط. في قصيدة "لؤلؤة المحار" وغيرها من قصائدي، أحاول أن أثبت أن الشعر العمودي لا يزال قادرًا على التعبير عن الإنسان المعاصر بكل هواجسه وأسئلته، متى امتلك الشاعر رؤيةً متجددة ولغةً نابضة بالحياة. فالقِدم ليس في الشكل، وإنما في الفكر، كما أن الحداثة ليست في كسر الوزن، بل في ابتكار الدهشة وإنتاج المعنى.
وأنا أحترم جميع الأشكال الشعرية، بما فيها قصيدة النثر، لأنها تجربة لها روادها وجمهورها، لكنني وجدت نفسي أكثر صدقًا وحرية في فضاء القصيدة العمودية؛
فهي الأقرب إلى وجداني، والأقدر على حمل تجربتي الشعرية، والأكثر انسجامًا مع ذائقتي الفنية. لذلك فإن بقائي في هذا الفضاء ليس تمسكًا بالماضي، بل إيمانًا بأن الأصالة لا تتعارض مع التجديد، وأن القصيدة الجميلة ستبقى جميلة مهما كان شكلها، إذا صدقت رؤيتها وارتقى فنها.

في قصيدة "لؤلؤة المحار"، ينعكس الحب كرحلة بحرية شاقة ومغامرة عبر الأهوار والأمصار حتى العثور على المرسى الآمن؛ كيف يوظف الشاعر مفردات الطبيعة والبيئة البحرية لخدمة الفكرة الوجدانية؟

في قصيدة "لؤلؤة المحار" لم تكن البيئة البحرية مجرد إطار جمالي أو زخرفة لغوية، بل كانت جزءًا أصيلًا من البنية الشعورية للنص. فالرحلة في البحر بما فيها من أمواج ورياح ومرافئ ولآلئ ومحار، تمثل في حقيقتها رحلة الإنسان في البحث عن الحب الحقيقي، وعن الطمأنينة التي لا تُنال إلا بعد مشقة وصبر.
لقد تعمدت توظيف مفردات البحر لأنها بطبيعتها تحمل دلالات إنسانية عميقة؛ فالموج يرمز إلى تقلبات الحياة والعاطفة، والعاصفة إلى المحن والابتلاءات، والمحار إلى الصبر الذي يحتضن الألم حتى يصنع اللؤلؤة، أما المرسى فهو رمز الاستقرار والسكينة التي ينشدها القلب بعد طول التيه.
وأؤمن أن الصورة الشعرية كلما انطلقت من عناصر الطبيعة اكتسبت صدقًا وقدرة أكبر على ملامسة وجدان القارئ؛ لأن الإنسان يرى نفسه في هذه العناصر، ويقرأ تجاربه من خلالها. لذلك جاءت مفردات البحر في القصيدة لغةً موازية للوجدان، لا تصف الرحلة فحسب، بل تكشف ما يدور في أعماق النفس من شوق وأمل ومقاومة حتى الوصول إلى لؤلؤة الحب التي تستحق كل عناء.

في ذات القصيدة، تتحدث عن بعث الروح والقلب بعد انتظار وعزلة؛ هل ترى أن الحب هو المخلص الوحيد للشاعر من جفاف الحياة ومتاعب السنين؟

لا أرى الحب مجرد علاقة عاطفية، بل أراه طاقةً وجوديةً قادرة على إعادة الإنسان إلى نفسه. ففي القصيدة، لم يكن بعث الروح والقلب وليد لقاءٍ عابر، وإنما ثمرة أملٍ صمد أمام طول الانتظار وقسوة العزلة. لذلك جاء الحب فيها رمزًا للحياة بعد موات، والنور بعد عتمة، والميناء بعد رحلة بحرية أنهكتها العواصف.
ومع ذلك، لا أزعم أن الحب هو المخلِّص الوحيد للشاعر، فهناك الإيمان، والصدق، والجمال، والإبداع، وكلها ينابيع تُعين الإنسان على مقاومة جفاف الحياة. لكن الحب يبقى أكثرها قدرةً على إيقاظ المشاعر، لأنه يمنح القلب سببًا جديدًا للخفقان، ويمنح الكلمة روحها، والقصيدة نبضها.
ولعل أجمل ما في الحب أنه لا يغيّر العالم من حولنا، بل يغيّر الطريقة التي نرى بها العالم، فيغدو ما كان قاحلًا خصبًا، وما كان انتظارًا ميلادًا جديدًا.

قصيدتك "سدنة الحرف" تمثل بياناً فكرياً لحراسة لغة الضاد؛ كيف ترى دور المثقف والشخصيات العامة اليوم في حماية الهوية العربية وسط عواصف التغريب؟

أرى أن حماية الهوية العربية ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل هي مسؤولية كل مثقف وكل صاحب كلمة مؤثرة. فالمثقف الحقيقي ليس حارسًا للماضي فحسب، وإنما هو صانعٌ للمستقبل، يحفظ اللغة العربية من الجمود كما يحفظها من الذوبان، ويجعلها قادرة على مواكبة العصر دون أن تفقد روحها وأصالتها. في قصيدة "سدنة الحرف" أردت أن أؤكد أن حراسة لغة الضاد ليست شعارًا عاطفيًا، وإنما رسالة حضارية؛ فاللغة هي وعاء الفكر، وذاكرة الأمة، وجسرها إلى المستقبل.
وإذا تهاونت النخب الثقافية والشخصيات العامة في الدفاع عنها، فقدت الأمة أحد أهم مقومات هويتها. ولست أرى أن الانفتاح على الثقافات الأخرى يتعارض مع الاعتزاز بلغتنا، فالحضارات القوية تتفاعل مع غيرها وهي واثقة من ذاتها، أما التقليد الأعمى فهو بداية فقدان الهوية. لذلك فإن واجب المثقف اليوم أن يقدم العربية في أجمل صورها، كتابةً وإبداعًا وخطابًا، وأن يجعلها لغة علم وفكر وجمال، لا مجرد لغة تراث.
ومن هنا جاءت "سدنة الحرف" دعوةً إلى أن يكون كل مبدعٍ سادنًا للحرف، وحارسًا للهوية، ومؤمنًا بأن نهضة الأمة تبدأ من الكلمة الصادقة، وأن اللغة إذا بقيت حيّةً في الضمير، بقيت الأمة حيّةً في التاريخ.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مهندس الكلمات ونبض الحرف: مع عبد المجيد الخولي(1-3)
- رصاص الحبر وحراس الأثر: أسامة العيسة يوثق تاريخ المكان ومختب ...
- آفاق الترجمة وخاتمة الحسابات الأدبية: أسامة العيسة يعانق الع ...
- من صدمة أوسلو إلى بلاغة المهمشين: أسامة العيسة يشرح جذور الو ...
- سجون الروح ومانيفستو التجريب: أسامة العيسة يكتب لتحرُر الذاك ...
- طائر الفينيق من قلب الدهيشة: أسامة العيسة يفكك سرديات المكان ...
- أسامة العيسة يفكك فلسفة الجنون والهمس في دير المجانين(2-6)
- بين زمن الخبر العابر وخلود الحرف.. كيف يعيش ضياء الأسدي صراع ...
- صدى اللغات وأعماق النفس: حوار خاص مع الباحث والكاتب والشاعر ...
- مع الشاعرة سلوي بن رحومة:عتبات الروح ودفاتر البوح: إبحار في ...
- عقل على حافة السؤال.. الفيلسوف زهير الخويلدي في أتون الكونية ...
- مع الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة: حِوارٌ يَغُوصُ في عوالم ا ...
- حوار الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة: قضايا الثقافة، التجربة ...
- نبض الكلمة وحكاية الإنسان.. حوار خاص مع الكاتبة إيناس عتمان( ...
- إيناس عبد الحميد :بين ثقوب الذاكرة وسيولة العصر الرقمي(1-2)
- مع الناقدة والشاعرة د. رشا الفوال: تقاطع علم النفس والنقد ال ...
- مع الناقدة والشاعرة الدكتورة رشا الفوال:جسور بين العلم وجنون ...
- د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من ...
- د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من ...
- الممثلة أندريا مارتن واحدة من أكثر النساء فكاهة في برودواي


المزيد.....




- حب الطيور يجتاح جيل -زد-.. ما السّر؟
- مشهد جوي يكشف عن -بحر من البطيخ- في سوق ضخم بالسعودية
- تعليق علاء مبارك عن مسيرة دمياط يشعل سجالا وردودا ساخرة من ن ...
- التضخم يفاقم الفقر في إيران.. وخبير يحذر من تدهور الأوضاع
- مهرجان جرش: كيف أصبحت مدينة -جراسا- الأثرية مسرحاً مفتوحاً ل ...
- تجربة بالواقع الافتراضي - ماذا لو التقيت بنفسك بعد عشر سنوات ...
- انفجار هائل في مستودع للألعاب النارية يهز المكسيك
- -حماس-: لا نزع للسلاح قبل انسحاب الاحتلال
- ذهب وفضة ومجوهرات تحت الماء!
- سوريا.. حريق ضخم يلتهم معملا للصناعات الغذائية (فيديو+صور)


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - هندسة الروح وعوالم الحرف: قراءة في وجدان وشعر عبد المجيد الخولي(2-3)